مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 21/12/2018

خطبة الإمام الشهيد البوطي | سر الفلاح المفقود


سر الفلاح المفقود
خطبة الإمام الشهيد البوطي
تـــــاريـــــخ الخـــــطبـــــة: 2001/06/08
الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلٍّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أمّا بعدُ فيا عباد الله..
أرأيتم إلى السيارة أيمكن أن تتحرك بدون وقود بداخلها؟
أرأيتم إلى جسم الإنسان أفيمكن أن ينشط ذاهباً آيباً لإنجاز أعماله بدون وجود الروح السارية فيه؟
أرأيتم إلى الشجرة التي ضربت جذورها في باطن الأرض أفيمكن أن تنمو وأن تزدهر وأن تؤتي ثمارها بدون سقيا؟
وهكذا فكل شيء بالكون لا يمكن أن يؤدي وظيفته إلا بوقود من نوع ذلك الشيء أو إلا بسرٍ كامنٍ في داخله، وينطبق هذا على الأنشطة الإسلامية المختلفة والجهود الإسلامية الكثيرة والكثيفة التي نراها أو نسمع بها هنا وهناك، لا يمكن لهذه الأنشطة والحركات أن تزدهر أو تعطي ثمارها إلا بالسر الذي ينبغي أن يكون كامناً فيها، أو بالوقود - إن جاز التعبير - الذي يبعث الحياة والحركة فيها.
حقيقةٌ ينبغي أن لا تغيب عن بال كل مسلم بل عن بال كل عاقل، هنالك أنشطةٌ كثيرةٌ تتم على مسرح الحركات الإسلامية، وهنالك جهودٌ كثيرةٌ تنبعث هنا وهناك باسم الإسلام. ولكن ها أنتم ترون أن هذه التحركات الظاهرة وهذه الأنشطة المحسوسة المرأية لا تأتي بأي نتيجة ولا تضعنا أمام أي ثمرة لماذا؟ السبب أن الوقود المحرك غير موجود وأن السر الذي يبعث على النجاح وعلى الوصول إلى الثمار غير موجود.
الأنشطة الإسلامية شيء والوقود الذي ينبغي أن يفيض به القلب فيبعث صاحبه على الحركة شيء آخر. وكثيرٌ من المسلمين اليوم لا يفقهون من الإسلام إلا مظهره الحركي وأنشطته الذاهبة والآيبة، فهم كمن قد فتن من السيارة بمظهرها يريد منها أن تتحرك بدون أن يتأمل ما في داخلها من إمكانات التحرك، بدون أن يهتم بالوقود الذي ينبغي أن يوجد في داخلها. كثيرون هم الذين يفهمون الإسلام على هذا النحو ومن ثم فإن حركاتهم أصبحت كمن يراوح في مكانه؛ حركات ولكنها تبقى في موضعها لا ثمرة لا نتيجة لا فائدة.
ما هو السر الذي يبعث الأنشطة الإسلامية على الازدهار وعلى إعطاء الثمار؟ إنها العبادة أيها الإخوة، والعبادة لا يمكن أن تتحقق إلا بدافعٍ من مشاعر العبودية، العبودية أولاً والعبادة ثانياً. العبودية شعور يهيمن على الكيان يوحي إلى العقل بأن هذا الإنسان عبد مملوك لله سبحانه وتعالى، وأنه خاضعٌ لسلطان الربوبية وأنه مكلفٌ بأن يؤدي حق الربوبية الذي تراكم في عنقه لمولاه وخالقه. تأتي نتيجة لهذا الشعور العبادة، والعبادة حقيقة معروفة تتمثل في فرائض تؤدى وتتمثل في أذكارٍ وأورادٍ وطاعاتٍ يواظب عليها الإنسان، فهذا هو الذي يوجد الوقود في الداخل ومن ثم يبعث على الحركة والنشاط المفيدين والمثمرين في الخارج. تلاوة القرآن جزءٌ لا يتجزأ من هذا الوقود - إن جاز التعبير - أو من هذا السر أو من هذه العبادة التي هي ثمرة العبودية لله سبحانه وتعالى، ولا أريد أن أتحدث عن الصلوات، فالمفروض أن كل مسلم ينشط للإسلام يؤدي فرائضه على أقل تقدير.
من منا اليوم أيها الإخوة يواظب على وردٍ ثابتٍ دائمٍ من تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى؟ لقد رأيت كثيراً ممن يتحدثون عن الإسلام ويزبدون ويرغون بالحديث الحماسي عن الإسلام لا يقيمون ألسنتهم على تلاوة آية من كتاب الله صحيحة، غاضت آيات القرآن عن أذهانهم لشدة ابتعادهم عن كتاب الله لشدة انشغالهم عن كتاب الله بأنشطتهم وأعمالهم وجهودهم الإسلامية المختلفة. وانظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تلقى الوحي من عند الله عز وجل وفتح عينيه على منشور النبوة الذي أنزله الله عليه وأمره بأن ينهض بمسؤوليات التبليغ، ما هو أول واجب كلفه الله به؟ أول ما كلفه الله به أن يعود إلى خزانة الوقود فيملئ هذه الخزانة بالوقود الذي يعينه على النهوض بهذه المهام. ألم تقرأوا قوله )يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا[. هذه الآيات من الآيات التي نزلت في فاتحة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة، ولأمر ما بدأ الباري عز وجل فكلف رسوله بأن يخطو إلى مهامه الكبرى هذه الخطوات، يخاطبه بعد ذلك قائلاً: )وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا[ تلاوة كتاب الله شيءٌ مهم جداً أيها الإخوة. وكم وكم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهمية هذا السر الذي ينبغي أن يستعين به الإنسان المسلم بين يدي نهوضه بالواجبات التي كلفه الله عز وجل في مجتمعه الإسلامي أو غير الإسلامي.
يروي أبو داوود بسندٍ صحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف[. ويقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه مسلم وأبو داوود وغيرهما من حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا وغشيتهم السكينة ونزلت عليهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده[.
أرأيتم إلى أناسٍ أو إلى شخصٍ سلك هذا المسلك فكان ممن غشيته السكينة ونزلت عليه الرحمة وحفته الملائكة وذكره الله فيمن عنده، أفيفشل في مساعيه إذ ينهض بواجب من واجباته الإسلامية!؟ أفتكون أعماله الإسلامية غير مثمرة أيها الإخوة!؟
ذكر الله سبحانه وتعالى - وأنا كما قلت مراراً لا أعني بذكر الله حركة اللسان وحدها ولا أعني بذكر الله جلساتٍ تلقيدية تعرفونها، لكني أعني بذكر الله إيقاظ القلب لتذكر الله، أعني بذكر الله أن يكون فؤاد الإنسان مع الله سبحانه وتعالى أي كما قال الله سبحانه وتعالى: )وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ[.
أين هم الذاكرون الله؟ أين هم الذين إذا أرادوا أن ينهضوا لعملٍ من الأعمال الإسلامية بدأوا فملأوا أفئدتهم من هذا الوقود كما يملؤ أحدكم سيارته من الوقود قبل أن ينهض بها في رحلة ذات اليمين أو ذات الشمال. ألم تسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه )ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورق ومن أن تلقوا عدوكم فيضرب أعناقكم وتضربوا أعناقه" قالوا ما هو يا رسول الله. قال: "ذكر الله[. وما أكثر من جهل معنى هذا الكلام وظن أن هذا الكلام يعني التقاعس عن الصدقات والتقاعس عن الجهاد وسائر المبرات وأن يستبدل الإنسان بها جلسة ذكر. من الذي قال هذا الكلام وأي غبيٍ مغفل يمكن أن يعلق بذهنه هذا المعنى من هذا الكلام النبوي؟
ذكر الله هو المفتاح الذي يجعلك تنال أجر صدقاتك، ذكر الله هو المفتاح الذي يضع في الجهاد سره، والذي يبعثك على أن تستشهد فعلاً، والذي يبعثك على أن تستهين بحياتك إيثاراً لمرضاة الله سبحانه وتعالى. المدخل إلى الكنز هو الأهم قبل الكنز، إذا لم تجد سبيلاً تدخل منه إلى الكنز الذي تبتغيه فما قيمة أن تحلم بهذا الكنز وأنت بعيدٌ عنه؟ هذا ما يعنيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك يربط المصطفى صلى الله عليه وسلم بين العبادة والجهاد فيجعل هذا مقروناً بذاك، أجل ... )عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إلي[
أين هم الذين يتخذون من هذا السبيل أو من هذا المدخل أو قل من هذا الوقود سبيلاً إلى أنشطتهم الإسلامية؟ المشكلة التي ألفت نظري وأنظاركم إليها في هذا العصر وهي من أخطر المشكلات وإن لم تكن أخطرها عامة، هي أن أكثر المسلمين اليوم يفصلون ويفرقون بين الأعمال والأنشطة والحركات الإسلامية وبين جذور الإسلام والأنشطة والحركات الإسلامية وبين جذور الإسلام المتمثلة في معنى العبادة والعبودية لله سبحانه وتعالى، أي أن المشكلة أن المسلمين اليوم يطوفون حول السيارة التي يركنون إليها ويعتمدون عليها دون أن يملأوا داخلها بشيءٍ من الوقود الذي لا يمكن أن تتحرك إلا به والأنشطة الإسلامية ثمرة لشجرة الإسلام، وشجرة الإسلام إن هي إلا عبودية فعبادة )وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[. قفوا أمام هذا الكلام الرباني العجيب )وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ[، ألم يؤمروا بالأنشطة المختلفة؟ ألم يؤمروا بالأعمال والجهاد والصدقات والمبرات وبكل ما نهض به السلف الصالح؟ أجل لكن كل ذلك ثمرات لهذا الذي أمر الله عز وجل به عباده، وهذا الذي أمر الله عز وجل به عباده إنما هو العبودية فالعبادة. العبودية التي تثمر بدورها العبادة السلوكية )وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[.
أنظر أيها الإخوة إلى هذه الأوراد فإذا هي غدت غريبة عن حياة أكثر المسلمين ،كما أن الكلمة ذاتها أصبحت غريبة عن حياتهم. أين هم الذين يتعاملون بكلمة الأوراد، أين هم الذين يقول أحدهم لقد نسيت اليوم وردي وسأقضيه غداً؟ أين هو المسلم الذي يأخذ نفسه بوردٍ دائم يواظب عليه إن في البكور أو في الآصال؟ أين هم الذين يلزمون أنفسهم بوردٍ من تلاوة كتاب الله عز وجل ثم بوردٍ من الاستغفار الدائب والدائم ثم بورد من التسبيح ثم بوردٍ من التهليل ثم بوردٍ من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أروني؟ إنهم موجودون .. ولكنهم قلة أيها الإخوة كالتبر الذي يمكن أن تعثر عليه بين التراب الأغبر أجل.
وأنا أعلم أن هناك فئات قلة تنشط في المساجد لتلاوة القرآن وحفظه، لكنها عروقٌ خفيةٌ وضئيلة تسير متعرجةً في مجتمعات كثيرة وكبيرة لاوزن لها، ومع ذلك فقد وددت لو أن التزم هؤلاء الإخوة بآداب هذا الأمر الذي أحمد الله سبحانه وتعالى عليه.
كم قلت مراراً إن تلاوة القرآن ينبغي أن تكون الخطوة الأولى في خدمة القرآن، تلاوته تلقياً. الخطوة الثانية حفظ القرآن وأعظم بالأجر الذي يدخره الله لحفظة القرآن، ولكن ينبغي لمن يحفظ القرآن أن يضع نصب عينيه خطر نسيان القرآن أيضاً، ولقدر روى أبو داوود والترمذي وابن ماجة من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فما رأيت ذنباً أعظم من رجلٍ أوتي سورة أو آية من القرآن فنسيها[.
قال لي كثيرون: إنك تخذّل الناس عن حفظ كتاب الله عز وجل.
أنا أخذل؟! أنا أذكر المسلمين جميعاً وأذكر نفسي بالأجر العظيم العظيم الذي يدخره الله لمن يخدم كتاب الله تلاوةً وحفظاً، لكن ينبغي أن أذكره أيضاً بالخطر الوبيل وبالذنب العظيم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يحفظه اليوم وينساه غداً، وإذا كنت أتهم بالتخذيل فأحرى إذاً أن يتهم رسول الله قبلي بهذا التخذيل.
أقول: على كل مسلم أن يعلم هذا الأجر العظيم الذي يدفعه إلى خدمة كتاب الله، وينبغي أن يعلم أيضاً هذا الذنب العظيم الذي ذكره رسول الله ثم عليه أن يعلم موقعه بين هذا وذاك، عليه أن يعلم نهايته وأن يدرك حال نفسه.
المهم أيها الإخوة أن الذين يخدمون كتاب الله في المساجد أو في ما يسمى بالمعاهد الأسدية أو نحو ذلك قلة يسيرة جداً، ومع الأسف المعرضون عن كتاب الله والمعرضون عن وقود العبادة التي تأتي بعد العبودية، المعرضون عن هذا أكثرهم الذين يشتغلون بالإسلام، والذين ينشطون سعياً إلى هنا وهناك باسم الإسلام، وأنا كُتب علي أن أسافر إلى بلدة فأخرى فأخرى وأن أجد هؤلاء الذين يشتغلون بالأعمال الإسلامية كثيراً ما أجد أحدهم عندما يردي أن يدبج لنفسه كلمة ناجحة يرى أنه لابد أن يجملها بشيء من آي الكتاب المبين، يبحث في بطون كتاب الله عز وجل بحث عن الإنسان الغريب عن مدينة سياحية يزورها لأول مرة، وأنا أعجب من أن يحتاج المسلم عندما يعود إلى كتاب الله أن يستعين بالفهرس، أنا أعجب من هذا أنت ربيت في ظلال القرآن ونشأت وأنت تتلو كتاب الله عز وجل، وعندما تريد أن تعود إلى سورة الفتح مثلاً تحتاج إلى أن تعود إلى الفهرس فتتبين أين مكان هذه السورة أهي في آخر القرآن أم في أوسطه أم في أوله؟ لعلكم تدركون خطر ما نحن فيه من خلال هذه الصورة التي أقولها لكم.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأن نملئ أفئدتنا بالوقود الذي يبعثنا إلى النهوض بواجباتنا الإسلامية بعثاً مثمراً بعثاً مفيداً بعثاً نجد من وراءه ومعه التوفيق.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. [


تشغيل

صوتي