مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 14/12/2018

خطبة الإمام الشهيد البوطي | مبعث الخوف والغيرة على الإسلام


مبعث الخوف والغيرة على الإسلام
خطبة الإمام الشهيد البوطي
تاريخ الخطبة: 11/5/2001
الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلٍّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أمّا بعدُ فيا عباد الله..
لقد قضى الله سبحانه وتعالى أن يستمر الصراع في هذه الحياة الدنيا بين الحق والباطل منذ فجر الوجود الإنساني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تلك سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في عباده. ومنذ فجر البعثة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم والأعداء الذين يتربصون بدين الله عز وجل كانوا وما يزالون يضعون الخطط ويتربصون بالحق ويبذلون كل ما يملكون من أجل الوقوف في وجه الحق الذي ابتعث الله عز وجل به الرسل والأنبياء، فإن رأينا اليوم أن هنالك خططاً تتكاثر للتربص بالإسلام وأن هنالك أمماً تلتقي للعمل على القضاء على هذا الدين فما هو بالأمر الجديد، إنها سنة ماضية في عباد الله سبحانه وتعالى إلى أن تقوم الساعة، ومهما رأينا هذه الظاهرة متكررة من خلال مناسبات تمر بنا أو نمر بها .. مهما رأينا مظاهر الكيد للإسلام متنوعة متبدلة تحيط بنا عن يمين وشمال فينبغي أن لا ننسى أنها سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير.
ثم ينبغي أن نعلم أن الخوف الذي ينبغي أن تفيض به قلوبنا على الإسلام ينبغي أن يكون مصدره نحن، إذا كنا نخاف على دين الله ونغار عليه، فليكن مبعث خوفنا على الإسلام من أنفسنا من أخطائنا من اعترافاتنا، وإياكم أن توجهوا الخوف إلى غير مصدره فتنسوا أنفسكم وتتصوروا أن الخوف على الإسلام إنما هو آت من تلك الخطط التي تتربص بدين الله سبحانه وتعالى.
مهما تكلم الناس عن أنواع هذه الخطط عن الدول التي تتربص بالإسلام عن التبشير والمبشرين عن الوسائل المختلفة، فإياكم أن تربطوا مخاوفكم على الإسلام بتلك الجهات، إن كنتم ولا بد تريدون أن تغاروا على الإسلام وتخافوا عليه فليكن خوفكم عليه من أنفسكم، من معاصيكم، من انحرافاتكم، من تبديلكم وتغييركم لدين الله سبحانه وتعالى، من عدم صدقكم مع الله عز وجل.
انظروا أيها الإخوة إلى كلام الله عز وجل كم هو دقيق في التعبير عن هذا المعنى الذي أقوله لكم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ[ لم يخوفنا الله عز وجل من خطط الكافرين، من أسلحة الكافرين، من تبشير الكافرين .. وإنما حذرنا الله عز وجل من أن نطيع الكافرين، وإطاعتنا لهم لا تكون بمبايعتهم وإنما تكون بالسير في الطرق التي ترضيهم، بالانحراف عن أوامر الله عز وجل، ثم انظروا كيف أكد هذا المعنى إذ قال: )بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ[ عودوا إلى أنفسكم وتساءلوا عن حالكم فإن رأيتم أنكم توالون الله عز وجل وتصدقون في بيعته فاطمئنوا اطمئنوا بالاً لن يستطيع الكافرون أن ينالوا منكم منالاً ) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ[.
هذا المعنى يتجلى بدقة عجيبة في بيان الله سبحانه وتعالى، نحن نرى أيها الإخوة أن الباطل يحدق بالحق من كل الجهات، ويبدو للناظر لأول وهلة أن خطط المبطلين تثمر وتأتي أُكلها، وأنهم الأقوى، وأنهم هم الأكثر منالاً، كل هذا يتراءى للإنسان لدى النظرة الأولى. ولكن دققوا في الأمر على ضوء ما قد ذكرت لكم وعلى ضوء ما قد بينه لنا كتاب الله عز وجل. هذا الذي تلاحظونه من أين جاء؟ لم يأت من خططٍ دقيقةٍ ماكرة كانت هي الأقوى، ولم تأت من عددٍ كانت هي الأكثر، ولكنها جاءت بسبب أخطائنا نحن في حق أنفسنا بل في حق مولانا عز وجل.
هذا الباطل الذي استشرى وهيمن بحسب الظاهر إنما كان ذلك نتيجةً لانحرافاتنا، لعدم إخلاصنا لربنا، لعدم صدقنا في إسلامنا، للتبديل والتغيير الذي خضنا مخاضته ثم لم نعد منه إلى الله عز وجل قط، للأخلاقيات الإسلامية التي ألقيناها وراءنا ظهرياً واستبدلنا بها ما عند الآخرين من الذين نسميهم الكائدين للإسلام.
أمرنا الله سبحانه وتعالى أن لا نتنازع أمرنا أن نتحد، قال لنا: )وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم[ خالفنا أمره وتنازعنا، ولم يكن ثمة من يجبرنا على هذا التنازع، ولكنا تنازعنا لأن أهوائنا هي التي قادتنا إلى ذلك وإلى رغباتنا الدنيوية قادتنا إلى هذا.
قال لنا الله عز وجل: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[ واتجه هذا الأمر إلى قادة المسلمين أولاً ثم إلى شعوبهم ثانياً، فأعرض القادة عن أمر الله عز وجل وانحطوا في التفرق وأسبابه.
نبهنا الله عز وجل إلى أن لا نغتر بمتاع الدنيا وأن لا نبيع الباقي بالفان وأن لا نؤثر العاجلة على الباقية الآجلة، وحذرنا ثم حذرنا ثم حذرنا من أن نقع في هذا البلاء القاتل في كتابه سبحانه وتعالى، قال لنا: )قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا[.
قال لنا: )لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ[ فماذا كان موقفنا بعد كل هذا التحذير من كتاب الله عز وجل؟ سال لعابنا على الدنيا بكل مظاهرها وزخارفها وأهوائها، واتجهت أبصارنا وبصائرنا إلى ألق هذه الزخارف عند هؤلاء الذين نخشى على إسلامنا منهم، واتجهنا إليهم بمطامعنا واتخذنا من تعشقهم للدنيا وأهوائها أئمة بل إماماً لنا، فبعنا الكثير الكثير من مبادئ ديننا بالتافه التافه القليل من زخارف هذه الحياة الدنيا.
ومن هنا رفع من رفع من المسلمين وهم كثر لواء بما يسمى بالدعوة إلى الحداثة، ألا تسمعون هذه الكلمة التي تصك آذانكم؟! مسلمون في الظاهر؛ منتمون إلى الإسلام وربما يظهرون الخوف على الإسلام من الخطط التي تتربص به وهم في الوقت ذاته يدعون إلى ما يسمى بالحداثة، وما الحداثة؟
الحداثة تتلخص بكلمة وجيزة: أن نخلع رقة الالتزام بضوابط الإسلام وأحكامه، وأن نسوح ونسيح في رحاب الأهواء والشهوات الغربية التي يمثلها هؤلاء الذين يخططون للكيد لدين الله سبحانه وتعالى. الحداثة هي التفلت عن ضوابط الإسلام والتقلب في حمأة الحضارة الغربية. أقول في حمأة الحضارة الغربية وليت أنها فُسرت بالتقاط الثمرات الصحيحة العلمية المفيدة للحضارة الغربية.
نهانا الله عز وجل عن أن نخون هذا الدين الذي ورثنا إياه رسولنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بل ورثنا إياه سائر الرسل والأنبياء جميعاً، حذرنا من أن نخون هذه الأوامر التي ورثناها .. حذرنا من التبديل وأثنى على أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عز وجل عليه وثبتوا على الحق وما بدلوا. ألم يقل: )مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[ ما بدلوا في دين الله شروى نقير، فجئنا نلهث سعياً وراء التبديل..
ألا تلاحظون أنه في كل يومٍ كم نفاجئ بأحكامٍ جديدة تنسخ أحكاماً ثابتةً في كتاب الله وسنة رسول الله؟
ألا ترون كما قلت لكم بالأمس إلى الفتاوى التي تسوق حسب الطلب؟ ألا ترون إلى هذا كله؟
ألا ترون إلى الظاهرة التي تناقض أمر الله عز وجل وتحذيره من أن نخون هذه القيم وهذه الأحكام ونغير ونبدل منها؟
يدعونا الله سبحانه وتعالى إلى أن نعتز بشعائر هذا الدين وأن نعظم هذه الشعائر )ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[ فماذا كان مآلنا مع هذه الشعائر؟ من الشعائر التي أمرنا الله بتعظيمها هذه الصلوات الخمس، وأنا لا أريد أن أذكركم بمنسي، فليت أن هذا الأمر كان شيئاً منسياً. كلكم يعلم كم هنالك من تصدٍ لشعيرة الصلوات الخمس، وكم هنالك من مظاهر التأفف منها، وكم هنالك في أماكن وفي معسكرات وفي جهاتٍ شتى من الوقوف في وجه مظاهر هذه الشعيرة أو التمسك بها بأي شكل من الأشكال.
شعائر الإسلام أيها الإخوة تحول الكثير منها إلى مادة تجارة، إلى مادة منافسة، كتاب الله سبحانه وتعالى في صدر الإسلام لم يكن قد غرق في الألق والزخارف، ولم تكن هنالك أيدٍ تتنافس وتتسابق إلى إخراجه مذوقاً مجملاً بأعلى ما يمكن من الزخارف في مظهره ودخائله وكتاباته، ولكنه كان مطبقاً كانت أحكامه كلها مطبقة واليوم ننظر فنجد تنافس الناس على اختلاف مستوياتهم في إخراج أعلى ما يمكن من مظاهر البذخ والتذويق في كتاب الله سبحانه وتعالى، فننظر فنجد أنها غدت أداةً للتسابق الفني وننظر فنجد أنه ما من مناسباتٍ تعقد، ما من فرحةٍ تعلن إلا ويكون هذا الكتاب تعبيراً عنها والهدية الرمزية بين يديها، حسناً لو أن هذا الإعلان كان تحته مضمون رائع جداً ولكن انظر إلى ما تحت هذا الإعلان انظر إلى ما تحت هذه الظاهرة، هذا الشعار تجد نفسك أمام فراغ بل تجد هنالك إعراضاً عن مضمون هذا الكتاب الذي يزوق الآن ويتباهى الناس بإخراحه بألوان متنوعة ومختلفة وباذخة من الأشكال المتنوعة.
ما أقوله عن كتاب الله عز وجل أقوله عن المساجد أيضاً.
ما أقوله عن المساجد وعن كتاب الله عز وجل أقوله أيضاً عن كثير من المؤلفات التي تُنشر وتُوزع هنا وهناك، كلها شعائر وكلها ينم عن أن هنالك من يعظمها، ولكن الأمر أخطر من ذلك .. اخترق هذه الصور وهذه الظواهر وغص إلى ما تحت ذلك تجد أن الأمر عبارة عن تجارة، عن تجارة دنيوية بسلعةٍ دينية إلا من رحم ربك، هذه هي الظاهرة التي نراها اليوم.
أيها الإخوة أكثر الناس اليوم عبارة عن فريقين، فريقٍ تبرم بالإسلام، يغدو ويصبح بهم الحداثة، وينام على حلم الحداثة، أي التخلص من ضوابط الإسلام القديم والتقلب في حمأة الحداثة الغربية، هذا فريق. فريقٌ آخر مسلمون ينادون بالالتزام، ولكنك تتأمل وتنظر فتجد أنهم اتخذوا من الإسلام مطيةً ذلولة لأهوائهم، لتجاراتهم، لمغانمهم، لأرباحهم. والواقع أن الإسلام أيها الإخوة أقصر طريق ممكن أن يسلكه الإنسان إلى مغنم مالي، أقصر طريقٍ يمكن أن يسلكه الإنسان إلى رئاسة، أقصر طريق يمكن أن يسلكه الإنسان لكي يصبح مرشداً كبيراً يطوف الناس من حوله بالتعظيم والتبجيل. وبين هذا الفريق وذاك قلة من الصادقين قلة ممن وصفهم الله عز وجل )مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[.
أقول هذا الكلام وأستعرضه على أسماعكم لكي أعود فأؤكد لكم: إن كنتم تخافون على الإسلام فخافوا عليه من أنفسكم خافوا عليه من انحرافاتكم، من معاصيكم، من إعراضكم عن الإسلام، من إعراضكم عن وصايا الله عز وجل. إن كنتم تغارون على الإسلام فغاروا عليه بتصعيد أنفسكم فوق هذا المستوى الذي قد وقعنا فيه. إن كنتم تريدون أن تقفوا في وجه هذه الخطط التي تخافون منها والتي تصفونها بين الحين والآخر، فالسبيل لدرء خطر هذه الخطط عنكم أن تعودوا إلى أنفسكم. عودوا إلى أنفسكم .. تأكدوا أنكم تطيعون الله ولستم ممن يطيع هذه الخطط ولو بشكلٍ غير مباشر، لا يمكن لهذه الخطط أن تنال منكم منالاً قط أبداً، مهما لاحت قويةً، ومهما كانت هنالك عددٌ وقوةٌ وعتادٌ من ورائها.
ألم تقرأوا قول الله )إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ[ إن تطيعوا والإطاعة ليست محصورة في أن يقدم أحدنا يده ليبايع الكافر لا، وإنما الطاعة تتمثل في هذه الأوضاع المزرية التي آل إليها واقعنا الإسلامي، ألم يقل الله: )بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ[ ؟ ألم يقل )سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا[.
أيها الإخوة أقولها لكم وكونوا على يقين أنني لا أبالغ ولا أصانع ولا أتكلف، كل هذه المكائد التي أحاطت بنا، كل هذه الخطط التي تبدو أنها قد تفوقت علينا وتغلبت على مبادئنا وقيمنا ليست إلا أصداءً لسوء حالنا، ليست إلا أصداءً لانحرافاتنا، كونوا على يقين من هذا الأمر وكل من شاء أن يتخلص من هذه المكائد وأن يستعلي فوقها فليعلم الدواء الذي ذكره لنا ربنا سبحانه وتعالى لا يشردن عنه ذات اليمين وذات الشمال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


تشغيل

صوتي