مميز
EN عربي
الخطيب: A MARTYR SCHOLAR: IMAM MUHAMMAD SAEED RAMADAN AL-BOUTI
التاريخ: 01/04/2005

لهذا ضربت على الأمة الذلة والمسكنة

لهذا ضربت على الأمة الذلة والمسكنة


خطبة الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 01/04/2005


 


ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والطبراني في معجمه والحاكم في مستدركه من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قال قائلٌ: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفنّ في قلوبكم الوهن قال قائلٌ: ما الوهن يا رسول الله؟ قال: محبة الدنيا وكراهية الموت[.


أيها الإخوة .. الغثاء من السيل هي تلك الفقاقيع والأقذار التي تعلو وتربو على السيل إذ ينهمر من الوادي، والغثاء هو أقذر ما في السيل. وقد أنبأنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن المسلمين سيؤولون إلى هذه الحالة وسيكونون من تاريخهم الأغر كالغثاء من السيل، فما الذي جعلهم غثاءً وقد كانوا في أعين العالم وفي سمع التاريخ مضرب المثل في العلو ورفعة الشأن؟


هم الذين حكموا على أنفسهم بأن يتحولوا إلى هذا الغثاء الذي أنبأ عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما كان الله عز وجل ليظلم أمةً ارتفعت بجهادها وأخلاقها إلى الشأو الباسق ما كان الله ليظلمها ويتركها تنحط إلى الدون في وقت من الأوقات أو في عهد من العهود، ولكن هذه الأمة هي التي حكمت على نفسها بأن تعود فتصبح من العالم الذي تعيش فيه كالغثاء من السيل، )بل أنتم كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل[ كيف حكمت هذه الأمة على نفسها بأن تصبح غثاءً بهذا الشكل؟


قال الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة ذكرها وأمرها بأن تكون أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فقال قائلهم إن بلسان الحال أو بلسان القول: بل سنكون أعزة على المؤمنين أذلةً خاضعين للكافرين.


وقال الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: )وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[ قال قائلهم: بل سنتنازع على الفتات، سنتنازع على الدون والتافه من المال ولسوف ندع المكارم التي ورثناها كابر عن كابر عن السلف، لسوف نلقي هذه المكارم ورائنا ظهرياً. ولو كان الاستشهاد بالشعر أيها الإخوة في مثل هذا الموقف خلاف الأولى فيما ذكره بعض الفقهاء فإن الموقف ليقتضي أن أقول أن هذا الواقع جسد في هذه الأمة قول الشاعر:


دع المكارم لا ترحل لبغيتها .. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي


قال الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة ناصحاً موصياً آمراً ناهياً: )أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر[، قال قائلهم: لا بل نكون كالذين قال الله عز وجل عنهم )فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ[ هذا هو قرارنا، قرارنا أن نلقي الصلاة التي أمرنا بها وراءنا ظهرياً، الصلاة التي قال الله عز وجل عنها )وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي[ لكي تذكرني دائماً ولكي لا تحجب عني بفكرك، بخيالك وتقلباتك، جاء القرار بل سنلقي هذه الصلاة التي أمرنا بها وراءنا ظهرياً وإن اقتضى الأمر فلسوف ننهى عنها أيضاً في كثير من الأماكن والمناسبات والثغرات.


قال الله سبحانه وتعالى لعباده هؤلاء: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ[ قال قائلهم: إن بلسان القال أو بلسان الحال: لقد مللنا هذا الحبل الذي طال تمسكنا به، ومللنا هذا النهج الذي طال التزامنا به وتبرمنا بهذا الاستمساك، إننا نبحث عن الحداثة، نبحث عن الجديد، لا لن نعتصم بهذا الحبل، سنستبدل به غيره وهكذا.


أمر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة كلما نزلت بها ضائقة أن تلتجئ إلى الله بالتضرع والتذلل والانكسار وذكرهم وكرر وأكد فقال: )وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ[. قال قائلهم إن بلسان الحال أو بلسان المقال: لا لن نتضرع سنترك رؤوسنا عالية مشمخرة، سوف نعرض عن هذه العبودية التي تسومنا الذل والمهانة، سنعرض عن هذه العبودية، لن نعرض عنها لمشرق أو مغرب، لن نعرض عنها لقادة، لن نعرض عنها لعدو يتهددنا وإنما سنعرض عنها لقيوم السموات والأرض، سنعرض عن التضرع لهذا الإله الذي يدعونا إلى أن نلتجئ إليه وأن نفر من أنفسنا إليه.


هذا هو القرار الذي اتخذته هذه الأمة اليوم والتي بناءً عليه ارتضت لنفسها أن تتحول كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى غثاء. ما كان الله عز وجل ليظلم أمة قط، ذلك هو قرار المسلمين اليوم إن بملئ أفواههم أو بكامل قناعاتهم، قرارهم أن يخالفوا أمر الله عز وجل في كل ما أوصى به، وأن يرتكبوا كل المحاظير كلها التي حذر منها ونهى الله عز وجل عنها، فهل هنالك من مسؤولية تقع إلا على كاهل هذه الأمة التي ارتضت لنفسها أن تكون مضرب المثل في المهانة، مضرب المثل في الذل؟ هل هنالك من مسؤول يتحمل هذه الجريرة إلا هذه الأمة نفسها عندما ارتضت أن تكون أقذر ما في السيل الرابي الذي ينهمر من الوادي الغثاء، غثاء السيل تلك الفقاقيع التي تطفو على وجه السيل ومعها الأقذار المختلفة المتنوعة.


أقول هذا الكلام أيها الإخوة حتى لا يعتب عاتب منا على قضاء الله سبحانه وتعالى، أقول هذا الكلام أيها الإخوة حتى لا يتساءل أحد منا وهو يفتح عينيه بعد إغماض ويحدق بهما ذات اليمين وذات الشمال ليقول أين هي الأمة الإسلامية التي كانت مضرب المثل في علو الشأن؟ أين هي تلك الأمة العربية الإسلامية التي كانت مضرب المثل في العزة، كانت مضرب المثل في الوحدة، كانت مضرب المثل في الإنسانية والرشد، لا يقولن قائل لا يبحثن عن ذلك المصير التاريخي الذي آل إلى وهم، وهو يلتفت يميناً وشمالاً، نحن الذين دفنا هذه المزايا كلها في قبر من الضعة والهوان، نحن الذين دفنا هذه المزايا التي توج الله عز وجل بها دفناها فيما ارتضيناه لأنفسنا من التبعية المهينة، من الذل، من الإعراض عن كل ما قد أوصى به الله سبحانه وتعالى، وعدنا الله عز وجل إن نحن التزمنا أمره وانتهينا عن نواهيه أن يحيينا حياة طيبة فقال: )مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[ ووعد كل من  يتقلبون في أودية المهانة ممن التجؤوا إلى تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى أن يمن عليهم )وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[.


ولكن ها أنتم ترون كيف أن الخلف بعد ذلك الرعيل الأول بل الذين جاؤوا من بعدهم أيضا والذي جاء من بعدهم أيضاً ... ها أنتم ترون كيف خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وأعرضوا عن وصايا الله وأوامره وتعمدوا أن يسلك نقيض ما قد أمر الله سبحانه وتعالى به. فهل هنالك ظلمٌ إن قال الله عز وجل بعد ذلك عنهم )فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[. هذا هو قرار الله سبحانه وتعالى.


مجموعةٌ من الناس كثروا أو قلوا وهم كثيرٌ في العدد كما تعرفون ولكن هذه المجموعة متناثرة بين سمع الدنيا وبصرها، متناثرة تتقلب في حمأة ذل ما مثله ذل، تتقلب في حمأة مهانة ما مثلها مهانة، والعجب أيها الإخوة الذي يُسام الذل يتأوه منه عادةً والذي يُسام المهانة يتأوه من المهانة عادةً أما أمتنا هذه فقد آل الأمر بها إلى أن تنتشي بالذل وأن تطرب بالمهانة وأن تدغدغها العصي التي تنهمر على ظهرها وعلى كواهلها, هذه هي الأعجوبة التي آل إليها أمر هذه الأمة.


أقول هذا أيها الإخوة مرة أخرى كي لا يعتب عاتب منكم على القضاء فيقول: ألسنا مسلمين؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ لعلكم عرفتم الجواب الآن، نحن مسلمون ولكننا مسلمون بالانتماء، مسلمون بالشارة ولعل الذين يضعون شارة ما على صدورهم يعتزون بها أكثر مما يعتز كثير من المسلمين بإسلامهم اليوم؟


نعم ولقد سألت زينب رضي الله عنها رسول الله قائلة: أنهلك وفينا الصالحون؟ )قال نعم إذا كثر الخبث[


لا تنظروا إلى القلة من الصالحين الذين يتأوهون مما أصابهم، ولكن انظروا إلى الكثرة، انظروا إلى الخبث الطافي، انظروا والتفتوا يمينا وشمالاً إلى الأعداد الكثيرة الكبيرة التي تنتمي بالشكل إلى الإسلام، ولكنها والله ليست من الإسلام في شيء، اللهم إلا القلة التي سيرحمها الله عز وجل يوم القيامة، أقول يوم القيامة أما في دار الدنيا فلا أستطيع أن أجزم بشيء لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: نعم ستهلكون وفيكم الصالحون إذا كثر الخبث.


هذا الكلام الذي أقوله ليت شعري هل يبلغ سمع هؤلاء الذين صدق عليهم قول الله عز وجل )فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ[ هل سيقرع هذا الكلام أذن التائهين الذين حكموا على أنفسهم إلى أن يتحولوا إلى غثاء سيل، ترى لو سمعوا هذا الكلام أليست هنالك بقية من الفطرة الإيمانية؟ أليست هنالك قطرات من دم الكرامة تهتاج وتتحرك بين جوانحهم ليعودوا ويستيقظوا ويقولوا اللهم لبيك وإليك؟ ترى لو أتيح لهم أو لبعضهم أن يسمعوا هذا الكلام ألا يتأتى منهم أن ينهضوا نهضةً ما كنهضة الصريع عندما يستيقظ من غفلته وغشيته ليلتجأ إلى الله وليفر من حاله إلى الله سبحانه وتعالى؟


مفتاح واحد أيها الإخوة يملكه كل واحد منكم إن أدرناه على وجهه المطلوب تبدل ذلنا عزا وتبدلت مصائبنا رحمة ونعماء هذا المفتاح يتمثل في شيء واحد هو صدق الالتجاء إلى الله، صدق التضرع على باب الله عز وجل.


ومرة أخرى أقول كما قلت قبل اليوم: أما أنتم فتتضرعون وربما تلتجؤون وتبكون ولكن أين هم قساة القلوب؟ أين هم أولئك الذين يتطوحون في الليل سكارى بين نعمائهم وبين مشاغلهم وما ينسيهم ويلهيهم عن الله سبحانه وتعالى؟ أين من الالتجاء إلى الله قادة الأمة؟ أين من الالتجاء إلى الله قائد كمحمد الفاتح يضج رأسه بالتراب ليس بينه وبين جبينه فارق قط يبكي ويستنزل الرضى من عند الله ليستنزل النصر على أعقاب ذلك من عند الله؟ أين قائد في هذه الأمة يطرق باب الله سبحانه وتعالى بيد من العبودية المرتجفة؟


لا يكفي أيها الإخوة، لا يكفي أن تعج المساجد بالساجدين والركع، لا يكفي أن تعج المساجد بمن يرفعون أكفهم إلى سماء الرحمة الإلهية، نحن ننتظر من قادة هذه الأمة أن يؤوبوا إلى الله، أن يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى، أن يقولوا اللهم إنا نعلم أننا أسأنا إلى أنفسنا وأننا ارتكبنا ما ارتكبناه من الآثام وها نحن نعود إليك آيبين تائبين حزانا عابدين بيننا وبين النصر القريب أن ندير هذا المفتاح.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.    


 

تحميل



تشغيل

صوتي