مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 24/05/2002

واقع مؤسف في ذكرى المولد

واقع مؤسف في ذكرى المولد


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 24/05/2002


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


إنكم لتعلمون أن محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جزءٌ لا يتجزأ من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما صح عنه: )لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين[.


والمحبة شعورٌ قبل أن تكون سلوكاً، بل السلوك لا يتحقق إلا بدافع المحبة عندما تكون شعوراً يلهب الجوانح وتضرم بمشاعره الأفئدة. والمحب لابد أن يتجدد الحب بين جوانحه وأن يهتاج الشجو في قلبه وفؤاده كلما رأى أثراً من آثار من يحب أو كلما مرت به ذكرى من ذكريات من يحب، سواء كانت ذكريات زمانية أو ذكريات مكانية، ولايماري أو يرتاب في هذه الحقيقة أحد.


أرأيت لو أن أحدنا كان مشدوداً قلبه بالحب إلى قريب أو إلى حبيب يوده ويفيض قلبه حباً له ومرت به ذكرى من ذكرياته، رأى المكان الذي كان يقيم فيه أو مر به اليوم الذي التقى فيه أو الذي ولد فيه، كيف تستيقظ مشاعر الشجو عندئذٍ بين جوانحه وكيف تضطرب مشاعر الحب مجدداً له في فؤاده؟ تلك حقيقة يعرفها كلٌ منا فما بالكم بمن كان قلبه فياضاً بمحبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ كان إيمانه بالله متكاملاً، ثم مرت به ذكرى من ذكريات حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ذكرى يوم ولادته كيف يكون حاله؟ إن كان محباً حقاً لرسول الله لابد أن يحركه الشجو ولابد أن يضطرم بين جوانحه الحنين إلى المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولامجال لمناقشة مثل هذه الموضوعات أو المسائل الشعورية، فالمنطق فيه للحب وليس لأي شيء آخر.


وإني لأعلم أن كثيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذين امتدت بهم الحياة إلى سنوات طويلة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كانت أقل ما يمكن من الذكريات التي تهب أمامهم تعود بهم إلى أيام المصطفى صلى الله عليه وسلم وأيام جلوسهم إليه ولقائهم له، فكان البكاء يأخذهم ثم لايردهم وكان الشوق يضطرم في أفئدتهم.


وحسبكم أن تعلموا يوم عاد سيدنا بلال بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم بسنوات إلى المدينة المنورة وناشده كثيراً ممن فيها عندما حانت الصلاة أن يقوم فيؤذن كما كان شأنه أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذر في بادئ الأمر ولما اشتدوا بالرجاء عليه قام فأذن. فكيف كانت حال أصحاب رسول الله آنئذٍ؟ بل كيف كانت مشاعر التابعين يومئذٍ؟ ما من عينً إلى وتحولت إلى نبع دموعٍ وبكاء، وما من قلب إلا واهتاج فيه الشوق والحنين إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف أيها الإخوة ونحن ندعي - ونرجو أن نكون صادقين فيما ندعي - أننا نحب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف ينبغي أن تكون حالنا الشعورية إذا مرت بنا ذكرى ولادة هذا الحبيب العظيم وفاحت في نفوسنا رائحة هذه الذكرى وعبقُ هذا الشعور المؤنس، كيف يكون حالنا إذا امتزجت هذه الذكرى بمشاعرنا المحبة للمصطفى صلى الله عليه وسلم؟ لابد أن تهتاج بين جوانحنا مشاعر الشوق إليه والحنين إليه، ثم لابد أن نترجم هذه المشاعر بالاحتفاء والاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


ولكن كيف يكون هذا الاحتفال؟ لكي يكون هذا الاحتفال ترجماناً حقيقياً للشوق اللاهب بين الجوانح ولكي يكون تعبيراً صحيحاً لمحبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون هذا الاحتفال تجديداً منا للبيعة له، ينبغي أن يكون تجديداً منا للتمسك بهديه، ينبغي أن يدفعنا هذا الشعور إلى أن نتلمس مكان محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهي لا تزال جذوة باقية في أعماق نفوسنا؟ أم إنها تحولت إلى رماد وإلى أثرٍ بعد عين؟ هكذا ينبغي أن يكون احتفالنا واحتفاؤنا بذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم.


أما الرابطة بين هذه المناسبة والحب فلا يستطيع أحدٌ أن ينكرها، وأما ترجمان هذا الحنين فكما قلت لكم ينبغي لكي يكون ترجماناً صحيحاً، ينبغي أن تدفعنا الذكرى إلى تجديد البيعة له، وإلى تجديد المحبة له والتمسك بهديه وسنته وشرعته.


وأقول لكم بهذه المناسبة أيها الإخوة أنا لا أملك أن أكذب شعور من يدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأننا لا نطلع على السرائر ولكني أقف دائماً عند الظواهر إذا رأيت أن الكثرة الكاثرة من المسلمين وقد أعرضت عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أستطيع أن أجد ما يثلج الصدر في احتفالات المسلمين بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا نظرت ووجدت في المسلمين كثرة كاثرة تدعو إلى نبذ السنة النبوية بدلاً من التمسك بها احتجاجاً بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وحده، وأنظر فأجد أن لهؤلاء الذين يقولون الكلام الأخرق من يصفق لهم ومن يروج كلامهم ومن يجعل من حديثه صدىً لباطلهم سواءٌ كان من القادة أو من غيرهم، عندما أجد هذه الظاهرة لا يمكن أن أصدق أن احتفال المسلمين اليوم بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجمان حقيقي لمشاعر الحب له.


نحن اليوم نعيش صراعاً عجيباً، صراعاً غريباً من نوعه بين المسلمين الصادقين في الانتماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتمسكين بشرعة الله وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين من يزعمون أنهم غيارى على كتاب الله، وأنهم الذين يدعون إلى التمسك بالمعين الأوحد الذي هو القرآن. يدعو هؤلاء الناس الذين يأتوننا بنغمة لم نسمعها من قبل، يدعوننا إلى الإعراض عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى التمسك بمصدرٍ واحدٍ لهذا الدين ألا وهو القرآن، أما رسول الله فلم يكن إلا ساعي بريد أنفذ إلينا الرسالة ومضى، والمهم أن ننظر إلى الرسالة التي حملها ألا وهي القرآن ولا داعي إلى أن نقف أمام شخص هذا الساعي الموظف. هكذا يقول اليوم قائلون وهم من أبناء جلدتنا ويتظاهرون بالتوجه إلى قبلتنا، ويدعوننا إلى أن لا نتخذ إلى جانب كتاب الله مصدراً ثانيا ًلهذا الدين الحنيف. ونعود إلى كتاب الله عز وجل فنجده يقول لنا بصريح العبارة: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[ هكذا يقول الله عز وجل، قل يا محمد إن كنتم فعلاً تحبون الله فاتبعوني أي اتبعوا محمداً يحببكم الله ورسوله، أنظر فأجد أن الله عز وجل يقول )مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ[.


في المجتمع الذي يحتفل به المسلمون بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يروج لهذا الكلام التافه لهذا الباطل القذر ثم لا أجد من يضرب على أيدي هؤلاء ويحطم الأقلام التي تتحرك في أيديهم لبث هذا الباطل العجيب.


 كيف أحتفل بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعي أن المجتمع يلهج بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه هؤلاء الدجاجلة الكاذبون؟ وأنتم تعلمون أنها خطة قذرة أتتنا من دوائر تمارس منذ حيناً الغزو الفكري وسبل القضاء على الإسلام. عز عليهم أن يدعو المسلمين إلى الإعراض عن كتاب الله لأن أحداً لن يستجيب لهم، قالوا اتبعوا كتاب الله ولا تتبعوا من دونه أحداً، لعل في السذج والمغفلين والبسطاء من يتبعهم فكان هذا السبيل هو السبيل الغير المباشر لنبذ القرآن، وللقضاء على صلة ما بين الإنسان وكتاب الله عز وجل. وهل ثمة سبيلٌ بين المسلم وكتاب الله إلا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ تصوروا إذا تقطع بنا هذا السبيل كيف يمكن أن نهتدي إلى العمل بكتاب الله سبحانه وتعالى؟


أيها الإخوة بالأمس وقبل الأمس سألني الكثير عن السبب في حجب الله عز وجل النصر عنا وفي تسليطه الكفرة والمارقين من أعداء دينه علينا؟ وأجبت ويبدو أن جوابي لم يسد مسداً كافياً من الإشكال الذي كانوا ولا يزالون يتطارحونه.


يظن الكثير من هؤلاء المتسائلين أن المشكلة تكمن في قادة المسلمين فقط، هؤلاء الذين فاحت رائحة الخيانة من سلوكهم وعلاقاتهم وأصروا إصرارهم على أن لا يحيدوا عن هذا المنهج الخياني، أما الشعوب فظنوا أنها ملتزمة جادة الصراط الإلهي، متمسكة بكتاب الله وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، من قال هذا؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يظلم وإن الله عز وجل عدلٌ لا يمكن إلا أن يحقق ما وعد وقد وعد الله سبحانه وتعالى أن ينصر عباده المؤمنين الصادقين في انتصارهم لله )إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ[. الشعوب، الشعوب الإسلامية اليوم تحولت إلى بؤر لا تنظروا إلى القلة أجل هنالك قلة لا تزال ثابتة على النهج القويم بحمد الله كما أنبأ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن انظروا إلى الكثرة الكاثرة بؤر بؤر تدعو إلى الحداثة تبرمت من القديم من دين الله عز وجل، بؤرة أخرى تجاهر بالدعوة إلى العلمانية، بؤرة أخرى تنعت نفسها باللبرالية، بؤرة أخرى ولعلها أخطر البؤر ترتدي أقنعة الإسلام وتتظاهر بالغيرة على دين الله وعلى كتاب الله عز وجل، ثم إنها تسلك عبر أقنية خفية أسوء السبل لتفتيت هذا الدين وللقضاء على شرعته لكن لا عن طريق الهجوم الظاهر عليه، وإنما عن طريق التسرب إليه عبر الأقنية الخفية، وبعد ارتداء مظاهر الدعوة إلى الإسلام والغيرة على كتاب الله عز وجل وقد حدثتكم الساعة عن نماذج من هؤلاء الناس.


ألا ترون أيها الإخوة أن بين ظهرانينا اليوم من يجذبوننا بطريقة خبيثة وعجيبة جداً إلى الإعراض عن مضمون كتاب الله عز وجل الآمر الناهي المشرع، يدعوننا إلى الإعراض عن ذلك والاستبدال عن ذلك بالتسلي بألفاظه وحروفه وما يتعلق به، بالأمس القريب ثارت ثائرة من يحدثوننا عن الإعجاز العددي في القرآن، أما المغفلون والسذج والبسطاء من عامة الناس فظنوا أنه فتحٌ جديد يدعى من خلاله المسلمون إلى مزيدٍ من الإيمان بأن هذا القرآن كلام الله عز وجل وأما الذين نظروا ومحصوا ووضعوا عقولهم ميزاناً لهذه الدعوة فقد علموا وتبين ذلك فيما بعد أن هؤلاء يدعون المسلمين إلى أن ينسوا أو يتناسوا مضمون كتاب الله الآمر الناهي المشرع الموجه الموصي الناصح المحذر، يدعوننا إلى أن ننسى ونعرض عن هذا المضمون الذي تنزل القرآن لأجله وأن نتسلى بالحديث عن عدد كلمات القرآن، عدد حروف كل سورة وأن نجمع ونطرح ونتحدث وننظر فكم تساوي هذه المجموعات من مجموعة التسعة عشرة، أرأيتم إلى الخدعة؟ خدعة ورب الكعبة أيها الإخوة وأنا أول من يعرفها ويدرك خلفياتها.


أين نحن أيها الإخوة من حب رسول الله القائل )لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين[؟ أين هي رائحة هذا الحب؟ أين هو الحنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجتمعاتنا، في علاقات ما بيننا، في مشاعر قادة هذه الأمة، أين هو هذا الحنين؟


يا عجباً أيها الإخوة عندما أنظر فأجد قطعة جماد تتمتع بشعور من الحب لرسول الله أكثر مما يتمتع به أصحاب القلوب الخفاقة! إنه لشعورٌ مؤلم ألا تعلمون يوم حن الجذع إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح الذي يرويه البخاري، كان عليه الصلاة والسلام يستند يوم الجمعة أثناء خطابه إلى جذعٍ وراءه ثم إن منبراً وُضع له بعد أن استأذنوه في ذلك فأُقصي الجذع ووضع المنبر في مكانه وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر وإذا بحنين وأنينٍ ينبعث من ذلك الجذع القصي في طرف من أطراف المسجد وكل من في المسجد يسمعه، نزل المصطفى صلى الله عليه وسلم وقطع حديثه واتجه إلى حيث ذلك الجذع الجامد الذي ليس له قلب كقلوبنا تخفق، استلمه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبقى يده عليه إلى أن سكت، إلى أن سكت، وإني قلت لو أردت أن أترجم حنين هذا الجذع إلى كلامٍ نعقله ونفهمه، ولو أردت أن أترجم لمسة الممصطفى صلى الله عليه وسلم الحانية على ذلك الجذع لرأيت من ذلك الحوار التالي: يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ماذا تريد؟ إن شئت غرستك نخلة في أعلى رابية فوق هذه الأرض تبقى إلى أن تقوم الساعة يأكل الناس من ثمارك ويتفيؤون ظلالك، ولكن الجذع قال لا أحب قربك، أحب قربك لا أحب شيئاً مما تقول، هذا حوار ما بين حبيبنا المصطفى وجذعٍ جامدٍ لا قلب له. أين نحن أيها الإخوة من هذا الحنين؟ أين هي أفئدتنا النابضة بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ادعينا أننا نحبه فأين هو ترجمان هذا الحب؟ أين هو مصداقه؟


اللهم اغفر لنا اسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


تحميل



تشغيل

صوتي