مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 06/09/2019

شاب نشأ في عبادة الله

شاب نشأ في عبادة الله


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 27/9/2002


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


لعلكم جميعاً سمعتم الحديث الصحيح المتفق عليه والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم )سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله[، الفئة الثانية من هذه الفئات السبع على الترتيب: شاب نشأ في عبادة الله سبحانه وتعالى. ألا تتساءلون عن السبب الذي جعل هذه الفئة الثانية تمتاز بهذه الدرجة العالية وتتبوء هذه الطمأنينة يوم القيامة، يوم يشتد وقع ذلك اليوم على الخلائق أجمع.


ما السبب الذي يجعل الشاب الذي نشأ في عبادة الله سبحانه وتعالى في نجوة من شدائد يوم القيامة كلها، يجعله مطمئناً في ظل ظليل من رحمة الله سبحانه وتعالى وكلاءته؟


الشاب أيها الإخوة يمر بمرحلة أهواؤه فيها مقبلة، غرائزه مهتاجة، رغائبه تلح عليه، وهو في الوقت ذاته يتمتع بقدرات مقبلة وطاقات معطاءة، يسير متجهاً في تلك المرحلة إلى أوج نشاطه وإلى أوج عطائه، فإذا نشأ هذا الشاب مع هذا كله في عبادة الله سبحانه وتعالى ملتزماً أوامره سائراً على صراطه لا ينحرف عنه يمنة ولا يسرة، فمعنى ذلك أنه يصبر على أهوائه فيتحرر منها، وأنه يتجاوز غرائزه التي تهتاج بين جوانحه فيتغلب عليها، وأنه يمتع ويسخر نشاطاته كلها في تلك الفترة لخدمة دين الله سبحانه وتعالى ويوجه إمكاناته المقبلة على اختلافاتها الفكرية منها والعضلية منها، يسخر ذلك كله لما يرضي الله سبحانه وتعالى لما قد ألزم نفسه به من التوجه إلى الله والسير على صراط الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يتم إلا إذا ألزم هذا الشاب نفسه بلون من الجهاد لا نظير له، وإلا إذا ألزم نفسه بأن يوقف كل نشاطاته وكل جهوده التي تتأتى منه لما يرضي الله سبحانه وتعالى.


قارنوا بين هذا الشاب الذي نشأ على هذا النحو واتجه إلى الله في هذا الطريق، قارنوا بينه وبين إنسان آخر فتح عينيه على الدنيا وهو في مقتبل شبابه وريعان عمره فأصغى إلى أهوائه ثم استجاب إليها، واتجه إلى غرائزه المهتاجة بين جوانحه فخضع لها، واتجه إلى الوظائف التي أتيح له أن يتبوأها فجعل منها مكسباً لرغائبه وجعل منها مزرعةً لأهوائه وشهواته، جعل كل أنشطته وكل إمكاناته وكل عطاءاته في سبيل رغائبه، في سبيل أهوائه، في سبيل المال الذي يجمعه، أو المكانة التي يريد أن يتبوأها، حتى إذا انحسرت عنه مرحلة الشباب وانطوت عنه أيضاً مرحلة الكهولة وجاءت الشيخوخة وتقاعد عن عمله ومسؤولياته فيه، وأدبر كل ما كان مقبلاً في أيام شبابه وانطوت نشاطاته وغابت امكاناته وعطاءاته وأصبح في حالة هو المحتاج فيها، أصبح في حالة لسان حاله يريد أن يقول: أريد أن آخذ، أما العطاء فقد ذهب ميقاته، في هذه المرحلة يتذكر الله، في هذه المرحلة يصطلح مع الله سبحانه وتعالى ويتجه فيما يزعم إلى طريق يوصله إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. قارنوا بين ذلك الشاب وهذا الإنسان الذي لم ترتفع الحجب فيما بينه وبين الله عز وجل إلا في المراحل الأخيرة من عمره، تعلمون السبب في هذا الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


وأنا لست أعجب من شابٍ تفتحت براعم عقله مع شبابه فهدي إلى الله وعرف معنى هذه الحياة الدنيا، فاتخذ سبيله إلى الله عز وجل مؤثراً سعادة العقبى على سعادة الدنيا، ومع ذلك فهو سيكرمه بالسعادتين معاً، أنا لا أعجب لإنسانٍ عرف الله عز وجل منذ نعومة أظفاره، ولكني أقول لكم الحق: أنا أعجب من الفئة الثانية، أعجب من إنسانٍ هو في أوج نشاطه، وفي أوج قدراته، نشاطه في الأوج وعطاءاته تسأله عما يريد، وهو يتبوء مركزاً من المراكز الحساسة، يتبوء مسؤولية عالية، تذكره بالله فيعرض عنك، تذكره بأوامر الله سبحانه وتعالى فيتجاهلها، تحدثه عن الدين والآخرة فيقول لك: نحن اليوم نتعامل مع الدنيا إذاً ينبغي أن نفكر فيها، همه كله أن يحافظ على كرسيه، أن يحافظ على رزقه وقوته، همه أن يوجه أنشطته وقدراته وعطاءاته في سبيل الأهواء التي تهيمن عليه وفي سبيل الأحلام التي ينسجها في نفسه، يمضي شبابه وكهولته وربما جزءاً من شيخوخته على هذا المنوال لا يتذكر مولاه ولا يخضع جسده لشيء من وظائف دين الله عز وجل، حتى إذا انحسرت عنه المسؤولية ودخل في مرحلة التقاعد، وغابت عنه الوظيفة نظرت إليه فإذا هو يحمل سبحة وإذا هو يتحدث عن الدين وإذا هو يقول لك معتزاً أنه عازمٌ على أن يذهب حاجاً إلى بيت الله الحرام، ويتجه بأنشطته إلى أمورٍ دينية يتسلى بها ريثما يقضي الله سبحانه وتعالى فيه قضاءه، في هذه المرحلة عرف الله، في هذه المرحلة صافح دين الله عز وجل في بعض أو كثير مما أمر، هو في أي مرحلةٍ الآن؟


هو في مرحلة الحاجة إلى الأخذ، أما مرحلة العطاء ومرحلة النشاط فقد أدبرت وتولت، عندما متعه الله سبحانه وتعالى بالقدرات الفكرية وبالقدرات العضلية وبالأنشطة التي ما مثلها وعندما أمكنه الله عز وجل من أن يعمل الكثير بمقتضى مسؤولياته التي يتبوأها ومركزه الذي يتملكه، في تلك الفترة - والله عز وجل يذكره ويأمره - كان معرضاً عن الله وكان معرضاً عن أوامره ونواهيه، يُذكر فلا يتذكر، يُحدث فلا يُقيم لحديث الدين وزناً، أما الآن فهو  ويأمره , كان معرضاً عن الله وكان معرضاً عن أوامره ونواهيه , يُذكر فلا يتذكر , يُحدث فلا يُقيم لحديث الدين وزنفي مرحلة لسان حاله من الفرق إلى القدم يقول: إنني ضعيف أريد أن آخذ، أما مرحلة العطاء فقد ولت، الآن عرف الدين، يريد الآن من الدين أن يعطيه، أما الحقوق التي كان ينبغي أن يعطيها هو من نفسه من نشاطه من قدراته من مركزه الذي يتبوؤه فلم يكن آنذاك يعي شيئاً مما يسمى الدين ومما يسمى الإسلام.


هذا ما أعجب له أيها الإخوة ..


كم وكم من فرق بين من يُقال له غداً إذا قام الناس لرب العالمين: )أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها[ وبين من يُقال له: )كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية[. لاحظوا هذين الفريقين من الذين يقال لهم: )كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية؟[ أولئك الذين أقبلوا إلى الله في مرحلة العطاء، في مرحلة النشاط أولئك الذين أقبلوا إلى الله عز وجل وأهواءهم مقبلة وغرائزهم مهتاجة ودنياهم تحذرهم من فقر بعد غنى فألجموا أنفسهم ألجموا غرائزهم، صبروا أنفسهم وعاهدوا الله عز وجل على البقاء والاستمرار والثبات صبرهم الله عز وجل هؤلاء هم الذين يقال لهم غداً )كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية[.


أما أولئك الذين استجابوا لرغائبهم بدلاً من أن يستجيبوا لله استجابوا لأهوائهم بدلاً من أن يُخضعوا أنفسهم لشرائع الله، استجابوا لغرائزهم المهتاجة بدلاً من أن يضبطوا أنفسهم بأحكام الله عز وجل. هؤلاء الذين بوأهم الله مراكز بوأهم الله مسؤوليات فاحتضنوا هذه المراكز والمسؤوليات ليجعلوا منها حجاباً يقصيهم عن الله سبحانه وتعالى، هؤلاء يُقال لهم غداً: )أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها[.


ترى هل سيتقبل الله سبحانه وتعالى رجوع إنسان إلى الله عز وجل وهو في المرحلة الأخيرة من عمره؟ هل سيتقبل الله عز وجل من هذا الإنسان إقباله إليه وهو في مرحلة الحاجة وقد ولت عنه مرحلة النشاط والقدرات والإمكانات والعطاء؟ مرد ذلك إلى الله عز وجل والله سبحانه وتعالى هو المطلع على السرائر ولعل هذه الفئة التي لا تعرف الله عز وجل إلا عندما تنفض يدها من الدنيا إلا عندما تشبع من رغائبها وأهوائها، لعل هؤلاء الناس لا يكونون صادقين مع الله عز وجل، لو كانوا صادقين مع الله سبحانه وتعالى لقاوم صدقهم أهواءهم.


الإنسان الجائع عندما يقبل على مائدة طعام فيعكف عليها ويعب من الطعام الذي أمامه لا يستجيب لأحد؛ هو عبد في تلك المرحلة للطعام الذي يأكله، شيء طبيعي جداً أنه إذا شبع أن تعاف نفسه الطعام الذي أمامه بحكم الشبع الذي هيمن على كيانه، ومن ثم ومن الطبيعي جداً أن يقوم من على الطعام وعندئذٍ فمن الطبيعي جداً أن يلتفت إلى الناس الذين كانوا يحدثونه فلا يستجيب لهم، شيء طبيعي جداً الإنسان الذي أكل ثم أكل ثم أكل حتى أتخم من الطعام من الطبيعي أن يترك الطعام وهؤلاء الذين عندما يتقاعدون عن مسؤولياتهم وينظرون فيجدون الموت قد أصبح على مقربة منهم ويعودون إلى أهوائهم وإذا بهم قد شبعوا منها وإذا هي قد أدبرت ويلتفتون إلى غرائزهم وهي الأخرى قد أدبرت وضعفت وذبلت بين جوانحهم، ما الذي بقي من الحياة، من الرغائب والأهواء حتى يؤثروها على الله عز وجل؟ لم يبق شيء، ما هي قيمة الإيمان في هذه المرحلة؟ ما هي قيمة الإقبال على الله عز وجل؟ ما هي قيمة الإقبال على كفة لا تقاومها كفة إلى جانبها؟


ولكن الله لطيف ولكن الله عز وجل كريم ولعل الله عز وجل يدخل عباده جميعاً في رحمته، ولكن انظروا إلى قول الله سبحانه: )إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ[ اقرأوا هذه الآيات إلى آخر هذه السورة. أفتتصورون أن تساوي أقدار الله عز وجل بين شاب نشأ في عبادة الله وبين إنسانٍ أعرض عن الله ثم أعرض ثم أعرض ثم إنه أقبل إليه عندما وجد أن إقباله إليه لا يحمله عنةً ولا يكلفه شيئاً؟


أفتتصورون أن تكون رحلة هذا الفريق وذاك إلى الله سواءً؟ أفتتصورون أن تكون هذا الفئة الثانية بمنجاة من شدائد يوم القيامة، بمنجاة من الظمأ الذي يمزق الأحشاء، بمنجاة من الحرور التي تغلي منه رؤوس الخلائق، بمنجاة من الظمأ الشديد الذي وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تماماً كما سيكون حال ذلك الشاب الذي صبر ثم صبر في دار الدنيا، أظمأ نفسه، تسامى فوق شهواته، تحرر من غرائزه ورغباته في سبيل هذا اليوم، في سبيل أن يجد نفسه غير محتاج إلى الصبر في هذا اليوم .. أتظنون أن الله يساوي بين الفريقين؟ لو كان الأمر كذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة لا مزيد عليهم )سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله[ أول هذه الفئات "إمام عادل" الفئة الثانية على الترتيب )شابٌ نشأ في عبادة الله[.


ألا ليت أن كل إنسانٍ يمر بمرحلة شبابه يلتفت إلى هذا الذي يقوله رسول الله، لا يضحى بسعادة العقبى في سبيل الكرسي، في سبيل مسؤولية، في سبيل وظيفة، في سبيل تجارة، في سبيل رغد عيش، يُقبل إلى الله عز وجل منذ نعومة أظفاره منذ أن تتفتح براعم عقله في رأسه إذاً لأكرمه الله عز وجل بسعادة الدنيا والآخرة. أقول قولي.. 


تحميل



تشغيل

صوتي