مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 19/07/2019

تحذير لم يؤخذ على محمل الجد

تحذير لم يؤخذ على محمل الجد


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 23/8/2002


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله..


إنما يكون العبد مسلماً ثم مؤمناً بالله عز وجل عندما يدخل في بيعة مع الله سبحانه وتعالى يبايعه فيها على عبوديته التي يقر بها لله سبحانه وتعالى وعلى إقراره بألوهية الله سبحانه وتعالى وربوبيته له إلهً واحدا ًلا شريك له، وإنما تتم هذه البيعة بين العبد وربه سبحانه وتعالى عن طريق عقد لابد أن يتكرر في اليوم خمس مرات ألا وهو الصلاة الخمس. الصلوات الخمس التي افترضها الله سبحانه وتعالى على عباده، صيغة العقد التي تتم فيها هذه البيعة بين العبد وربه سبحانه وتعالى فيدخل بفضلها في رحاب الإسلام ثم في رحاب الإيمان إنما تتمثل في هذه الصلوات الخمس.


وحسبكم في ذلك بياناً لخطورة هذه الصلوات ولأهميتها ولعلكم تلاحظون هذه الأهمية من خلال قول الله عز وجل: ) إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا[. كانت فريضة منوطةً بأوقاتها ما ينبغي أن تتأخر عن مواقيتها قط ولا أن تتقدم، )إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا[ ولعلكم تلاحظون مزيداً من هذه الخطورة والأهمية في قول الله عز وجل المتكرر في محكم تبيانه: )واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين[ ومثل قوله عز وجل: )اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[


في الناس أيها الإخوة من يقول وهو مسلم: إن الصلاة ليست كل شيء في الدين. ولقد قلت لمن يقول هذا الكلام ويردده: حقاً إن الصلاة ليست كل شيء في الدين كما أن الدعامة الكبرى التي تحمل الدار ليست كل شيء في الدار، ولكن من هذا الذي يجهل أننا لو أخذنا هذه الدعامة ونسفناها من الدار فإن الدار لابد أن تتهاوى. الصلاة من الدين كهذه الدعامة من الدار. ولذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم )الصلاة عمود الدين[. هذه الحقيقة ينبغي أن نتمثلها أيها الإخوة دائماً وينبغي أن نعلم أننا إذا أردنا أن ندخل في بيعة صادقة مع الله عز وجل نعلن خلالها عن عبوديتنا لله وعن ألوهية الله لنا، فلا بد من أن ندخل في هذه البيعة عن طريق عقد، والعقد الوحيد الذي تتم فيه هذه البيعة بين العبد وربه، إنما هو عقد الصلاة، الصلوات الخمس إذ تتجه بها إلى الله عز وجل كل يومٍ خمس مرات.


أيها الإخوة أقول هذا الكلام بين يدي حقيقة ينبغي أن نعلمها جميعاً، إننا نحن هذه الأمة الإسلامية مستهدفون في هذا العصر، وإن بلدتنا هذه في مقدمة البلاد المستهدفة من قبل من أعلنوا عن عداوتهم لله وأعلنوا عن عداوتهم لدين الله سبحانه وتعالى، إنهم يضعون الخطط الكثيرة المتسارعة للقضاء على هذا الدين الذي ترتفع رايته فوق أرض الله الواسعة الرحاب، ولكنهم يجعلون الأولوية في عداوتهم لأكثر هذه البلدان اعتزازاً بالإسلام وتمسكاً بآداب الشرع، وبلدتنا ولله الحمد كانت ولا تزال من أكثر البلاد اعتزازاً بدين الله عز وجل عن وعيٍ وإدراكٍ ثاقب واعتماداً على العلم واعتماداً على المعارف ثم اعتماداً على العواطف بتوازن دقيق، ولست بصدد عرض الوثائق والدلائل التي تكشف عن هذه الحقيقة، المهم أن تعلموا أيها الإخوة أن بلدتكم هذه مستهدفة ضمن قائمة من البلدان الأخرى لا لشيء إلا لأن الإسلام مستعلن فيها، إلا لأن هذا الإسلام إذا امتد ثم امتد ثم ترسخت جذوره وازدادت ترسخاً فلابد لأشعته أن تنتشر هنا وهناك، ولابد عندئذٍ أن تقضي أشعة الإسلام على ظلمات هذه الحضارة الغربية التي شاخت والتي كادت أن تبيد اليوم. هذه خلاصة لحقيقة ينبغي أن لا يجهلها أحد منكم.


أمام هذه الحقيقة الماثلة ما العلاج الذي ينبغي أن نهرع إليه؟ أولاً يجب أن نعاهد الله عز وجل على الثبات وعلى الوقوف في وجه أي عدوان يستشري يضع الظلم نصب عينيه ويضع العدالة تحت قدميه، فهذه هي النقطة الأولى التي ينبغي أن تسترعي انتباهنا لكن ما العلاج؟


لاشك أن الاستعداد من أهم العلاجات التي أمرنا الله عز وجل بها وكلكم يقرأ قوله سبحانه )وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[ ولكن فلتعلموا أيها الإخوة أنه مهما بلغ استعدادنا فلن يبلغ القوة التي يتمتع بها الطغاة في العالم، ومن ثم فإياكم أن تعتمدوا في النصر الذي تتوقعونه على هذه القوة التي ينبغي أن نوفرها، ينبغي أن نضع نصب أعيننا الوصية التي أوصى بها عمر رضي الله عنه يوم أوفد سعد بن أبي وقاص أميراً على غزوة القادسية، انظروا إلى هذا الكلام الذي قاله بعد أن حذر الجيش من المعاصي وقال: كونوا على حذر من معاصيكم أكثر من أن تحذروا على أنفسكم من عدوكم، ثم قال: إنما ينصر المسلمون بمعصية أعداءهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا قوة بهم لأن عددنا ليس كعددهم ولأن عدتنا ليست كعدتهم، فإذا تساوينا معهم في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة فتغلبوا علينا. أرأيتم إلى هذا الكلام المنطقي الدقيق.


هذا الكلام أيها الإخوة كان السبب في انتصار القلة من المسلمين، إنما انتصروا بفضل استمساكهم بأوامر الله وابتعادهم عن معاصي الله عز وجل وإنما قهر أعداؤهم على الرغم من كثرتهم وقوة عُددهم لإستغراقهم في المعاصي والآثام، وهذا الذي قاله عمر هو ذاته السبب في خذلاننا اليوم وفي انتصار أعدائنا علينا اليوم، ذلك لأن معاصينا أصبحت كمعاصيهم تقريباً فكانوا أفضل منا من حيث القوة فكان ذلك سبب قوتهم وغلبتهم وسبب خذلاننا وضعفنا. من ذا الذي يجهل هذه الحقيقة أيها الإخوة؟


إذا كانت هذه الأمة مستهدفة وإذا كانت شامنا في مقدمة البلاد المستهدفة لما يتلألأ على رأسها من تاج هذا الدين علماً ووعياً والتزاماً وعاطفةً إذاً كيف السبيل لكي نتغلب على هذا الشر الذي يراد بنا؟ السبيل إلى جانب الاستعداد أن نحصن أنفسنا في حصن هذا الدين، وأول دعامة لابد منها لحصن الدين الصلاة، الصلاة المكتوبة أيها الإخوة، أول ما يحاسب العبد به يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلاته صلح أمره كله.


ولا أريد أن أطيل الحديث عن أهمية الصلاة وكفارة ما بين الصلاتين ونحو ذلك، المهم أن أقول لكم وأن تعوا ما أقول: إن الدين له دعامة أولى إذا تهاوت تهاوى الدين كله، دعامة الدين الصلوات الخمس، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن لم تكن الصلاة كل شيء في الدين فدعامة الدار ليست كل شيء في الدار ولكننا جميعاً نعلم أن الدعامة الكبرى للدار إذا تهاوت تهاوت الدار بعدها مباشرةً.


ينبغي لهذه الأمة أن تبالغ وأن تهتم في التمسك بدينها وفي الاعتزاز به وأن تجعل منه حصناً أول يقيها شر العدوان، وأهم الفئات التي ينبغي أن تعتز بهذا الدين وأن تتحصن به بدءاص من الصلوات الخمس هم أولئك الجنود الذين يحرسون حقوق هذه الأمة ويقفون على الثغور، هم هؤلاء الذين شرفهم الله سبحانه وتعالى بحراسة هذه الأمة وانتظار الخطر الداهم لكي يدفعوه عنها، هؤلاء أول الفئات التي ينبغي أن تعتز بإسلامها وأن تلتجئ إلى الله بالبكور والآصال وأن تكثر من السجود بين يدي الله سبحانه وتعالى. ألم تقرأوا قوله سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا[ كيف الثبات يكون؟)وَاذْكُرُوا للَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ طريقة الثبات أن تذكروا الله كثيراً، وإنما يكون الذكر كثيراً لأداء شعائر هذا الدين بدءاً من دعاماته الأولى ألا وهي الصلاة.


الصلاة المكتوبة أيها الإخوة هي اللواء الذي ترفعه الأمة استعلاناً بتمسكها بدينها، وأول الفئات في الأمة التي ينبغي أن تتشرف بهذا الدين وينبغي أن تتمثله سلوكاً وتطبيقاً هم الجنود الذين يقفون على الثغور والذين شرفهم الله سبحانه وتعالى بحماية هذه الأمة.


وأنا أحب أن أقول لكم شاكراً الله سبحانه وتعالى ومثنياً على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله على نعمة أخرى من النعم الكثيرة التي اختص الله عز وجل بها هذه البلدة، أن القائم بأمر هذه البلدة رئيس هذه البلدة أوعز إلى كل القطاعات وكل المعسكرات أن لا يمنع إنسان من أداء حق الله سبحانه وتعالى متمثلاً في الصلاة وتلك هي أقل ما ينبغي من الجسور التي ينبغي أن تمتد بين العبد ومولاه وخالقه سبحانه وتعالى، أوعز إلى كل القطاعات أن لا يمنع إنسان يريد أن يؤدي حق الله سبحانه وتعالى عن طريق الصلاة التي ألزمنا الله سبحانه وتعالى بها بشكل من الأشكال وهذه هي الخطوة الأولى، أما الخطوة الثانية فهي الدعوة إلى أن تكون من أهم واجبات الجنود وفي معسكراتهم وعلى ثغورهم الاعتزاز بهذا الدين الذي هو سبب خوف أعداء الله سبحانه وتعالى منا.


فلئن سمعتم أن هنالك من يمنعون من الصلاة على الرغم من هذا الذي أنبأتكم به فاعلموا أنها مواقف شخصية ومزاجية تنطلق من مواقف شخصية يجعل منها أصحابها قانوناً وهو ليس بقانون، ونسأل الله سبحانه وتعالى لهم الهداية، ليست هنالك أي تعاليم بشكل من الأشكال لا سيما في هذا المنعطف الذي نمر به اليوم يدعو إلى منع الجنود في معسكراتهم من التوجه إلى الله عز وجل بأداء فرائضه إطلاقاً، بل الموجود نقيض ذلك. لكن إن رأيتم أو سمعتم ما يخالف هذا فهي مواقف مزاجية وتصرفات شخصية تسيء إلى هذه الحقيقة التي أقولها لكم.


أيها الإخوة نحن - مرة أخرى أقولها لكم - على خطر ونحن نسير على جرف هار وكلكم يسمع صباح مساء أنباء التهديدات المختلفة تأكدوا أن هذه التهديدات ليست عائدة لقوة اقتصادية نتمتع بها، ليست عائدةً لقوة عسكرية تخيفهم، ليست هذه التهديدات عائدةً لكنوزٍ مالية تعتز بها أرضنا ومدخراتنا لا، إذاً لماذا؟ لماذا هذا التهديد؟ هذا التهديد سببه خوف أولئك الطغات من إسلامنا الذي هو أقوى قوةٍ كان ولا يزال يقف في وجه الطغاة، ولا شك أن أي عاقل ينطلق عقله من إيمانٍ فقط حقيقي بالله عز وجل لا بد أن يدعوه فكره وعقله الثاقب إلى أن يزداد اليوم اعتزازاً بهذا السلاح الذي يخيف أعدائنا وأعداء الله سبحانه وتعالى، نعم ينبغي في هذا المنعطف أن نزداد تمسكاً بديننا لكن نزداد تمسكاً بديننا على أساس متوازن نتمسك بديننا من منطلق وعي ثاقب وعلم يشكل الكوابح والضوابط ثم عاطفة تدعونا إلى السلوك والتطبيق، نحن نمتاز في بلدتنا هذه بأن إسلامنا إنما هو صلة بين العبد وربه ومن ثم فهو حضارة إنسانية تنكسف أمامها أشعة الحضارات كلها. إسلامنا ليس كالذي يصوره الغربيون افتئاتً على المسلمين، إسلامنا لا يعلم غلواً، إسلامنا لا يعرف إفراطاً ولا تفريطاً، إسلامنا لا يعلم ما يسمونه بالإرهاب ونسميه بالتعبير الشرعي الصحيح البغي، إسلامنا لا يعلم البغي بشكل من الأشكال وهذا الذي يخيف أعداء الله عز وجل من الإسلام، وهذه هي مزية بلدتنا هذه التي تختلف عن كثير من البلاد الأخرى في التزامها بدين الله سبحانه وتعالى. أقول يجب على هذه الأمة بدءاً من قادتها إلى قاعدتها الشعبية أن تزداد تمسكاً بدين الله في هذا المنعطف وأن تجدد بيعتها لله سبحانه وتعالى اعتزازاً بدينه وتمسكاً بشرعه وأحكامه وتطبيقاً لأوامره على كل الأصعدة وبالنسبة لكل الفئات، ولكن كما قلت لكم: الإسلام الذي يخرس ألسنة المتهمين لنا، نحن لا نعلم ما يسمونه الإرهاب بمعنى البغي الذي نهى الله عز وجل عنه، نحن لا نعلم الإسلام الذي سماه الله عز وجل الغلو )لا تغلو في دينكم[ هكذا يقول الله سبحانه وتعالى. أقول قولي هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح حال أمتنا جمعاء وأن يعيدها إلى حظيرة دينها القويم فاستغفروه يغفر لكم.


 


 


تحميل



تشغيل

صوتي