مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 05/07/2019

لهذا غدا المسلمون غثاء

لهذا غدا المسلمون غثاء


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة 9/8/2002


 


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله..


إذا بحثنا عن المسلمين الذين يعجبون من الإسلام بنظمه وأفكاره وعلومه وثقافاته وشرائعه وحضارته، وجدناهم يملؤون رحب هذا العالم إنهم يبلغون ما يقارب مليار ونصف. أما إن بحثنا عن المسلمين الذين هيمن الإسلام على أفئدتهم ومشاعرهم عبوديةً لله سبحانه وتعالى والذين كانوا في واقعهم وسلوكهم يجسدون معنى قول الله عز وجل )إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ والذين يصدق عليهم قول الله عز وجل )وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[. إذا بحثنا عن هؤلاء المسلمين الذين هيمن الإسلام على أفئدتهم تعظيماً لله وحرماته وعبوديةً لله سبحانه وحباً له ومهابة منه وجدناهم قلة يسيرة تتوازعهم أقطار عالمنا العربي والإسلامي هنا وهناك. أما الكثرة الكاثرة من المسلمين بالمعنى الذي ذكرت، فهم الذين عناهم المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما وصفهم بقوله: )بل أنتم كثير يومئذ ولكنكم غثاء كغثاء السيل[.  


وما أدق هذا التشبيه الذي شبه به المصطفى الكثرة الكاثرة من المسلمين اليوم والذين يملأون رحب العالم كما قد قلت لكم. لماذا لماذا هم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غثاء كغثاء السيل وأنتم تعلمون الغثاء: هو الزبد الطافي على السيل المنهمر؟


ذلك لأن إسلامهم صبغة اصطبغت بها ألسنتهم، ولأن إسلامهم مظهر تجمل به ظاهرهم، ولأنهم يقتاتون عن طريق الإسلام، جعلوه وسيلة حرفة لهم؛ به يرتزقون، وبه يجعلون لأنفسهم مكانة بين الناس في العالم، وباسمه يستطيعون أن يبلغوا ويحققوا أحلامهم وطموحاتهم التي يجترونها في أفكارهم ونفوسهم، فإسلامهم عبارة عن مظهر يظهر في ألسنتهم التي تتكلم وفي أقلامهم التي تكتب وفي مؤتمراتهم التي تجمعهم هنا وهناك، أما القلب الذي هو مكمن العواطف والذي إليه القيادة الحقيقية في حياة الإنسان، هذا القلب الذي أشار إليه بيان الله عز وجل بقوله: )إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[ فهو في معزل عن ذلك كله. ومن ثم فإنكم تستطيعون أن تستبشروا إذا أردتم البحث عن هذا الإسلام الحرفي، تستطيعون أن تستبشروا بأن الإسلام بخير وأن الكم العظيم الذي يعبر ويترجم وجود العالم الإسلامي كم مذهل، إنهم مليار ونصف تقريباً.


 انظروا إلى المكتبات العامرة في جنبات الأرض تجدها فياضة بالكتب الإسلامية، وانظروا إلى الإقبال العظيم على هذه الكتب التي تتحدث عن الإسلام والتي تمجد الإسلام، تجدون أنها في تصاعد، لكن تأملوا ودققوا تجدون أن جل هؤلاء المسلمين يحترفون الإسلام لمصالحهم، تجدون أن جل هؤلاء المسلمين يقتاتون عن طريق الإسلام، يطرقون بابه، هذا من أجل أن ينال رتبة، وذاك من أجل أن ينال شهرة والثالث من أجل أن ينال مزيداً من المال، من أجل هذا كان المسلمون غثاءً كغثاء السيل، ومن أجل هذا ننظر فنجد أن قلة تافهة يسيرة من أعداء الله عز وجل وأعداء دينه تنال ما تبتغي وما تريد، تهيمن على أقدس بقعة من بقاع العالم العربي والإسلامي، من أجل هذا تنظر إلى دول البغي التي تتربص بدين الله سبحانه وتعالى ما تكاد تطلق كلمة تهديد أو ما تكاد تطلق كلمة تتهم فيها المسلمين بأكذوبة من هذه الأكاذيب التي تسمعونها حتى تنظر إلى هذا الغثاء الكثير والكبير من المسلمين، و إذا بالفرائس ترتعد منهم وإذا بهم ينفضون ثيابهم وأنفسهم من هذه التهم التي تلصق بهم وإذا بهم يحارون في أفضل السبل من أجل أن يرضوا هؤلاء الذين يتوعدونهم والذين ينذرونهم والذين يلصقون صباح مساء التهم الكاذبة بهم، ذلك لأن إسلامهم صبغة لم تتجاوز الألسن ولأن إسلامهم في أحسن الأحوال إسلام إعجاب بنظمه، إسلام إعجاب بعلومه وثقافته، إسلام إعجاب بحضارته، حتى لقد التبس علينا المسلم بالمستشرق الذي يتحدث عن عظمة الإسلام وعن دقائق علومه وفنونه وما إلى ذلك.


لكن من المسلم الذي فتح سبيله إلى مرضاة الله عز وجل؟ من هو المسلم الذي وعده الله عز وجل بالنصر والتأييد؟ من هم المسلمون الذين قال الله عز وجل عنهم )ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ[ وأذكركم بما قبل هذه الآية أو بما قبل هذه الفقرة وهو قول الله سبحانه وتعالى )وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْأَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ[. المسلمون الذين وعدهم الله بالنصر هؤلاء، المسلمون الذين وعدهم الله بأن يطرد أعدائهم من ديارهم وأن يورثهم الأرض وما عليها هم هؤلاء، من هم؟ أولئك الذين خافوا مقام الله وخافوا وعيده، والخوف أين مكانه أيها الإخوة؟ ليس مكانه العقل الذي يفكر ولا مكانه اللسان الذي يتحدث ويتجمل ويتظاهر، مكان هذا الشعور مكان مخافة الله عز وجل الخوف من مقامه والخوف من وعيده، القلب، المشاعر، مشاعر هؤلاء المسلمين الذين يملأون جنبات الأرض اليوم فارغة ليس فيها أثر من الخوف من مقام الله ولا الخوف من وعيده، مشاعر هؤلاء المسلمين فياضة بالرغائب، بالشهوات، بالأحلام والطموحات الدنيوية المختلفة لعابهم يسيل على زينة الأرض التي قال عنها الله عز وجل: )وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا[.


نعم هكذا قضى الله سبحانه وتعالى نعم وهكذا كانت حقيقة هؤلاء المسلمين ومشاعرهم، من أجل هذا قضى الله عز وجل أن يكون هؤلاء المسلمون عبأً على الأرض عبأً على العالم وأن لا يبالي الله بهم.


أما القلة اليسيرة التي قضى الله أن تكون متناثرة في رحب هذا العالم الإسلامي الواسع فهم الذين وعدهم الله بالنصر، هم الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى بأن يطهر أرضهم وبلادهم من أعدائهم وأعدائه الذين يتربصون بدين الله سبحانه وتعالى، لكن أين هم هؤلاء المسلمون؟ إنهم قلة أيها الإخوة. والله عز وجل يقول: )وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً[. وقد سألت زينب رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"، إذا تنامى الخبث ثم كثر وتغلب على القلة الطاهرة المستقيمة على دين الله عز وجل فإن الشأن يكون للكثرة، وإن الأثر الفعال إنما يكون لهذه الكثرة، يحشر كلٌ يوم القيامة على نيته كما قال المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


ومع ذلك فها هي حكمة الله عز وجل ترينا الفرق بين أثر الإسلام الشكلي الذي يتمثل في أطر ومظاهر، والذي يجعل منه أصحابه حرفة يحترفونها لنيل رغائبهم الدنيوية وبين المسلمين القلة الذين هيمنت مشاعر عبوديتهم لله على قلوبهم والذين فاضت قلوبهم خشية لله وتعظيماً لحرماته وإن كانوا قلة.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.    


 


تحميل



تشغيل

صوتي