مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 24/04/2020

إياكم .. وكفر النعمة

تاريخ الخطبة  27 / 6 / 2003


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى،


أمّا بعدُ فيا عباد الله


ها قد أقبل إليكم الصيف يجر معه إليكم ذيولاً من النعم الربانية التي لا تحصى، نعمة المروج الزاهية الخضراء التي تزدان بها شامكم اليوم هذه، نعمة المياه العذبة الغامرة المتدفقة هنا وهناك، نعمة الثمار والفواكه التي متعكم الله عز وجل منها بأشكالها الجميلة المتنوعة الأخاذة وبطعومها الكثيرة المتنوعة التي يتيه الخيال في وصفها وبروائحها العبقة الذكية، تأتي هذه النعم كلها بعد نعمةٍ أكرمكم الله عز وجل بها في شتائنا الذي أدبر، ذلك الشتاء الذي جاء هو الآخر يحمل إليكم نعماً عظيمة جليلة لا تحصى، مياهٌ هادرة كثيرة ثجة أنزلها الله عز وجل من سمائه، عيونٌ كثيرة تفجرت ينابيعاً غطت وجه هذه الأرض المباركة، ثلوج جللت وجوه الآكام والتلال والجبال ولا يزال ذوبها يشكل جداول وسواقي وأنهر ..


وإنكم لتعلمون أن تلك النعمة التي أغدقها الله عز وجل علينا في ذلك الشتاء المتميز إنما كانت على أثر التجاء منكم إلى الله سبحانه وتعالى، تكرر مرتين من خلال القيام بالسنة النبوية المطهرة التي أوصانا بها حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التجأتم إلى الله وصدقتم في التبتل والتضرع عند جنابه وكررتم ذلك فاستجاب الله سبحانه وتعالى وها هو ذا قد أكرمنا بذيول من النعم لا تُحصى، ذيول من النعم احتضنها ذلك الشتاء وذيول من النعم يحتضنها اليوم هذا الصيف الذي أقبل إليكم


وإن أشد ما أخشاه أن يهتاج الطمع اليوم في نفوس بعض الطامعين، ينظرون إلى هذه اللوحات الربانية الجميلة من خلال هذه المروج الخضراء العبقة ويتأملون في المياه الدافقة العذبة فيما بينها، فيسيل منهم اللعاب وراء مطامع خيالية يقودهم ذلك إلى أن يُنشئوا مقاصف عند هذه المروج وفي هذه الأماكن المتميزة ثم إنهم لا يقتنعون من ذلك لا باللهو الذي أباحه الله، بل يضيفون إليه المتع المُحرّمة ويجعلون من ذلك نوادي ساهرة تستنزل غضب الله عز وجل، أشد ما أخشاه أن يظهر بيننا من يبدلون نعمة الله كفرا كما حذر الله سبحانه وتعالى، أشد ما أخشاه أن يوجد بيننا من يحارب الله عز وجل بنعمه ويستنزل غضب الله عز وجل بمظاهر إكرامه.


أسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، وأسأله سبحانه أن يجعل خيالي هذا خيالاً مجنحاً بعيداً عن الواقع والتطبيق، ولكن النفس الإنسانية كانت ولا تزال طامعة وفي الناس من يعانون من أمراضٍ نفسية ومطامع هابطة دنيئة، أشد ما أخشاه هذا الذي أقوله لكم.


وأنتم تعلمون أيها الإخوة أن النعمة إذا وفدت فإن لها حصناً واحداً لا ثاني له، به تُحفظ هذه النعم ألا وهو شكر الله سبحانه وتعالى، ألم تقرأوا قوله: )لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ( وما تقرب عبدٌ إلى الله بمثل شكره على النعم التي تفد إليه من مولاه وخالقه سبحانه.


انظروا إلى قوله سبحانه: ) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(.


انظروا كيف ربط نعمه الوافدة إلينا - بل نماذج من نعمه الوافدة إلينا - بضرورة التوجه إليه بالشكر، تأملوا في قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يرويه مسلم في صحيحه من حديث أنسٍ رضي الله عنه رضي الله عنه: )إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيشكره عليها، ويشرب الشربة فيشكره عليها(.


وقفت أمام هذا الكلام الغريب: )إن الله ليرضى عن العبد( وهل هنالك نعمةٌ أجل من أن يرضى الله عنك؟ هل هنالك صلة يُكرمك الله بها أجل - لا أن يعفو الله عنك بل - من أن يرضى الله عنك ورتبة الرضا أسمى من رتبة العفو، ومع ذلك فإنك تنالها بشيء يسير، أن تشكر الله على الأكلة التي تأكلها، أن تشكر الله على الشربة التي تشربها، ما أرخص الثمن وما أجل المثمن.


ولكن انظروا إلى قول الله سبحانه: )أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّـمَ يَصْلَوْنَها وَبئْسَ القَرَارِ(. انظروا إلى قوله سبحانه: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ(.


وكفران نِعم الله عز وجل ليس معناه أن يرتد الإنسان من الإيمان إلى الكفر، لا بل كفران النعمة أن يُعرض عن شكر الله عليها، كفران النعمة أن ينسى فضل الله عز وجل عليه فضلاً عن أن يستعمل نعمة الله عز وجل فيما حرّم، فيما نهى عنه.


أيها الإخوة لقد رأيتم نعمة الله كيف أقبلت وإنكم لتذكرون سنوات الجفاف وإنكم لتذكرون مظاهر الحرمان التي كنتم تعانون منها، طرقتم باب الله فاستجاب الله لكم، التجأتم إليه فقال لكم من خلال استجابته لبيكم يا عبادي، ما الذي بقي لكي تحصنوا نعمه ولكي تحرزوها من التبدد والضياع؟ بقي أن تشكروا الله، وشكر الله ليس كلمةً تدور على الألسن كما يقول عامة الناس من ملتزمين وتائهين نشكر الله، كلمة تقليدية تعودت عليها الألسن، هذا ليس شكراً.


شكر الله سبحانه وتعالى أن تستعمل النعمة التي وفدت إليك فيما يرضي الله وأن لا تستعملها فيما يُسخط الله سبحانه وتعالى، هذه المروج العبقة بالخضرة الزاهية العجيبة، هذه الأنهر المتدفقة بالمياه العذبة لا يحملنكم هذا المظهر الذي يثير النشوة والذي يبعث الطرب في أعماق النفوس، لا يحملنكم ذلك على أن تفكروا بالشرود عن صراط الله عز وجل باستعمال ذلك كله فيما يُسخط الله.


ذكروا إخوانكم، ذكروا كل من تستطيعون أن تذكروهم بأن هذه الأمة لوشردت عن منهج الشكر لله عز وجل فلعل حرماناً أشد من الحرمان الماضي سنبتلى به.


وإني لأقولها من هذا المكان وأرجو الله عز وجل أن تبلغ كلمتي مسامع من أعني، إن على الذين قادونا بالأمس في سعينا إلى الالتجاء إلى الله من خلال إقامة صلاة الاستسقاء بل أقولها بدقةٍ أكثر إن على رئيس الدولة الذي قادنا بالأمس إلى طريق الالتجاء إلى الله من خلال إقامة صلاة الاستسقاء مرتين على النهج الذي شرعه الله سبحانه وتعالى عليهم أن يتمموا مسيرة هذا الواجب فيقودونا إلى واجب شكر الله عز وجل، يقود هذه الأمة إلى حيث ينبغي أن نحرس هذه النعم من الضياع والتبديد، ينبغي أن يتمموا العمل العظيم الذي فعلوه وإنهم لمشكورون على ذلك وإن الله سبحانه وتعالى ليرضى عنهم فما فائدة شكري لهم على هذا ولكن عليهم أن يتمموا السير في هذا الطريق فيحرسوا هذه النعمة من أن تتبدد، يفتحوا أعينهم ساهرةً مراقبة أن لا يعبث بهذه النعم عابث، أن لا نعثر على من  يسيل لعابه على مطامع هي خيالية فيبني منشآت هنا وهنا وهناك يحشوها بما يُغضب الله سبحانه وتعالى، ذلك العمل العظيم العظيم الذي قام به رئيس دولتنا بالأمس ينبغي أن يُتوج بهذه التتمة اليوم.


وإني لأقول أيها الإخوة حتى للطامعين حتى للذين يسيل لعابهم على مزيد من الأرباح: ويحكم أقيموا مقاصفكم كما تحبون، زينوها بالأطايب المتنوعة كما تشاؤون وساحة المباحات واسعة، مجال الطيب الذي شرعه الله عز وجل واسع كريم (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ولكن لا تتجاوزوا الخط الأحمر، لا تتجاوزوا المباح إلى المحرم فإنكم إن فعلتم ذلك دفعكم الشيطان إلى خسران عاجل وخسران آجل، ولا والله لن ينال هؤلاء الطامعون ما يبتغون من وراء ما حرم الله سبحانه وتعالى.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم فاستغفروه يغفر لكم

تحميل



تشغيل

صوتي