مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 08/02/2013

الإسلام خطاب للعقول والقلوب لا ثورة على الحياة والعمران

تاريخ الخطبة

‏‏‏الجمعة‏، 27‏ ربيع الأول‏، 1434 الموافق ‏08‏/02‏/2013‏

الإسلام خطاب للعقول والقلوب

لا ثورة على الحياة والعمران

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

منذ ثلاثة عقود من الزمن بدأت تروج في أوساطنا الإسلامية كلمة الثورة الإسلامية على ألسنة كثير مما يُدعَون بالإسلاميين، بل أصبحت هذه الكلمة تزاحم الكلمة القرآنية - الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى - ولكأن المراد أن تحل هذه الكلمة الحديثة محل الكلمة القرآنية أو أن تكون تفسيراً للكلمة القرآنية. ومن المعلوم فيما تقرره أعراف السياسة الحديثة أن كلمة الثورة تعني جَرَّ أي مجتمع ما إلى نظام معين قسراً وعنوة وقفزاً فوق الوسائل والأسباب المتدرجة المعروفة والفطرية التي أقام الله عز وجل عالمنا الإسلامي عليها. تلك هي حقيقة الثورة فيما يعرفه علماء السياسة الحديثة بل فيما يعرفه الناس جميعاً. ومما لاشك فيه أن هذا النهج في جر المجتمعات إلى النظم أو في جر النظم إلى المجتمعات قسراً وعنوةً قفزاً فوق الأسباب والوسائل التدريجية من شأنها أن تجر إلى المواجهة ثم العراك ثم العنف ثم إلى الاحتكاكات الدموية. ومن هنا كانت الثورات ذات ذيول من القتال الدائر بين الفئات المختلفة، بل كانت الثورات أسباباً لانفجار أنهر من الدماء ما تكاد تجف، هذه هي الحقيقة. ولعل نموذجين من الثورات الدموية المرعبة تجسد هذه الحقيقة التي يعرفها المثقفون جميعاً، أولاهما الثورة البريطانية التي قامت في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، ثانيهما الثورة الفرنسية التي قامت في أواخر القرن الثامن عشر. ونظراً إلى أن هذه الكلمة - كلمة الثورة الإسلامية - يرفع اليوم لواءها إخوةٌ لنا يُنْعَتُون بالإسلاميين، ونظراً إلى أنهم يحاولون أن يُحِلُّوا هذه الكلمة محل الكلمة القرآنية - الجهاد في سبيل الله - إذاً ينبغي أن نتساءل ما موقف الإسلام من هذه الكلمة ومن مضمونها الذي ذكرته لكم؟

إن الإسلام يا عباد الله تنزل على ألسنة الرسل والأنبياء جميعاً خطاباً للعقول وعوداً إلى تحكيم موازين العلم، ثم خطاباً للقلوب واستثارة للعواطف والوجدان أن تخضع للقرار الذي اتخذه العقل والذي أقره العلم، فالإسلام إنما يخاطب العقول محاكماً محاوراً، والإٍسلام لم يأت ليجر مجتمعاً قسراً وعنوة إلى نظام أو ليلصق نظاماً ما قسراً وعنوة بمجتمع، تلك هي الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها جميعاً. هذه الحقيقة تتمثل في كتاب الله وتستبين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهجه. أما كتاب الله فآيات كثيرة لا مجال لاستيعابها واستعراضها جميعاً، لكن حسبكم من ذلك قول الله عز وجل:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

حسبكم من ذلك هذه الآية الوجيزة في لفظها العظيمة في معانيها:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

وشتان بين من يرفع لواء الرحمة ومن يرفع لواء الثورة. أما سيرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلعلكم تعلمون جميعاً أنه بقي ثلاثة عشر عاماً لا يلتفت إلا إلى العقول ولا يخاطب إلا النفوس، يحاكمها إلى الحق، يحاكمها إلى موازين العلم، لا يلتفت من وراء ذلك لا إلى قتال ولا يُهرع إلى حمل سلاح، وأنتم تعلمون ذلك. أما المشركون فهم الذين كانوا يهرعون إلى الثورة، هم الذين كانوا يمتشقون أسلحة الثورة على هذا النهج الإنساني الوديع الذي بُعِثَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما هاجر واستقر به المقام في المدينة المنورة وشاء الله عز وجل أن يملِّكَ المسلمين أرضاً - أي وطناً - وشاء الله عز وجل أن تقوم الدولة بأركانها الثلاثة وأن تولد الأمة الإسلامية في ظل الدولة الإٍسلامية هُرِعَ الشرك متمثلاً في المشركين، هُرِعَ كثيرٌ من الأمم الذين كانوا يقودون الحضارات الجانحة حول الجزيرة العربية خائفين من هذا الأمر الجديد، من هذا الميلاد الجديد للدين الذي أرساه الله عز وجل في الجزيرة العربية وانتشر شعاعه إلى أطراف الدنيا، فاتجهوا إلى رسول الله وإلى الأمة الإسلامية بل إلى الدولة الإسلامية بالقتال بل بالثورة، راحوا يتجهون إلى هذه الدولة الفتية بالثورة من كل الجهات ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدفعهم دفعاً، رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع عن المسلمين وهن الثورة التي مَلَّكَ الله سبحانه وتعالى عباده المسلمين بالجهاد الذي شرعه الله عز وجل، فمن هم الثائرون ومن هم الذين رفعوا لواء الإنسانية والرحمة والشفقة بعباد الله عز وجل؟ قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن في القبائل الكثيرة المنتشرة ما بين مكة والمدينة أناساً تائهين جدير بهم أن ينقادوا إلى الحق لو أرسلت إليهم بعضاً من أصحابك يدعونهم إلى الله. أرسل إليهم ستة من عيون أصحابه ليس معهم من السلاح إلا اللسان الداعي إلى الله واتجهوا إلى حيث قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك التائهين، تصيد المشركون هؤلاء الستة واحداً إثر آخر، قُتِلوا عن بكرة أبيهم، ولم يكن مع هؤلاء الصحابة أي سلاح يمتشقونه في وجوههم، فمن هو الطرف الثائر ومن هو الطرف الإنساني المحاور؟ كلكم يعلم الجواب.

في العام الذي يليه - في العام الرابع من الهجرة - قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن في نجد قبائل سمعت بالإسلام وإنها لخليقة بأن تنقاد له لو أنك أرسلت من يعرفهم بالإسلام، أرسل إليهم بدلاً من الستة سبعين واحداً من عيون أصحابه ليس معهم من السلاح إلا الحوار الذي ابتعثهم الله عز وجل به، ليس لهم سلاح يمتشقونه إلا اللسان الذي يحاورونهم به، واتجهوا إلى نجد وأطبق عليهم الإيذاء من كل جانب بل أطبقت عليهم ثورة التي حدثتكم عنها، قُتِلُوا عن بكرة أبيهم إلا واحداً شاء الله أن يبقى لعله لكي يعود إلى رسول الله فيخبره بما حدث. إذاً من هو الطرف الثائر ومن هو الطرف المحاور، كلكم يعلم الجواب.

يوم الفتح اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ودخلها من أعلى قمم النصر ولو كان للثورة سبيل إلى أن يدخل روعه لكان هو أولى الناس بأن يعلن الثورة وأن يمتشق سلاحها ولكن الأمر كان على النقيض من ذلك. سمع سعد بن عبادة قيل له إنه يقول اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الكعبة، غضب المصطفى، أرسل إليه من يصحح له القول وقال: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تُكْسَى الكعبة.

أيها الإخوة: هذا هو موقف الإسلام من الثورة التي حدثتكم عن معناها والتي يرفع كثير من الناس لواءها في هذا العصر اتباعاً لثورتين يتحدث التاريخ عنهما ذكرت لكم بل أشرت لكم إليهما، إذاً فأي تيه وقع فيه هؤلاء الإسلاميون عندما حاولوا أو يحاولون أن يستبدلوا بالكلمة القرآنية – الجهاد في سبيل الله ضمن ضوابطها، ضمن أحكامها – أن يستبدلوا بها كلمة الثورة الإسلامية.

عباد الله: ينبغي أن نعلم جميعاً أنه ما من ثورة تجبر مجتمعاً من المجتمعات على اتباع نظام معين قسراً وعنوة دون حوارٍ ودون محاكمة فكرية وحرية نظر إلا وتستولد هذه الثورة ثورةً مضادةً أخرى تطيح بذلك النظام ولو كان ذلك بعد حين، النظام الذي ينهض على ثورة يستبطن في باطنه ثورة مضادة، والجدلية بين الثورات جدلية معروفة متبينة، وإذا أردت أن ألفت نظري وأنظاركم إلى مصداق هذا الكلام فتعالوا فانظروا، يُرَادُ في مصر أن يُفْرَض الإسلام فرضاً من علو عن طريق الثورة فانظروا إلى ما آل هذا السبيل، سرعان ما استولدت هذه الثورة من داخلها ثورة مناقضة وها هما الثورتان تتعالجان فيما بينهما، أما المحاكمة العقلية فبعيدة عن الساحة والميدان نهائياً، أما المخاطبة العقلية التي بُعِثَ بها رسول الله بل الأنبياء جميعاً فبعيدة ومطوية. تلك هي حال تونس، أجل، رُفِعَ فيها لواء الإسلام، هل رُفِعَ عن طريق الدعوة، هل رفع لواء الإسلام عن طريق الدعوة إلى الله كما فعل حبيبنا رسول الله؟ لا، وإنما عن طريق الثورة. تلك هي الثورة الإسلامية التي فُرِضَتْ فرضاً هناك، إنها تستولد من رحمها اليوم ثورة مناقضة، تلك هي سنة الله، هكذا يقرر العلم وهكذا نطق التاريخ. أقول هذا الكلام والله يعلم ويشهد أنني أقوله من منطلق الحب، من منطلق الشفقة، من منطلق الاندفاع إلى قرار الله القائل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] أتجه بكلامي هذا إلى هؤلاء الإخوة الإسلاميين أو الثائرين في سبيل الإسلام، أقول لهم: عودوا أيها الإخوة إلى نهج حبيبكم رسول الله، عودوا إلى النهج الأمثل الذي بصركم به كتاب الله، أين أنتم من قوله:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159]، أي لو كنت ثائراً لانفضوا من حولك (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران: 159].

أيها الإخوة كلٌّ منا يخطئ ولكن العاقل يتبصر موطئ قدميه ويستبين الخطأ الذي وقع فيه فيعود عنه، والعود أحمد، عودوا أيها الإخوة، عودوا ولنرجع إلى هدي رسول الله، ولنرجع إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكان أولئك الذين أرسلهم رسول الله إلى نجد - ولقد كانوا سبعين من عيون أصحابه - أفكانوا ثائرين، أفراحوا وهم يمتشقون أسلحة الثورة، أفكانوا يتهددون أهل نجد بالقتل والسحق والمحق؟ لا،لم يكن معهم إلا سلاح واحد ألا وهو سلاح اللسان المحاور، ألا وهو سلاح الحب، أما الثورة فقد كانت إلى الجانب الآخر، كانت إلى جانب أولئك المشركين العتاة الطغاة. ألا عودوا أيها الإخوة، عودوا قبل أن تنتهي الفرصة وقبل أن تصلوا إلى الجدار المغلق فتضربوا رؤوسكم به من غير طائل. لا نشك في الظاهر الذي يدل على أنكم إنما تحبون الإسلام وتغارون على دين الله عز وجل ولكن ما أكثر الحب الصحيح الذي يفقد النهج الصحيح، لا يجوز أن نكتفي بالحب، لابد من أن يكون الحب محكوماً بالعقلانية، محكوماً بالعلم، لابد أن يكون الحب إن وجد محكوماً بكتاب الله، محكوماً بسيرة حبيب الله صلى الله عليه وسلم، ألستم أتباعه، ألستم أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ألا تشعرون بنبضات الحب بين جوانحكم لرسولكم محمد صلى الله عليه وسلم فكيف تعرضون عن هديه يا ناس، كيف ترفعون لواء الثورة باسم الإسلام وأنتم تعلمون أنه ما من ثورة تقوم إلا وتستبطن هذه في رحمها ثورة مضادة، علم ذلك من علم وجهله من جهل. أما مخاطبة العقول، أما غرس الإسلام في النفوس، أما تهييج محبة الله عز وجل في الضمائر فذلك هو الذي يبقى وذلك هو الشعاع الذي يمتد. أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم ولسائر الإخوة في الله عز وجل بل في الإنسانية أيضاً جمعاً وسيراً على الصراط الإنساني السليم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذنا من أنفسنا الضالة إليه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بالإخلاص لوجهه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا أن هذا الكون كله يتحرك في قبضة الله. ما الكون إن نسينا المكون، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.



تشغيل

صوتي
مشاهدة