مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 25/01/2013

بلاؤنا من الحب ودواءنا في الحب

تاريخ الخطبة


‏‏‏الجمعة‏، 13‏ ربيع الأول‏، 1434 الموافق ‏25‏/01‏/2013‏

بلاؤنا من الحب ودواءنا في الحب

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

إن المشكلات التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية اليوم، كثيرة متنوعة وليست الأزمة التي تمر بنا إلا واحدة من هذه المشكلات، وإنما العاصم منها شيء واحد، هو شيوع الألفة وامتداد جسور وشبكات المودة بين أفراد المجتمعات الإسلامية، تلك هي الضمانة الوحيدة التي تعصم مجتمعاتنا الإسلامية من المشكلات المتنوعة المختلفة أياً كانت وأياً كان مصدرها، ولكن الألفة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وامتداد شبكة الود والحب بين أفراد هذا المجتمع لا يتحقق شيء من ذلك إلا عن طريق البذور التي ينبغي أن تستقر في طوايا نفس كل إنسان مؤمن بالله عز وجل، أرأيتم إلى الثمرة هل تينع إلا في أغصانها، أرأيتم إلى الغصن من الشجرة هل ينبت إلا من جذعه، لا بد من الجذع، وجذع المحبة التي تتفرع عنه محبة الناس بعضهم لبعض، وتتفرع منه المودة السارية شبكة بين الأفراد إنما هو جذع محبة العبد لمولاه وخالقه الأوحد جل جلاله، ومن ثم محبة العبد لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله عز وجل من خلقه والذي جعله خاتم الرسل وأفضل الأنبياء جميعاً، هذا هو الشرط الذي لا بد منه لتنامي الألفة بين أفراد المجتمعات الإسلامية ولامتداد شبكة الود والحب فيما بين أفرادهم، فإن غاب هذا الشوق إن غاب جذع محبة العبد لله عز وجل ومن ثم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم غابت محبة الناس بعضهم لبعض، وهي حقيقة لا ريب فيها، وحلت في محل ذلك محبة الإنسان لنفسه تلك التي يعبر عنها بالأنانية، يفيض القلب عندئذ بمحبة الإنسان لذاته، ومن ثم فحدّث عن اهتمامه بذاته ولا حرج، وحدث عن التضحيات التي يقدمها قرابيناً لمحبته لذاته ولأنانيته ولا حرج، إن مثل هذا الإنسان مستعد لأن يضحي بالدنيا كلها بالناس جميعهم إن أتيح له ذلك في سبيل حبه لذاته .. ما العاصم من ذلك؟ العاصم من ذلك أن يينع في القلب جذع محبة العبد للرب جل جلاله، ومن ثم جذع محبة العبد للمصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن هنا فرض الله سبحانه وتعالى على عباده إلى جانب الإيمان العقلاني بالله واحداً فرداً صمداً وبجانب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، ألزم الله عز وجل عباده إلى جانب ذلك بالحب. انظروا إلى قوله عز وجل:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ) [سورة البقرة: 156]

وتأملوا في قول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تبليغاً للأمانة التي أمره الله أن يبلغها الناس؛ لا تغذية لذاته وحباً لأنانيته. معاذ الله.

عباد الله: عندما ينظر أحدكم إلى المجتمعات الإسلامية المترامية في جنبات الأرض فيجد كيف أنها شردت عن العهد وابتعدت عن الميثاق، عندما ننظر فنجد أن الهرج والمرج راح يسود فيما بين أفرادها بدلاً من الوداد والحب، وعندما نجد أنهم أعرضوا عن وصايا الله عز وجل، واتجهوا مسرعين إلى تنفيذ أهوائهم ورغائبهم النفسية فلتعلموا أنه لن يتسرب إلى مكمن اليقين بالله في عقولهم شك بعد إيمان أبداً، لن يتسرب إلى مكمن الإيمان بالله في عقولهم ريب أبداً، إذاً ما الذي حصل؟ الذي حصل أن حباً غاب واستبدل به حبٌ آخر غابت عن أفئدتهم محبة الله عز وجل ومن ثم محبة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم وإذا فرغ القلب من محبة الله غزته محبة الأغيار، غزته محبة الشهوات والأهواء والمال وما إلى ذلك، ومن ثم فإن هؤلاء الناس يصبحون ضحايا للحب الهابط بعد أن أسعدهم الله عز وجل بالحب العالي السامي المرتفع ولذلك فإن مولانا عز وجل يخاطبنا مبيناً أن المسلمين إذا آل بهم الأمر إلى هذا الذي أصف، فإن الله عز وجل يستبدل بهم أناساً آخرين لا يعانون من هذا المرض الذي يعانون منه. ما المرض؟

الحب الهابط بدلاً من الحب المتسامي. تأملوا في قوله جل جلاله:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54].

لم يقل: فسوف يأتي الله بقومٍ أكثر يقيناً منكم، لم يقل: فسوف يأتي الله بقوم يملكون أدلةً ناصعةً قويةً على الإيمان بعد شكٍ داهم أفئدتهم وعقولهم لا، لأن المرض ليس عبارة عن شك بعد يقين، وإنما المرض الحب والحب كما يكون دواءً يكون داء، المرض أن محبة الله غابت محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم غابت عن القلوب ومن ثم هيمنت على الأفئدة محبة الأهواء محبة الشهوات محبة العصبيات محبة المال والدولار. هذا هو الذي هيمن، ومن ثم فإنك تستطيع أن تقول إن هؤلاء الناس اتخذوا من لأنفسهم آلهةً أخرى من دون الله عز وجل، وإن لم تتوج هذه الآلهة بالإعلان وبالإقرار. ألا وهي آلهة الشهوات الأهواء المال المناصب العصبية. هذه حقيقة ينبغي أن نعلمها.

أيها الأخوة: ربما كان فيكم من يقول: لكن المحبة انفعال قسري وليس فعلاً اختيارياً فأنى للإنسان أن يقود إلى نفسه الانفعال القسري الذي لا قبل له بجذبه إليه ولا رده عنه. كيف السبيل إلى الحب وهو أمر انفعالي؟

نقول في الجواب: نعم الحب انفعال قسري وليس فعل اختياري لكن الله عز وجل عندما أمرنا أن نوجه أفئدتنا إلى محبته أمرنا أن نسلك السبيل إلى ذلك، ألا ولتعلموا أن من سلك السبيل إليه لا بد أن يعشق مولاه وخالقه. من عرف الله أحبه، من عرف الله حقاً عشقه. صحيح أن المحبة انفعال قسري لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فعلاً اختيارياً لكن الله عز وجل عندما أمرنا بالسبيل الموصل إلى حبه ولم يأمرنا مباشرة بالانفعال القسري، أمرنا أن نعلم من هو محمد عليه الصلاة والسلام، أمرنا أن نتعرف على سيرته على حياته، أمرنا أن نتبين أخلاقه السامية التي صاغها الله عز وجل في مظهرها وحقائقها وأنا لا أرتاب في أن من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه من خلال درايته الإنسانية الموضوعية، ولم يتعرف عليه من خلال عينين عصبّهما بعصائب سوداء، لم يتعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال استكبار وبغضاء سلفاً، كل من عرف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة موضوعية سلط نبراس عقله على سيرته صلى الله عليه وسلم لا بد أن يعشق رسوله، وآية ذلك أن أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم كانوا قبل أن يدخل الإيمان في طوايا قلوبهم، بل في طوايا عقولهم يقيناً كانوا مثالاً المنابذة والتشرذم، كانوا مثال العداوة تسري فيما بينهم قبائل وأفراد فإلى ما آل أمرهم بعد الإسلام؟ غاب التشرذم .. غابت العداوة والبغضاء وتحولوا إلى مضرب المثل في الألفة والحب. أليس كذلك . ما الذي دعاهم إلى هذا؟ أهو اليقين العقلي وحده؟ لا .. الشيء الذي جمعهم من نثار، وألف بين قلوبهم إنما هو الحب. حبهم العجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوه فأحبوه.

ورد في الصحيح أن رجلاً أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أضناه النحول فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ما الذي آل بك إلى ما أرى). فقال: يا رسول الله علمت أنه إذا قام الناس غداً لرب العالمين ستكون لك مرتبتك في العليين، ولن يتاح لإنسان مثلي أن يراك، فأنا أعاني اليوم من همّ ذلك اليوم. قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت)

ولعلكم تعلمون وقد ذكرت ذلك منذ حين أن أعرابياً جاء إلى رسول الله قال له: متى الساعة يا رسول الله قال: (ما أعددت لها). قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسول. قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت).

أأزيدكم برهاناً على الشيء الذي رفع قيمة أصحاب رسول الله إلى ما تعلمون. أأزيدكم برهاناً على قلب واحد الذي آلت إليه القلوب التي كانت متخاصمة متعادية بعد بعثة رسول الله: خطف زيد بن الدثنة مع ثلة من أصحابه من قبل مشركي مكة وأخذوا به ليقتلوه ثأراً لبعض قتلى المشركين يوم بدر، ولما جيء به ليقتل. قال له أبو سفيان وكان مشركاً آنذاك: أنشدك الله يا زيد أتحب أنك الآن في أهلك آمناً وأن محمداً هنا بيننا في مكانك. قال: والله لا أحب أن محمداً يشاك بشوكة وأنا بين أهلي.

هذا ما يفعله الحب هذا ما يحققه الحب من المعجزات والخوارق، إذا وجد الحب غابت كل المشكلات، وإذا غاب الحب حل الحب الهابط في مكان ذلك فتنبعت وظهرت سائر المشكلات على تنوعها واختلافها.

عباد الله: تلمسوا مكان محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جوانحنا، لا سيما في هذا اليوم الأغر، لا سيما في هذا الشهر المبارك هل تشعرون بهذه المحبة، هل تجدون في أفئدتكم لوعة اشتياق إلى رسول الله. إذاً فاهنؤوا أن يفرج الله ما نحن فيه. نعم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخفى بقطع النظر عن الامتثال. من أجلّ الدلائل على محبة العبد للرب أن تهتاج بين مشاعره مشاعر الشوق إلى رسول الله في الذكريات الزمانية والمكانية، وما أكثر هذه الذكريات. المحب إذا فاحت رائحة ذكرى مولد رسول الله في نفسه بمثل هذه المناسبة، انتشت منه النفس وطرب منه العقل؛ ذلك لأن هذه الذكرى أيقظت لديه كوامن الحب الكامن بين جوانحه لرسول الله. ويا عجباً لمن لا يؤمن لأثر الذكريات في إثارة لواعج الحب، أثر الذكريات واحد وإن تلوع المحبوب.

أرأيتم إلى ذاك الذي تحدث الركبان وتحدث التاريخ عن حبه لليلى، ماذا صنع عندما مرّ بالدار التي كانت محبوبته تسكن فيها، ماذا صنع ألم يتطوح بين جدران تلك الدار ألا تعلمون ذلك أليس هو القائل:

أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار

أياً كان المحبوب لا بد أن يترك هذا المحبوب معنىً للذكرى في قلبه، من رأى ذكريات المصطفى في مكان أقام فيه اهتاجت بين جوانحه مشاعر الشوق إليه. من مر بساعة من الساعات التي تعيده إلى يوم ميلاد رسول الله وبعثته اهتاجت مشاعر الشوق إليه، إذا مر بحديث رسول الله الذي رواه مالك وآخرون وهو من أصح الأحاديث، إذا وقف أمام قول رسول الله وهو يتشوق إلينا - أجل يتشوق إلى إخوانه قائلاً: (وددت لو أني رأيت أخواني). ظن أصابه أنه يتشوق إليهم. قالوا له: ألسنا إخوانك؟ قال: (بل أنتم أصحابي إخواني الذين لم يلحقوا بعد).

أيها الإخوة: انظروا كيف اهتاجت مشاعر الذكرى بين جوانح رسول الله. لمرأى صخور .. جبل ألوان من الصخور والأتربة. عاد من إحدى الغزوات ولما دنا من المدينة المنورة رأى جبل أحد. فنظر إليه قائلاً: هذا أحد جبلٌ يحبنا ونحبه. ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى هذا التغزل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الذكرى؛ لأن هذا الجبل الأصم - نعم هو أصم - لكنه على الرغم من ذلك يحتضن من أصحاب رسول الله الكثير والكثير يحتضن حمزة يحتضن مصعب بن عمير يحتضن الكثير والكثير. إذاً فلا بد أن تهفو نفس رسول الله بالحب إلى ذلك الجبل.

أتريدون أدلة أكثر من هذا؟ بقي أن أقول لكم شيئاً واحداً: الذي فرغ قلبه من الحب من حب رسول الله لن يفهم هذا المنطق الذي أقوله لكم، لا لأن المنطق ينأى عنه، ولكن لأنه لم يذق طعم هذا الحب، وأسأل الله لهؤلاء الإخوة أن يذيقهم لوعة الحب التي أذاقنا الله عز وجل إياه، أسأل الله أن يذيقهم عذوبة هذا العذاب.

أيها الأخوة ليس في الكون عذاب يتمتع بالعذوبة إلا شيء واحد عذاب الحب، عذاب الحب هو الذي يجمع لك بين العذوبة والعذاب وما أهنأ هذا الحب عندما يكون لرسول محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله.



تشغيل

صوتي
مشاهدة