مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 18/01/2013

دعوة ملحّة للتوبة واستنزال الفرج

تاريخ الخطبة


‏‏‏الجمعة‏، 06‏ ربيع الأول‏، 1434 الموافق ‏18‏/01‏/2013‏

دعوة ملحّة للتوبة واستنزال الفرج

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

لا ريب أن الله سبحانه وتعالى قد أقامنا من كونه هذا في عالم الأسباب، أمرنا أن نتخذها وأن نتعامل معها، وإنها لسنة ماضية من سنن الله عز وجل في كونه ومن ثم في عباده. ولقد كنا وما نزال بحمد الله عز وجل نتعامل مع الأسباب الكونية التي وضعها الله عز وجل في طريقنا لمعالجة هذه الأزمة بل هذه المحنة التي تمر بنا، ها نحن نتعامل مع الأسباب المادية والأسباب الكونية المختلفة المتنوعة، مستجيبين في ذلك لقرار الله وأمره وسنته، ولكن ماذا عن التعامل مع مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، وقد تعاملنا مع الجنود بكل أوجه التعامل، ولكن ماذا عن القائد الأعلى لهذه الجنود؟ إنني أخشى أن أقول يا عباد الله إننا استغرقنا استغراقاً كبيراً وطويلاً في أغصان الأسباب المتنوعة التي أقامها الله عز وجل إلى درجة أننا قد حُجِبْنَا عن الجذع الذي إليه مرجع هذه الأغصان وهذه الأسباب كلها، تقلبنا بل سبحنا في عالم الأسباب الكثيرة الكونية المادية العلمية المتنوعة إلى درجة أننا رأينا أنفسنا مسجونين في عالم الأسباب ومن ثم محجوبين عن المسبب وهو الله سبحانه وتعالى، ينبغي في مثل هذه الحال أن نتذكر الحقيقة، وإنني لأقولها باختصار وبكلمات موجزة، صحيح أن الله عز وجل أقامنا من كونه في عالم الأسباب وأمرنا أن نتخذها وأن نتعامل معها ولكنه في الوقت ذاته أعلن أنها جنود بيد الله

(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31].

الأسباب لابد أن نتعامل معها، لكن شأنها كشأن الجسد من الروح، لا تستقر الروح إلا في جسد ولكن ماذا عسى أن يغني الجسد بدون روح، لقد حُجِبْنَا عن التعامل مع المسبب، بل كدنا أن نُحْجَبَ عن التعامل مع المسبب وهو مولانا خالق الكون وخالق الأسباب كلها، ولعلكم تقولون يا عباد الله: ها نحن نؤمن بوجود المسبب وهو الله وها نحن نتعامل معه من منطلق الإيمان به وبمعنى التعرف عليه فهل من شيء آخر يُطْلَبُ منا بعد ذلك؟ نعم، المطلوب منا عندما نمر بهذه المحنة أو تمر بنا بل في سائر الأحوال فضلاً عن هذه الحالة التي نحن بها، المطلوب منا أن نعود فنصطلح مع الله وأن نجدد التوبة إلى الله وأن نمد يد البيعة من جديد مع الله وأن نجأر إليه بالضراعة وبالذل والبؤس والمسكنة، نطرق بابه – باب مسبب الأسباب كلها – قائلين له إن بلسان الحال أو بلسان المقال: أي رب، ها نحن قد فرغنا من التعامل مع الأسباب التي أمرتنا أن نتعامل معها، ها نحن قد أدينا الواجب الذي قد فرضته علينا، وها نحن عدنا إليك، ها نحن نطرق باب كرمك وجودك، أنت مسبب الأسباب كلها، أنت قائد هذه الجنود الكونية التي تملأ رحاب كونك هذا، فيا ذا الجلال والإكرام لقد وضعنا الأسباب التي تعاملنا معها الآن وراءنا ظهرياً، وها نحن نستمطر من سماء رحمتك التوفيق والنصر والفرج، هكذا ينبغي أن نتعامل مع المسبب، وهل من دليل على هذا أجلى وأوضح من دليل كتاب الله عز وجل أيها الإخوة؟ اسمعوا إلى طائفة من هذه الآيات التي تذكرنا بهذه الوظيفة:

(ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف: 55].

(وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56].

ويحدثنا البيان الإلهي عن أناس من أمثالنا مرَّ بهم مثل هذه المحنة، هزتهم هزاً ليتذكروا الالتجاء إلى الله فما تذكروه، يقول عنهم:

(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) [المؤمنون:76]

ويقول عن أمثالهم:

(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 42-43].

يقول الله عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً) أي من الأعداء في عادية حرب كهذه

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ) قرن الباري سبحانه وتعالى بين الوضع الذي نخوضه اليوم وبين ذكر الله عز وجل

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) [الأنفال: 45].

هذا ما يقوله بيان الله وها هي ذي المحنة التي طال أمدها تقرع على آذاننا الدعوة إلى الالتجاء إلى مسبب الأسباب بعد أن فرغنا من التمسك بالأسباب والتعامل معها، فأين هم الذين استجابوا يا عباد الله، أين هم الذين استجابوا لدعوة الله، أين هم الذين يفرون من المحنة إلى الذي ابتلانا بها؟

(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات: 50].

أنظر إلى واقعنا، إلى مجتمعنا ونحن نخوض هذه المحنة فما الذي أراه؟ أرى فئات من الناس ممن يعانون من هذا البلاء يوظفون هذه المحنة لترسيخ اللادينية في مجتمعنا، لترسيخ شعار العلمانية أي اللادينية في مجتمعنا، إنهم يتلاقون صباح مساء، إنهم يخططون صباح مساء في سبيل أن يعتصروا من هذه المحنة وسيلة لفرض هذه اللادينية علينا، وما الحجة؟ الحجة أن المصيبة لم تقرع أبوابنا إلا بأيدي المتدينين، لم تقرع أبوابنا ولم تزجنا في هذه المصيبة إلا بشعارات الذين يريدون أن يبنوا عروشهم على الإمارات الدينية والإسلامية، إذاً فينبغي أن نتخلص من هذا السبب بإعلان اللادينية والعلمانية، تلك هي حال فئة، ولا أدري كم نسبتها من مجتمعنا السوري هذا. أنظر إلى فئات أخرى وإذا هم يحاولون جاهدين أن يوظفوا هذه المصيبة بل أن يوظفوا حال الذين شُرِّدُوا من بيوتهم، شردوا من دورهم، يريدون أن يوظفوا حال من زجتهم هذه المصيبة في المجاعة، مجاعة ما مثلها، يُهرعون ليوظفوا هذه الحال كوسيلة يصلون بها إلى أمنية أستطيع أن أقول إنها من القذارة بمكان، حلمهم أن تمتلئ جيوبهم على حساب الشاردين من بيوتهم، يعمد الواحد منهم - ودعوني أصف الواقع - يعمد الواحد منهم إلى دارٍ زائدة عن حاجته فيقسمها إلى قطعٍ قطع، يقسم البيت إلى بيوتات ثم إنه يؤجر كل قطعة من هذه القطع بأغلى الأثمان أو الآجار، فإذا قال له المسكين الذي يبحث عن مكان يأوي إليه هو وأولاده، قال له: ألا تخفف الرقم قليلاً ؟ يقول: لقد دُفِعَ لي فيه أكثر، وأنا أطلب منك أجرة ستة أشهر كاملات، ويمضي الرجل ليستقبله العراء، لترحمه الحدائق، ألستم تعلمون هذا.

آخرون، يخرج الرجل زوجه وأولاده وكامل أفراد أسرته من البيت ليقفوا على المخبز وكأن كل واحد منهم لا يعلم الآخر، ليشتري كل منهم ما استطاع من ربطات الخبز، فإذا نجحوا في هذا عاد أفراد الأسرة بأربعين أو خمسين أو ستين ربطة يبيعونها بأضعاف أضعاف ثمنها في السوق السوداء، ألا ترون ذلك؟ من هؤلاء الذين يفعلون هذا؟ أخوتهم.

والآخرون الذين يجدون أن الناس يتسابقون إلى شيء من الوقود، إلى شيء من المازوت لينجوا فيه أولادهم من المرض، وإذا بثلة من الناس ينتهزونها فرصة ليسرقوا هذا الوقود ثم ليبيعوه في السوق السوداء بأثمان باهظة، إن شاؤوا اشتروا بالثمن الذي يفرض عليهم وإن شاؤوا فليذهبوا وليمت أطفالهم من البرد كما يشاؤون. هذه هي حالنا اليوم. أنا لا أستطيع أن أقول كم هي نسبة أولئك الذين يوظفون هذه المحنة لفرض اللادينية على مجتمعنا، أنا لا أستطيع أن أقول كم هي نسبة الذين يسعون لاهثين لملئ جيوبهم على حساب الجياع، على حساب العراة، على حساب الشاردين من بيوتهم لكنهم موجودون يا عباد الله. كيف السبيل إلى أن نستدفع هذه المصيبة؟ كيف السبيل إلى أن نستنزل من علياء الرحمة الإلهية الرحمة التي تعيد الأمن والسلام إلى ربوع شامنا؟ السبيل هو أن نستقيم على صراط الله أولاً، (من لا يَرْحَم لا يُرْحَم) هكذا يقول رسول الله في الحديث الصحيح. ونحن ما هي هويتنا يا عباد الله؟ بأي هوية نرحل إلى الله؟ أنا أقول هذا سائلاً الإخوة الذين يسعون جاهدين ليل نهار لفرض اللادينية على مجتمعنا، من أنتم أيها الإخوة؟ إذا طرق ملك الموت باب أي واحد منكم، بأي عقيدة، بأي فكرة، بأي مذهب سترحلون إلى الله، والله لن ترحلوا إلا بهوية واحدة هي العبودية الحقة لله عز وجل:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) [مريم: 93-95].

كيف يا عباد الله نتجاهل هويتنا بل نسعى إلى تمزيقها وربنا سبحانه وتعالى هو الذي يوقظنا عن طريق هذه المحنة لنعود إليه وكأننا نقول له: إن المحنة التي طافت بنا من جراء قضائك وقدرك ستجعلنا نثور عليك، تجعلنا نثور على هويتنا وعبوديتنا لك، ها نحن مصرون على أن نغرس اللادينية في مجتمعاتنا، لا يا عباد الله، لا يمكن للعاقل أن يفر من الحمى إلى الطاعون، لا يمكن للعاقل أن يفر من المرض إلى أسباب الهلاك، لا. شامنا هذا، سوريا هذه دولة إسلامية مدنية، أو قل دولة مدنية إسلامية، لسوف نصر إصرارنا على هذه الحقيقة، تلك هي هويتنا، بهذه الهوية نستدفع البلاء، نعم يا عباد الله. إذاً لابد من علاج الالتجاء إلى الله، سِرْنَا طويلاً في طريق التعامل مع الأسباب ووصلنا إلى المسبب، إذاً ينبغي أن نقف هنا، ينبغي أن نطرق باب الله، بل باب الله لا يُغلق دون أحد، ينبغي أن نلج هذا الباب ملتجئين متضرعين، عباد الله، كثيرون منا يتصورون أن الالتجاء إلى الله إنما ينبغي أن يتداعى الناس إليه بمناسبة الاستسقاء، عندما تحبس الأمطار ويمتد أجل ذلك يتداعى الإخوة بل يأمر المسؤولون عامة الناس أن يتداعوا إلى صلاة الاستسقاء، ولقد شهد هذا المسجد أكثر من مرة اجتماع الناس لصلاة الاستسقاء، وأذكر قبل عقد بل يزيد من الزمن كيف أنا التجأنا إلى الله لاستنزال الغيث من السماء وكيف أن بعض الصالحين بل بعض الأولياء وقفوا في هذا المحراب يدعون الله عز وجل فأكرمنا الله في اليوم الثاني أو الثالث مع الأمطار بالثلوج، أذكر ذلك ولا أنساه، لكن من قال إن المصيبة التي تجعلنا نلجأ إلى الله فقط هي مصيبة احتباس المطر. المصائب كثيرة، وكل مصيبة يبتلى بها الإنسان إنما هي عصا تسوق الإنسان إلى رحاب الله، إنما هي عصا توقظ الإنسان أولاً ثم تسوقه إلى الالتجاء إلى باب الله سبحانه وتعالى، فلنتداعى لاستسقاء آخر نستسقي به من الله سبحانه وتعالى الرحمة التي تنجينا من هذه المحنة، وكله استسقاء، بالأمس استسقينا الله عز وجل أن ينزل علينا الغيث فاستجاب، واليوم ينبغي أن نتداعى لنصلي صلاة الحاجة المشروعة ولكي نستمطر من الله سبحانه وتعالى رحماته التي هي الكفيل الأوحد لإنهاء هذه المحنة يا عباد الله. أقول هذا لكم ولا أريد أن أزج نفسي أو أزجكم في اليأس لعل فيكم من يقول: أين هم الذين يلتجئون إلى الله، نحن حفنة من الناس سمعنا وأصغينا والتجأنا لكن الكثرة الكاثرة تائهة، ولكن الكثرة الكاثرة زائغة، لعل فيكم من يقول: إذاً فالمحنة باقية. لا يا عباد الله، المحنة زائلة، والإله الذي أراني هذه المحنة في إقبالها كما قلت لكم بالأمس أراني هذه المحنة في إدبارها، وأنا على يقين بأنها ستدبر، لكن الإله الذي يبشرنا بإدبارها يأمرنا بأن نسلك السبيل إلى إدبارها، الالتجاء إلى الله. أدعو نفسي وأدعو قادة الأمة بكل فئاتها وبكل درجاتها وأدعو الناس جميعاً إلى التوبة النصوح، إلى تجديد البيعة مع مولانا وخالقنا الذي سنرحل إليه عبيداً لا غير، الملحد والتائه والفاسق والفاجر كلهم سيرحلون إلى الله بهوية واحدة عبيد لله مقرين بعبوديتهم لله عز وجل، أدعو نفسي وأدعوهم جميعاً إلى صدق الالتجاء إلى الله، أدعو نفسي وأدعوهم جميعاً إلى أن نتداعى إلى مثل عملية الاستسقاء مع مقدمة من الصيام، مع مقدمة من إعطاء كل ذي حق حقه، مع مقدمة من التوبة وأنا ضامن وأنا ضامن وأنا ضامن بأن الفرج آتٍ وبخارقة، بخارقة من الخوارق التي سيكرمنا بها رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله رب العالمين.



تشغيل

صوتي
مشاهدة