مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 11/01/2013

ادخلوا في السلم كافة .. تلك هي رسالة الله إلى المسلحين

تاريخ الخطبة


‏‏‏الجمعة‏، 28‏ صفر‏، 1434 الموافق ‏11‏/01‏/2013‏

ادخلوا في السلم كافة .. تلك هي رسالة الله إلى المسلحين

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

إن من الحقائق القرآنية التي تزداد جلاءً مع الزمن وتزداد رسوخاً مع الأحداث التي تتجدد هنا وهناك ما هو ثابت من أن القرآن لم يتنزل خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللناس الذين كانوا من حوله فقط ولا للجيل الذي من بعده أو الذي من بعده فقط وإنما تنزل القرآن خطاباً للناس كلهم على اختلاف أمكنتهم واختلاف عصورهم، يرافقهم في أحداثهم وتقلباتهم ويظل يقدم لهم النصائح لحل مشكلاتهم المختلفة المتنوعة، ها نحن نجد المزيد والمزيد من الأدلة على هذه الحقيقة التي هي مظهر من المظاهر العلمية الناطقة بأن القرآن كلام الله، كلام الخالق وليس كلام المخلوقين. تعالوا نصغ السمع بتدبر وتأمل إلى هذه الآيات التي تصف الأحداث المؤلمة، الجرائم المنكرة التي تُرْتَكَبْ في هذه الفترة التي تمر بنا، وتأملوا في التحذير الكبير والخطير الذي يوجهه بيان الله سبحانه وتعالى للمتورطين في هذه الجرائم المنكرة ثم تأملوا كيف يأمر بيان الله عز وجل الجميع، كيف يأمر الجاني والمجني عليه، يأمر الأطراف جميعاً بالتلاقي في مظلة الأمن والسلم، تأملوا في هذا الذي يقوله الله عز وجل:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) [البقرة: 204-206]

ثم يقول بعد ذلك:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة: 208] (فَإِن زَلَلْتُمْ) - أي ركبتم رؤوسكم في الاستمرار على الزلل والإجرام - (فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 209].

أرأيتم إلى هذه الآيات، أهي تحل مشكلة كانت في عصر رسول الله؟! أفكان في عصر رسول الله أو في عصر التابعين أو تابعيهم من يتصفون بهذا الذي ذكره بيان الله، يشهدون الله على أنفسهم أنهم مؤمنون ومجاهدون ثم إنهم ينحطون في إفساد الحرث والنسل والإهلاك والقتل وما إلى ذلك، أفكان في ذلك العصر من يفعل هذا؟! لم يكن هنالك قط من ينطبق عليه هذا الوصف الذي يذكره بيان الله ولذلك فإن المفسرين أجمعوا على أن هذا الحديث الرباني إنما يخاطب الله عز وجل به من قد يتصفون بهذه الصفة من الناس الذين سيأتون من بعد. إذاً فلابد أن أتوجه أيها الإخوة باسمي وباسمكم جميعاً إلى هؤلاء الذين يشهدون فعلاً مولاهم وخالقهم الذي يعلم السر وأخفى، يشهدونه على أنفسهم أنهم مؤمنون بل مجاهدون وأنهم يتقربون إلى الله عز وجل بما يفعلون ثم إنهم ينحطون في نقيض ما أمر الله به، ثم إنهم يتحدون بيان الله عز وجل في الإمعان بارتكاب ما يحذرهم به، بارتكاب ما يمنعهم منه. (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا) نعم بدلاً من أن يرعوي عن الإفساد انقياداً لأمر الله وتهديده، يقول إن بلسان حاله أو بلسان مقاله: بل شأننا في جهادنا الذي نسير فيه أن نمعن في الأرض فساداً وإن كنت تنهى عن ذلك (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)، يقول قائلهم: نحن مجاهدون وجهادنا يتمثل في مناقضة ما يقوله بيان الله سبحانه وتعالى، جهادنا يتمثل في أن نقتلع الزرع ونهلك الضرع ونحرق النبات ونسرق الأقوات ونحطم ونهدم البيوت ونذبح البرآء، هذا هو جهادنا وليقل بيان الله بعد ذلك ما يشاء. لابد أن نقول لهؤلاء الإخوة: لماذا تمعنون في أن تخالف ألسنتكم سلوكاتكم؟ لماذا تمعنون في أن تشهدوا الله على ما في قلوبكم وأنتم تمارسون نقيض هذا الذي تشهدون الله عليه؟ لماذا؟ لابد أن أسألكم باسم المنطق قبل الدين، باسم العقلانية قبل الدين أأنتم صادقون في إيمانكم بالله عز وجل رباً خالقاً لكم وبأنكم عبيدٌ مملوكون لله عز وجل لابد لكم من وقفة بين يديه يوم يقوم الناس جميعاً لرب العالمين؟ إذا كنتم كذلك - وهذا هو المظنون بكم - فلماذا تخالفون أمر إلهكم الذي تشهدونه على ما في قلوبكم؟ لماذا تمعنون في نقيض ما أمر الله عز وجل به؟ وأنا إنما أخاطب الذين يتسلحون ويعلنون الجهاد على إخوانهم وأبناء جلدتهم ووطنهم وهم جزء من هذا الوطن بل من هذه الدولة، ولا أتكلم الآن عن أولئك الوافدين الذين يقفزون من مكان إلى مكان، فإن دارت عليهم الدائرة رجعوا إلى جحورهم، إلى أوكارهم البعيدة، إنما أتحدث مع هؤلاء الإخوة الذين هم جزء من هذا الوطن، أقول لهم: ها هي ذي فرصة سانحة قد فُتِحَتْ أمامكم، فُتِحَتْ أبواب هذه الفرصة على مصارعها، فتحها أول مسؤول عن هذه الدولة في هذه البلدة، يدعوكم بصدق وجد إلى ماذا، لا على أن ينصحكم فتصغوا السمع إلى نصيحته بل يدعوكم إلى أن تنصحوه وتنصحوا القائمين بهذا الأمر ليصغوا هم السمع إلى نصائحكم مادامت هذه النصائح تجعل لهذا الوطن الذي يطمع فيه الكثير والكثير من أعداء الله عز وجل يجعل لهذا الوطن سياجاً من الحماية، يجعل له ضمانات من القوة، يجعل له سبلاً من الوحدة الآمنة، يجعل له ضمانات للسير على الصراط الذي يرضي الله عز وجل، ها هي ذي الأبواب قد فُتِّحَتْ بمصاريعها كما قلت لكم، وها أنتم تدعون - وأقولها مرة أخرى - لا لكي تسمعوا النصح فتتقبلوه لا، بل لكي تقدموا النصح فيتقبله المسؤولون منكم، وليس لذلك من شرط إلا أن تكون هذه النصائح نصائح فعلاً، وقديماً قال رسولنا صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة)، وقديماً قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، ها أنتم تُدعَون إلى أن تنطقوا بلكمة الحق هذه، فما موقفكم ونحن نظل نحسن الظن، إنما تندفعون إلى هذا الذي تندفعون به غيرة منكم على مصالح الأمة، غيرة منكم على مكانة هذه البلدة بل هذا الوطن الشريف، فإذا كان الأمر كذلك فهلا تبتم وعدتم إلى الله لتجعلوا جهادكم متناغماً مع شرع الله، لتجعلوا جهادكم مفسَّراً بالإصلاح بدلاً من الإفساد، بالإحياء بدلاً من القتل، هلا فسرتم جهادكم بالنصح تقدمونه لولي الأمر أي هلا فسرتم جهادكم بكلمة حق ولتكن نعم عند سلطان جائر، تعالوا فانطقوا بكلمة الحق هذه. أما إن كان الهدف - وإننا لنرجوا أن نكون مخطئين - أما إن كان الهدف يتمثل في إعدام هذه الأرض، في القضاء على هذه الدولة، في محو ما اسمه سوريا من هذه الخريطة فإنني أنصحكم لا من قبيل أن الدين النصيحة فلعلكم لا تصغون إلى النصيحة عندما يكون معينها الدين ولكني أقوله لكم من منطلق عقلاني: إذا تم هذا الذي تسعون إليه فلسوف تكونون أول من يتقد في نيران هذا المصير، إذا قضي على هذه البلدة، على هذه الدولة فلسوف ينمحي اسمها من الخارطة، ولسوف تتحول لا أقول إلى دويلات بل إلى جماعات وفئات متناحرة متقاتلة يشتد الأوار بينها ولا يهدأ، أجل يتقد اللظى ولا ينطفئ، ولسوف تكونون أول من يتقد بهذه النيران. ألا فلتعلموا أيها الإخوة أن العيدان التي تتقد بها النيران العظيمة هي أول ما يحترق في مشروع هذه النيران، اسمعوا هذا الذي أقوله لكم جيداً. أما الدولارات التي فرحتم بها أو تفرحون بها حيناً من الزمن إذ تتجمع في جيوبكم فاعلموا أنها ستنمحي ولسوف تذوب كما يذوب هذا الثلج تحت أشعة الشمس، ولسوف تفتحون أيديكم وتنظرون وتفتشون في جيوبكم فلا تجدون إلا العدم ولسوف تجدون أمنكم أول من يحترق في هذا الذي سُخِّرْتُمْ به، فهلا رجعتم إلى الفكر العقلاني الذي ينبغي أن تحاكموا به تصرفاتكم وعلاقاتكم في هذا الذي يتم، أنا أقولها لأبناء جلدتنا، أقولها لإخواننا، أقولها لمن هو جزء لا يتجزأ من هذه البلدة، من هذا الوطن، وأنا لا أوجِّه كلامي إلى أناس أُرْسِلُوا من وراء البحار ربما، أُرْسِلُوا من أماكن بعيدة لا يعلمون إلى أين يتجهون وإنما يعلمون أن هنالك مراوضة وقعوا عليها، يعلمون أن هنالك عقداً ألزموا أنفسهم به، أنا لا أكلمهم، ومصيرهم إلى الله عز وجل، وإنما أكلم أبناء جلدتنا. نعم، لماذا تضعون نصب أعينكم ما يضعه العدو القريب أو البعيد بدافع من الأحقاء التي عاملوا معها، لماذا تتناغم أهدافكم مع أهدافه؟ وإذا تم الأمر كما يشاء أما هو فلسوف يتربع على كرسيه ويرقص الليل ويسكر في النهار فرحاً بما تم ولكن مصيركم ما هو؟ مصيركم الهلاك. ينبغي أن تعلموا هذه الحقيقة. نحن نقول الوطن، وأنا أقول الدين، أقول الانقياد لأمر الله، لا على أنني أنكر قيمة الأوطان ولكن فلتعلموا ولنعلم جميعاً أن الأوطان كلها ملك لله، لمن خلقها ولمن أقامنا عليها، ولكننا مستخلفون على هذه الأوطان، نحن مستخلفون على هذه الأرض المباركة التي هي أرض الله، مستأمنون عليها، ألم تعلموا أن القرآن ينص في أكثر من موضع على الإنسان خليفة الله؟! خليفة الله في ماذا؟ خليفة الله في حماية الأرض التي أقامهم عليها، خليفة الله في حماية الأقوات والأرزاق التي أكرمهم بها إن على ظاهر الأرض أو في باطنه، مستخلفون برعاية ميزان العدل الذي أقامه فيما بينهم:

(وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن: 7-9].

إن تعظيمنا للوطن إنما هو انقياد لأمر الله في المحافظة على ما استأمننا الله عز وجل عليه، اعلموا هذا جيداً.

أما إذا أصر إخوتنا أن يولوا ظهورهم إلى بيان الله هذا وأن يعرضوا عن أمره ونهيه وأن يجعلوا ولاءهم لأعداء الله عز وجل بدلاً من أن يجعلوا ولاءهم لله، أما إن أصروا إصرارهم على أن يخدموا أعداء الله وهو في الحقيقة أعداؤهم أيضاً بدلاً من أن يخدموا دين الله فإنني أذكرهم بهذه الآية من كتاب الله:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [المجادلة: 14].

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ) يا أيها الذين يتم الاعتداء عليهم، (وَلَا مِنْهُمْ) من هؤلاء المعتدين. أترون أن هذا الكلام خوطب به أصحاب رسول الله، أترون أن هذا الكلام خوطب به المنافقون في عصر رسول الله، أترون أن هذا الكلام خوطب به التابعون ومن بعدهم. ارعووا، عودوا، والعود إلى الحق أحمد، أجل، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وفرح الله بتوبة عباده لا تعدلها فرحة كما قلت لكم في الأسبوع المنصرم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.



تشغيل

صوتي
مشاهدة