مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 28/12/2012

يفرح الله بتوبة عباده .. وفي عباده من يسوئهم ذلك

تاريخ الخطبة


‏‏‏الجمعة‏، 14 صفر‏، 1434 الموافق ‏28‏/12‏/2012‏

يفرح الله بتوبة عباده

وفي عباده من يبغضهم ذلك

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

هما مولدان متجاوران زمنياً، أما أحدهما فمولد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد تم الاحتفال به منذ يومين كما تعلمون، وأما الثاني فهو مولدنا سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سيحتفل العالم الإسلامية به بعد أيام، ومما لا ريب فيه أن بعثة كلٍّ من هذين النبيين والرسولين موئل رحمة للعالم أجمع، ألم تقرؤوا قول الله سبحانه وتعالى عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خطاباً له:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

أو لم تقرؤوا قوله سبحانه وتعالى عن عيسى بن مريم على لسان جبريل:

(قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً) [مريم: 21].

هما رحمتان، رحمة أنزلها الله عز وجل على عباده ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ورحمة أخرى أنزلها الله عز وجل على عباده بولادة وبعثة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، على أن رحمات الله عز وجل كثيرة وموئلها كثير لا يُعَدُّ، ولقد أحسن رجال الدين المسيحي في بلادنا صنعاً عندما جعلوا احتفالاتهم بذكرى مولد سيدنا عيسى التجاءً إلى الله وتضرعاً بين يديه أن يزيح عن بلدتنا هذه، هذه المصيبة وأن يعيد نعمة الأمن والسلام إلى ربوع شامنا هذه، أجل، لقد أحسنت صنعاً إذ جعلت الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة يُتَرْجَم إلى التضرع والالتجاء والتذلل على أعتاب الله سبحانه وتعالى.

كما أحسنت البابوية الفاتيكانية صنعاً أيضاً عندما سخَّرت موعظتها السنوية العظمى التي توجهها إلى العالم، سخَّرتها لدعوة العالم بمؤسساته وقادته للتوجه متعاونين بجد لإنهاء هذه المجزرة التي تدور رحاها على هذا البلد الآمن المطمئن الذي لم يظلم أحداً ولم يسئ إلى دولة ولا إلى جماعة، كان ولا يزال يحتضن أولي النكبات، كان ولا يزال يحتضن أولي المصائب، أجل.

عباد الله: إن الفاتيكان يمثل معظم العالم المسيحي ومع ذلك فقد تذكرت بابوية الفاتيكان النسب الساري بين الرسل والأنبياء، وصدق رسول الله القائل: (الأنبياء إخوة لعلات). توجهت البابوية إلى الشقيق ومن ثم توجهت إلى أتباع هذا الشقيق بل إلى أتباع سيدنا محمد وسيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، اتجهت إلى هذا الشقيق وأتباعه بقلوب دامية وبأسى يؤثر، ولعله دليل من الأدلة الناطقة بصدق المشاعر التي اصطبغت بها موعظة الفاتيكان في هذا العصر. وأما منظمة التعاون الإسلامي فإنه تمثل العالم الإسلامي أجمع، تمثل الدول الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها. ذلك ما فعلته البابوية الفاتيكانية. أقول لكم يا عباد الله: أما منظمة التعاون الإسلامي فهي مؤسسة تمثل العالم الإسلامي أجمع بل الدول الإسلامية جمعاء. الفاتيكان استشعر الأسى الذي يطوف بالعالم الإسلامي والذي يطوف بقلب من قلوب العالم الإسلامي - وهو سورية - فوجه عظته العالمية الكبرى إلى العالم أجمع لينهض بجدٍّ وصدق لإنهاء هذه المجزرة، فماذا صنعت منظمة التعاون الإسلامي وهي تمثل العالم الإسلامي لا العالم المسيحي؟ إنها كما تعلمون تغطُّ في رقاد عميق وليت أنه كان كرقاد أهل الكهف، إنها محجوبة عن كل ما يجري هنا، إنها لا تسمع أنين الثكالى، ولا تسمع آهات اليتامى، ولا تتصور الدماء المنهمرة في الشوارع والساحات والميادين وليس ثمة من يحدثها ومن ثم لا يخطر ببالها أن تتحدث عن الأبنية التي خُرِّبَتْ، عن المزارع التي حُرِّقَتْ، عن الأموال التي نُهِبَتْ، ها هي ذي تصمت كما قلت لكم ولا صمت الموتى، لماذا أقول أهل الكهف. رابطة العالم الإسلامي رابطة، أين هي الرابطة يا عباد الله وقد تمزق العالم الإسلامي والعالم العربي في قلبه شرَّ ممزق، أين السعي إلى ربط الأخ بأخيه، إلى جمع الإخوة المسلمين تحت مظلة الإخاء التي دعا إليها مولانا وخالقنا في قرآنه إذ قال:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: 10].

ولكني أقول لكم يا عباد الله: دعوا الدنيا كلها، دعوا الأسباب أجمع، على الرغم من ما نرى من فرق عجيبٍ وغريبٍ ما كنا نتوقعه، دعوا الأسباب وارحلوا إلى المسبب، عودوا إلى الإله الذي ابتلانا بهذه المصيبة، اربطوا آمالكم به واعلموا أن الله سبحانه وتعالى الذي شاء أن يبتلينا بهذه المصيبة منذ عامين إلا قليلاً إنما أراد من ذلك أن يوقظنا من سبات، إنما أراد من ذلك أن يعيدنا لنصطلح على صراطه ونهجه، ألا ولتعلموا أن لكل جلال يظهر جمالاً يختفي في داخله، ألا ولتعلموا أن لكل جلال من المصائب جمالاً من الرحمات، ولسوف تجدون هذه الرحمات عما قريب، ولكنها منوطة بشيء واحد قلتها وأعود فأقولها، منوطة بالتوبة يا عباد الله، منوطة بالاصطلاح مع الله يا عباد الله، منوطة بأن نعود فنتذكر هوياتنا التي ينبغي أن نرحل بها هي إلى الله سبحانه وتعالى عما قريب، قلتها - لا أقول بالأمس - قلتها قبل أن تطل هذه المصيبة علينا، ذكَّرْت بطائفة من المعاصي أوغلنا فيها، وذكَّرْت نفسي وكل من شرفهم الله بالمقام فوق هذه الأرض المباركة بضرورة التوبة، بضرورة الإقلاع عن المعصية، وإنني لأقول لكم: إن هذه المصيبة فيما أرى وأرجو الله أن تكون رؤيتي صائبة قد آتت قدراً كبيراً من ثمارها. كثيرون هم الذين كانوا تائهين بالأمس قد استقاموا على صراط الله اليوم، كثيرون الذين كانوا غافلين يتقلبون في حمئة الشهوات والأهواء بالأمس إنهم اليوم يتجهون إلى مولاهم وخالقهم بالتوبة والإنابة، وأسأل الله عز وجل المزيد من هذا التوجه إلى الله عز وجل. ولا أزال أقول، لا أزال أوجه هذه التذكرة القلبية المنبعثة والله يشهد من مشاعر حب، من مشاعر شفقة، من مشاعر مودة وغيرة، أتوجه إلى قادة هذه الأمة، إلى جيش هذه الأمة، إلى المسؤولين في هذه الأمة، إلى شتى فئات هذه الأمة أدعوهم وأدعو نفسي قبلهم إلى التوبة، إلى الإنابة، إلى الاصطلاح مع الله سبحانه وتعالى. بالأمس قلت في هذا المكان: ليس بين أن ينال هذا الجيش الباسل الذي يؤدي واجبه النوعي في هذه البلدة وبين أن ينال أعلى الرتب في رضوان الله سوى أن يتوج بطولته بالتوبة، سوى أن يتوج بطولته بتنفيذ ما أناط الله بكيانه وعنقه من الواجبات، سوى أن يلتزم بأوامر الله وينتهي عن نواهيه جهد الاستطاعة، قلت هذا والعجب الذي لا ينتهي أن في الناس ناساً ضاقوا ذرعاً بهذا الكلام وكأنهم يحبون أن يبقى العاصي عاصياً وأن يبقى التائه تائهاً وأن يبقى الشارد شارداً، وكأنهم يرغبون ويتمنون أن لو لم تبلغهم نداءات الله عز وجل القائل:

(تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً) [التحريم: 8].

ربنا يدعوا عباده إلى التوبة وفي الناس ناس يضعون ما بين نداء الله وآذان هؤلاء التائهين الحجب، لماذا يا إخوتنا، لماذا أيها الإخوة؟ لماذا تضنون على واحدٍ مثلي أن يرحل إلى الله بمثوبة واحد واحد فقط هداه الله بسبب تذكرة ذكَّره بها فقال ممن قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت، وفي رواية خير لك من حمر النعم). عباد الله أصدقكم الكلام: عندما أتلقى عن طريق الهاتف أو بشكل مباشر حديثاً لإنسان يعرفني على نفسه وغصة البكاء في حلقه يخبرني أن كان تهائهاً ثم اهتدى، يخبرني أن كان يخب في ظلمات الجهل والجاهلية ثم ارعوى، هل تعلمون كم هي الفرحة التي تغمر كياني. والله الذي لا إله إلا هو لو سيقت إلي كنوز الدنيا كلها بكل ما فيها من متع لن تبلغ فرحتها فرحة هذا الكلام إذ يلغني عن طريق هاتف أو بشكل مباشر حديثاً عن إنسان واحد هداه الله عز وجل بتذكرة سخرني الله عز وجل بها، لا أقول عشرات بل أقول واحد. يا ناس لماذا تضنون عليَّ أن يثيبني الله عز وجل بهذا الثواب العظيم، لماذا تضنون عليَّ أن أكون واحداً ممن قال عنهم رسول الله (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً إلى آخر الحديث). وأنا أعلم أن فرحتي هذه إنما هي جزء من فرحة رب العالمين التي عبَّر عنها رسول الله في الحديث المتفق عليه، أجل المتفق عليه برواية عبد الله بن مسعود وأن بن مالك قال: (لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل بأرض دُويَّةٍ مُهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، قام يطلبها حتى اشتد عليه الحر واشتد عليه العطش فقال: أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، ورجع وامتد ووضع رأسه على ساعده ثم استيقظ وإذا راحلته عنده عليها طعامه وشرابه، يقول رسول الله: فالله أشد فرحاً بتوبة العبد من فرح هذا براحلته). وأقول من القيادة، من الجيش، من المسؤولين، انظروا يا عباد الله كم يفرح الله بأوبتكم إليه، كم يفرح الله بعودتكم إليه، كم يفرح الله باصطلاحكم معه، ألا فانضووا تحت رحمة الله بالتعرف على الله، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، أقولها اليوم وسأقولها غداً وأحتسب أجري في ذلك عند الله راجياً أن يكتبني ممن قال عنهم:

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].

سأدعو قادة الأمة وأدعو أفراد هذا الجيش المقدام وأدعو كافة المسؤولين إلى أن يتوبوا إلى الله، إلى أن يعتصموا بشرع الله، بهذا أرحل إلى الله، هذا هو رأس مالي إذا قام الناس لرب العالمين، ليس لي عمل صالح هام أتقدم به وأرفع الرأس به بين يدي الله، لكنني سأرحل إلى الله بهذا اللسان، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.



تشغيل

صوتي
مشاهدة