مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 14/12/2012

عندما يكون الحكم سياسياً والقناع إسلامياً

تاريخ الخطبة


‏‏‏الجمعة‏، 30‏ محرم‏، 1434 الموافق ‏14‏/12‏/2012‏

عندما يكون الحكم سياسياً والقناع إسلامياً

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:

إننا نقرأ في بيان الله سبحانه وتعالى في محكم تبيانه بياناً للواجبات التي أناطها الله سبحانه وتعالى بأعناق عباده وكلفهم بها، ونقرأ إلى جانب ذلك بياناً آخر يتضمن الحق الذي تكفل الله له بعباده إن هم نفذُّوا تلك الواجبات وحققوها كما أمر، فتعالوا نصغي إلى طائفة من الآيات التي تتضمن بيان الواجبات التي أناطها الله عز وجل في أعناق عباده، يقول:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) [الذاريات: 56-57]

ويقول:

(يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت:56]

ويقول:

(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: 5].

ويقول:

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104].

ويقول:

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125].

ويقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) [الحجرات: 12].

ويقول:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: 10].

هذه طائفة من الآيات التي تتضمن بيان الواجبات أناطها الله عز وجل بأعناق عباده، فتعالوا نصغي السمع إلى الحقوق التي ألزم الله عز وجل ذاته العلية بها تجاه عباده التي ينفذون هذه الواجبات، يقول:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) [النور: 55].

ويقول:

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 5].

ويقول:

(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم: 13-14]

أرأيتم يا عباد الله إلى هذين البيانين اللذين نقرأهما في كتاب الله، البيان الأول يتضمن الواجبات التي أناطها الله عز وجل بأعناقنا وكلفنا بها، والبيان الثاني يتضمن الحق التي ألزم الله عز وجل ذاته العلية به تجاهنا، وأنتم تعلمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين من بعدهم هم المثل الأعلى وهم النموذج الذي أمر الله عز وجل سائر عباده من بعد بالاقتداء بهم، ألم تقرؤوا قوله:

(أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90].

تعالوا نتأمل في موقف أصحاب رسول الله والتابعين من بعدهم من هذه الواجبات، تعالوا نتأمل ولنستعرض باختصار، ما إن يقبل الواحد منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعاً – وقد دخل اليقين بالإسلام ودين الله في طوايا عقله – حتى يعكف على ترسيخ هذا الإيمان في عقله وتغذيته بمشاعر العبودية وبأعمال العبادات المختلفة، ما إن يدخل الإيمان في طوايا عقله حتى يعكف على تحويل هذا اليقين العقلي إلى حب وتعظيم يهيمنان على القلب، يعكف هذا الإنسان الذي عرف الله على تظهير قلبه وتطهير نفسه من الأهواء والشهوات المنحطة ويعكف على التسامي فوق بقايا ظلمات الجاهلية التي كان مبتلى بها، ما إن يتلاقى بعض من هؤلاء الصحابة فيما بينهم حتى يتداعوا إلى مجلس شعاره "تعالوا بنا نؤمن ساعة"، يتداعون إلى مجالس ذكر، إلى مجلس تذكرة، إلى مجلس تناصح، يتجهون جميعاً إلى تنفيذ أمر الله عز وجل، تعريف الناس بالإسلام، دعوتهم إلى الله عز وجل، إدخال محبة الإسلام في قلوب التائهين، يحدث الواحد منهم بعضاً من المشركين الذين لا يزالون يخبون في ظلمات الجاهلية، يحدثهم عن الإسلام والإيمان فيرفع حربته في وجهه يهدده بالقتل فيقول له مبتسماً: أو تجلس فتسمع فإن أعجبك أخذت وإن لم يعجبك فافعل ما تشاء فيغرس الحربة إلى جانبه ويجلس ليسمع، ما إن يأتي الله ويأخذ الواحد منهم حظه الكافي من الرقاد حتى يقوم سائر الليل بين يدي الله راكعاً، ساجداً، متبتلاً، ملتجئاً إلى الله، داعياً، متضرعاً، يغذي عقله بجذور الإيمان ويغذي قلبه بمزيد من الحب لهذا الذي آمن به. ترى، هل كان أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم وهم عاكفون على أداء هذه الواجبات التي أناطها الله بأعناقهم، هل كانوا منصرفين إلى حلم قيام الدولة الإسلامية، هل كانوا يحلمون بأن يمتلكوا البلاد التي تهيمن عليها الإمبراطورية الرومانية أو الساسانية، هل كانوا يتساءلون متى سيتحقق الحق الذي وعدنا الله عز وجل به؟ لا يا عباد الله. كانوا منصرفين إلى هذه الواجبات التي أناطها الله بأعناقهم، شغلهم الشاغل أن يطهروا نفوسهم من السخائم، أن يطهروها من الكدرات، شغلهم الشاغل أن يطهروا أنفسهم من بقايا أدران الجاهلية، شغلهم الشاغل أن يمدوا ما بينهم وبين إخوانهم جسور الحب والود تنفيذاً لقوله عز وجل:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10].

فلما نفذوا هذا الذي أمرهم الله عز وجل به وقاموا بالواجبات التي أناطها الله عز وجل في أعناقهم حقق لهم ما كان قد التزم به ربنا تجاههم، أعاد الله لهم الأرض التي هُجِّرُوا منها وملَّكهم بلاداً وأراضي أخرى وجعل منهم أئمة يمسكون بأزمة القيادة في العالم، ألا تلاحظون ذلك. هذا هو النموذج الذي ينبغي أن نتبينه ونتذكره يا عباد الله، وأعود فأقول: إن ذلك الرعيل الأول عندما كانوا يعكفون على القيام بالواجبات التي أناطها الله بأعناقهم لم يكونوا يتصورون أي علاقة بين تلك الواجبات التي كُلِّفُوا بها والحق الذي ألزم الله به ذاته العلية تجاههم، لم يكونوا يتصورون علاقة علة ومعلول بينهما، لم يكونوا يتصورون علاقة سلعة وثمن بينهما، بل كانوا يعلمون أنهم عبيدٌ لله وأن عليهم أن يؤدوا هذا الواجب الذي أناطه الله في أعناقهم فكان أن نفذ الله عز وجل لهم ما قد ألزم به ذاته العلية.

عباد الله: نحن أيضاً جيل من تلك الأجيال التي جاءت بعد ذلك الرعيل الأول، نحن أيضاً عرفنا الله وآمنا به، نحن أيضاً نعتز بالإسلام شرعة ومنهاجاً، أجل، وها نحن ننظر فنجد في ساحتنا الإسلامية ثلة كبيرة من الناس الذين يُدعون بالإسلاميين – ولقد قلت لكم بالأمس إنها تسمية لا عهد لنا بها من قبل – مسلمون نعم، إسلاميون، ماذا تعني هذه الكلمة؟ على كلٍّ هنالك ثلة تنشط فيما بيننا تسمى الإسلاميين، ولعلها الفئة الأولى، النخبة المتميزة في نطاق السير على صراط الله والتمسك بدين الله، فهل يسير هؤلاء الإخوة، الإسلاميون، على النهج الذي سار عليه الرعيل الأول وهم قدوتنا، وصدق الله القائل:

(أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90].

هل يسير هؤلاء الإسلاميون على نهج ذلك الرعيل الأول طبقاً للنهج القرآني الذي انتبهنا إليه وأصغينا إلى طائفة من الآيات الدالة عليه؟ لا يا عباد الله. لقد شُغِلُوا عن الواجبات التي أناطها الله عز وجل بأعناق عباده، شُغِلُوا عنها بالحق الذي ألزم الله عز وجل به ذاته العلية تجاههم. أين هو التوجه إلى الناس التائهين عن دين الله، الشاردين عن صراط الله، الذين يبحثون يميناً وشمالاً عمن يبصرهم بدين الله، عمن يدلهم على حقيقة العبودية لله، عمن ينبههم إلى هوية العبودية لمولانا سبحانه، أين؟ أين الذين يستجيبون نداء هؤلاء الإخوة يجلسون إليهم ليعرفونهم على دين الله وليدخلوا محبته في قلوبهم، أين هم من مجالس تعالوا بنا نؤمن ساعة التي كان يتداعى إليها أصحاب رسول الله فيتذاكرون ويتناصحون ويذكرون الله سبحانه وتعالى؟ أين هي ليالي التبتل بين يدي الله سبحانه وتعالى، أين هو السعي إلى معارج التزكية بالنفس إلى صعيد الإيثار بدلاً من الأثرة، إلى صعيد الحب بدلاً من الحقد، إلى صعيد التضحية بالحظوظ بدلاً من التضحية بالخصوم، أين هي ساعات التبتل وتغذية الإيمان بالله عز وجل بوقود الحب لله، بوقود التعظيم لحرمات الله؟ شُغِلُوا عن ذلك كله بالبحث عن السبيل إلى الحق الذي ألزم الله عز وجل ذاته العلية تجاههم فصدق عليهم قاله ابن عطاء الله السكندري في حكمه: اجتهادك فيما ضُمِنَ لك وتقصيرك فيما طُلِبَ منك دليل على انطماس البصيرة منك، نعم. قيل لهؤلاء الناس: أين هو انضباطكم بتهذيب النفس، بتزكية النفس، وهو شيء أمر الله عز وجل به وكرر الأمر به وهو البوابة إلى قيام المجتمع الإسلامي؟ معذرتهم التي يرددونها وكم قيلت لي هي أن تنفيذ الشرعة الإسلامية لا يمكن أن يتم إلا بعد الوصول إلى كراسي الحكم، فما لم نصل إلى سدة الحكم لا يتأتى لنا تنفيذ الإسلام وشرعة الإسلام. هؤلاء أصابتهم عدوى المذاهب السياسية، الأفكار السياسية، الذين يسعون سعيهم إلى الحكم ليفرضوا على الأمة مذاهبهم وأفكارهم أياً كانت دون أن يتساءلوا عن وصول هذه الأفكار إلى قلوبهم طوعاً أو كرهاً، ولكن الإسلام ليس كذلك. قلت وأقول: الإسلام أيها الإخوة معتقد أولاً وسبيله الدخول إلى العقل طوعاً، ثم إنه يجب أن يتحول من القناعة العقلية إلى وقود الحب في الفؤاد، يجب أن يتحول من قناعة عقلية إلى حب عارم في الفؤاد لله، إلى تعظيم لحرمات الله، وهذا إنما يتم عن طريق ما أمر الله به

(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125].

أما الوصول إلى كراسي الحكم فهذا يمكن أن يحقق القسر، يمكن أن يحقق قسر الناس للسير في الطريق الذي يرتؤون فهل هذا هو الإسلام، هل يقبل الله عز وجل من إنسان سيق سوقاً إلى مظاهر الإسلام والدين هل يقبل منه ذلك يوم القيامة؟ لا يا عباد الله. هذه الحقيقة ينبغي أن نتبينها، ثم لنعلم أيها الإخوة أن هنالك آفات كثيرة تتحقق من وراء الشرود عن منهاج كتاب الله عز وجل، وأعود فأذكركم بأن المنهج الذي رسمه الله لنا يتكون من أمرين اثنين، واجبات نحن الذين كُلِّفْنَا بها من قبل الله، وحقوق ألزم الله عز وجل بها ذاته العلية، حذرنا من أن نخلط هذا بذاك، فإن أعرضنا عن الواجبات وسال لعابنا على الحقوق أو على هذا الحق الذي قادنا الله عز وجل إليه أو الذي ألزم الله عز وجل ذاته العلية به ما الذي سيحصل؟ أنا عندما أسلك هذا المسلك - وأسأل الله العفو والعافية - سأجدني ضمن محاور سياسية شتى ولسوف أجدني مضطراً إلى أن أنجذب إلى فلك بعض من هذه المحاور قطعاً، وصدق المثل القائل: من وجد نفسه في ساحة الرقص لابد أن يهز نفسه، نعم. إذاً لابد لهؤلاء المسلمين - وقد دخلوا في معترك السياسة بحثاً عن الوصول إلى الحكم - لابد أن يتجهوا وأن ينجذبوا إلى محور من المحاور السياسية ضد محاور أخرى أليس كذلك؟ إذاً تحولوا من عبيد لله عز وجل منفذين لأوامره إلى عبيد لسلطات سياسية، تحولوا إلى عبيد لمحاور سياسية شاؤوا أم أبوا، وهذا الواقع الذي نراه من حولنا شاهد على هذا الذي أقوله لكم. هذا الواقع الذي نراه أمامنا شاهد على هذا الذي أقوله لكم، وإنه لأمر خطير جداً. لماذا رأينا أنفسنا أمام هذا الشرود ولماذا رأينا إخوة لنا انقادوا ودخلوا في فلك جاذبية سياسية من تلك السياسات، لماذا؟ لأنهم تخلوا عن الواجبات وأصروا على أن يستنزلوا الحق الذي ألزم به ذاته العلية تجاهنا، نعم، هذه هي النتيجة، والنتيجة النتيجة أننا نظرنا فوجدنا إخوة لنا يحالفون من لا نرتاب في أنهم أعداء لدين الله، يحالفون من لا نرتاب في أنهم أشد الناس عداوة للمسلمين ولإسلام الله سبحانه وتعالى، هذا الأمر هو الذي جعلنا نرى ولا نكاد نصدق من يصافح البغي الإسرائيلي الجاثم على صدورنا، الجاثم على أوطاننا الذي لا يزال يطرد ثم يطرد ثم يطرد أصحاب الدور من دورهم، أجل، ألا ترون ذلك؟ ما الذي دعا هؤلاء الإخوة إلى أن ينجذبوا إلى هذا الفلك؟ إعراضهم عن الواجب الذي كلفهم الله به وقفزهم إلى الحق الذي ألزم الله عز وجل ذاته العلية، ولكن من استعجل الشيء قبل أوانه لابد أن يعاقب بحرمانه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.



تشغيل

صوتي
مشاهدة