مميز
EN عربي
الخطيب: A MARTYR SCHOLAR: IMAM MUHAMMAD SAEED RAMADAN AL-BOUTI
التاريخ: 18/06/2010

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً

‏‏‏‏الجمعة‏، 07‏ رجب‏، 1431 الموافق ‏18‏/06‏/2010


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


إن نعم الله التي تفضَّل بها على عباده كثيرة ومتنوعة ولكني لم أجد نعمة امتَنَّ الله بها على عباده وتحبب بها إليهم كتلك النعمة التي يعبر عنها البيان الإلهي بقوله عز وجل: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً[ [المائدة: 3]. تأملوا في هذه النعمة التي يتحبب الله عز وجل بها إلى عباده ويمتن بها عليهم كما لم يمتن بأي نعمة أخرى عليهم مثلها، إنه يقول لقد أهديت إليكم من هذا الإسلام ثوباً سابغاً على قدر الفطرة الإنسانية، ثوباً سابغاً يستجيب لمصالحكم كلها. لقد أحببت لكم هذا الالتزام بهذه الضمانات التي تحقق لكم سعادة العاجلة والعقبى.


ومما لا ريب فيه – يا عباد الله – أن الإنسان – إن لم يكن عبد سوء – إذا كان وفياً مع الله سبحانه وتعالى لابد أن يتفاعل أيَّ تفاعل مع هذه النعمة التي يتحبب الله عز وجل بها إلينا ولابد أن يرفع الرأس بهذه النعمة عاليا ً)الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً[.


إنه يقول كل النعم التي وصلتكم مني ناقصة ولكنها تُمِّمَتْ وكَمُلَتْ بنعمة هذا الدين الذي ارتضيته لكم، ولو علمت أن مصالحكم تتحقق بسبيل آخر غيرِ سبيل هذا الدين لاخترته لكم لكنه السبيل الأوحد لتحقيق سعادة الإنسان في عاجله وآجله.


وهذا يوضِحُ لنا – يا عباد الله – أن هذه الشرعة التي أخذنا الله عز وجل بها وارتضاها لنا إنما تعود فائدتها إلى الإنسان ولن تعود فائدتها إلى الله عز وجل كما قد يتوهم كثيرٌ من الناس ويتساءلون عن ذلك. الله عز وجل غني عن عباده وألوهيته كاملة قبل أن يخلقنا وقبل أن يشرفنا بهذا الدين.


إذاً هذا الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده إنما هو نعمة يعود بها الله سبحانه وتعالى إلينا، هي الضمانة – كما قلت لكم – لسعادة الإنسان في دنياه ولسعادته في الآخرة التي هو على موعدٍ معها


إذا علمنا هذه الحقيقة فإننا جميعاً نعلم يا عباد الله الأمراض الكثيرة التي نعاني منها، إننا نعاني من أنواع من التخلف، نعاني من التخلف المتمثل في الفرقة، نعاني من التخلف المتمثل في التخلف الثقافي والعلمي عن الأمم الأخرى، نعاني من التخلف الاقتصادي، نعاني من أنواعٍ كثيرة من التخلف، وإنها لأمراض متوضعة في كيان هذه الأمة، وها هو ذا الدواء والعلاج مرسومٌ وموضوع أمامنا، وها هو ذا ربنا جل جلاله يمتن علينا بهذا الدواء ويذَكِّرُنَا به ويرتضيه علاجاً لأدوائنا ومشكلاتنا.


فلماذا نفرق بين الداء والدواء، لماذا نجعل الدواء بعيداً عن أدوائنا وأمراضنا بعد المشرقين ونحن نعلم – أيها الإخوة – أن الله عز وجل كان ولا يزال لطيفاً بعباده، نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده ولكنه يريهم في الوقت ذاته الدواء الذي ينجيهم من هذا الابتلاء، لماذا لا نعود إلى هذا الدواء الذي شرفنا الله عز وجل به وامتن علينا به لنستعمله في التخلص من الأمراض التي نعاني منها، إنه هذا الدين الذي شرفنا الله به. وهيهات هيهات أن يمكن لعقل عاقل أن يتبين إلى جانب هذا الدين قبله أو بعده أي علاج آخر للأمراض المتوضعة في مجتمعاتنا وكياناتنا، أجل إنه الدين – يا عباد الله – الدين الحق هو العلاج الذي لا بديل عنه للأمراض التي نتأوه منها، وها أنا أضعكم أمام الدليل الناطق بهذا الذي أقوله لكم باختصار قدر الإمكان.


لا يمكن للأمة – يا عباد الله – أن تعالج أمراضها وأدواءها أياً كانت إلا بالتعاون، هي الخطوة الأولى لمعالجة التخلف الذي ذكرته لكم بكل أنواعه، ولكن التعاون لا يتحقق إلا بشيوع الثقة بين المتعاونين، إذا لم تكن هنالك ثقة سارية بين الناس الذين يتعاونون هيهات أن يتحقق التعاون، ربما يتحقق مظهر التعاون ولكن الثقة إذا لم توجد لن تتحقق آثار هذا التعاون قط، حسناً، والثقة من أين تأتي؟ ما السبيل إلى أن يثق الناس بعضهم ببعض لكي يتعاونوا تعاوناً حقيقياً مثمراً.


سبيل هذه الثقة كي تشيع بين أفراد الناس إنما يتمثل في الخلق الإنساني السامي. الخلق الإنساني السامي عندما يصطبغ به الإنسان ويصطبغ به الآخرون تنبثق من ذلك عوامل الثقة، فإن لم تتحقق الأخلاق الرضية، إن لم تتحقق الأخلاق الصالحة التي بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لإتمامها وكمالها لا يمكن أن تشيع الثقة بين أناس لم يتحقق فيما بينهم الخلق الإنساني السليم ولم يُرَبَّ أفراد المجتمع التربية التي تجعلهم يتسامون إلى مستوى الأخلاق الإنسانية الرضية، وهذا من الوضوح بمكان ولكن ما السبيل إلى أن تتحقق الأخلاق الإنسانية بين الناس؟ ما السبيل إلى أن أوثرك على شخصي عندما أجد ضائقة قد طافت بك؟ ما السبيل إلى أن لا أخونك في معاملة؟ ما السبيل إلى أن لا أغدر بك؟ ما السبيل إلى أن أتصف بالصفات التي تتحقق من خلالها الأخلاق الإنسانية السامية. لا سبيل إلى ذلك – يا عباد الله – إلا مراقبة الله سبحانه وتعالى.


لا تنبثق الأخلاق الإسلامية – بل الإنسانية – السامية الرضية إلا من خلال مراقبة الله عز وجل. وهيهات أن تتحقق مراقبة العبد للرب إلا إذا عرف أن له ربَّاً وعلم أن يتصف بكل صفات الكمال وآمن بالكتاب المنـزل من عنده خطاباً له وأيقن بالمصير والوقفة التي لابد أن يقفها بين يديه عندئذٍ ينضبط الأخلاق الإنسانية الرضية.


وباختصار ينبغي أن تعلموا أن الأخلاق لا تُسْتَنْبَتُ في فراغ، الأخلاق الفاضلة لا تُسْتَنْبَتُ في الهواء وفي الفراغ، لا تُسْتَنْبَتُ إلا في تربة الإيمان بالله، لا تُسْتَنْبَتُ إلا في تربة الدينونة لله سبحانه وتعالى، فإذا اصطبغ الإنسان بالدين إيماناً بالله عز وجل وإيماناً بحقائق العبودية لله سبحانه وتعالى ثم تحول يقينه العقلاني إلى عاطفة متوهجة من الحب والتعظيم لله سبحانه وتعالى تسكن حنايا القلب عندئذٍ يتهيأ هذا القلب لكي تُسْتَنْبَتُ فيه الأخلاق الإنسانية الفاضلة.


إذاً لابد من التعاون والتعاون لا يتحقق إلا بشيوع الثقة والثقة لا تتحقق إلى عن طريق الأخلاق الصالحة إذ تشيع بين أفراد المجتمع والأخلاق لا تُسْتَنْبَتُ في فراغ، لا تُسْتَنْبَتُ إلا في تربة الإيمان بالله، لا تُسْتَنْبَتُ إلا في تربة العبودية الراضية لله سبحانه وتعالى ومن ثم الانقياد لما شرع الله سبحانه وتعالى وأمر به، أليس هذا من الوضوح بمكان يا عباد الله؟


وهنا لابد أن أقول كلمة لعلها تأتي على الهامش، هنالك من يتفلسفون اليوم فيقولون: إذا كانت الغاية من الدين الذي ابتعث الله عز وجل به رسله وأنبياءه الأخلاق الفاضلة فلنقفذ إلى الأخلاق الفاضلة رأساً ولنترك المقدمات. ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. إذاً فلنطوِ الدين بكل ما يتعلق به عقائدِه سلوكاته مادام كل ذلك عبارة دهاليز إلى الغاية القصوى ألا وهي الأخلاق


وأقول لقد خَبَّ في هذه الظلمات قبلكم فلاسفة جاؤوا قبل بعثة سيدنا عيسى ومن بعد، ظنوا هذا الذي ظننتموه، تصوروا أن الأخلاق يمكن أن تُسْتَنْبَتَ في الفراغ، تصوروا أن الأخلاق يمكن أن تُلصق بالإنسان إلصاقاً لكن إنسانية الإنسان تَأَبَّتْ على ذلك، من هذا الذي يملك أن يقيدني ويمنعني من بلوغ رغباتي وأهوائي، من هذا الذي هو إنسان مثلي يملك أن يسيِّرني في الطريق الذي يخططه ويجعل من هذا الطريق قيماً يزعم أن عليَّ أن أنضبط بها، لا، لا يمكن للإنسان أن ينضبط بالأخلاق الصالحة إلا إذا تنـزلت من عَلُو، إلا إذا تنـزلت من عند مولانا وخالقنا جل جلاله ولابد من الإيمان به قبل ذلك.


هذه حقيقة لا تغيب إن إنسان عاقل قط ولكن في الناس من لا يزالون يقولون: حسناً ها هي ذي دول البغي المتناثرة من حولنا بعيدة عن الالتزام بالدين، بعيدة عن الانضباط بحقائق العبودية لله ومع ذلك فقد انعتقت من التخلف، إنها لا تعاني من تخلف، إذاً ليس الأمر كما قد نظن أن الوسيلة محصورة في الدين، وأقول لهؤلاء السائلين – ولعلي قد ذكرت ذلك في مناسبة مرَّتْ – من علم سنن الله سبحانه وتعالى ووقف عندها ملياً لا يمكن أن يسأل هذا السؤال ولا يمكن أن يتصور هذا الوهم الغبي أو أن يتوضع ويسري إلى عقله.


ربنا سبحانه وتعالى يقول: )مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ[ [هود: 15] قرار الله الذي ألزم الله عز وجل به ذاته ولا ملزم له أن كل أمة عَرِقَتْ في سبيل هدف، بذلت الجهد في سبيل غاية، واصلت ثم واصلت في سبيل هذا الجهد لابد أن يحقق الله عز وجل لها ثمرات جهودها، الدول الغربية بشطريها الأمريكي والأوروبي إنما ورثت هذه الحضارة التي ورثتها، هذا التقدم نتيجة جهود بذلها الآباء والأجداد، نتيجة جهود طويلة طويلة بذلها الآباء والأجداد وورثوها كابراً عن كابر، والله عز وجل قضى وألزم ذاته بأن يعطي هؤلاء الناس ثمرات جهودهم)مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ[


أما نحن العرب المسلمين ما الجهد الذي بذلناه في سبيل التقدم من نوع الجهود التي بذلها أولئك الناس؟ كم هي الجامعات التي أشدناها قبل بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أين هو نسيج الحضارة الذي عكفت القبائل العربية على نسجه وإيجاده قبل بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ لا شيء. إذاً ما الذي جعل هذه الأمة تقفز من أقصى أودية التخلف إلى أعلى قمم الحضارة. الدين، هذا الإسلام هو الذي سما بها صُعُدَاً قفزاً فوق تلك الجهود التي بذلها أولئك الناس.


عندما ندرس العصر الذهبي لتاريخ هذه الأمة نجد أعاجيب التقدم الحضاري، سل نفسك متى طُبِخَتْ هذه النهضة الحضارية وفي أيِّ الجامعات تمت ومن أيِّ الجامعات العربية في الجزيرة العربية انبثقت. تعلم الجواب: الله سبحانه وتعالى هو الذي سما بهذه الأمة صُعُدَاً قفزاً إلى حيث قمة التقدم والحضارة، فإذا بقيت هذه الأمة وفية لهذه النعمة التي ارتضاها الله لنا وامتن بها علينا فإن هذه النعمة ستبقى وإن التقدم لن يتراجع.


أما إذا آل الأمر إلى تبرم بالدين وأما إذا آل الأمر إلى أن أكثر هذه الأمة لا تعلم شيئاً عن الإسلام الذي تنتمي إليه وإذا سُئِلَ أحدهم عن مسألة بدهية من مسائل الدين أو العقيدة رفع رأسه معتزاً يقول أنا لست مختصاً بالدين.


أما عندما تنظر فتجد – لا أقف أمام الجزئيات يا عباد الله وإنما أقف أمام الأمر الكلي، التيار الكلي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية – عندما أجد ظاهرة التبرم بهذا الدين، عندما أجد من يقول إن الدين قد انقضت أيامه وغربت شمسه ونحن بحاجة إلى شيءٍ جديد وطورٍ جديد نَؤُمُّ فيه منهج هؤلاء الآخرين في الغرب، عندما يكون الأمر هكذا فإن الله عز وجل يقول لنا – لم يكن في كتابه فبلسان الحال – عودوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم، عودوا إلى جهودكم إن كانت لكم جهود في سبيل نهضة حضارية، عودوا فضعوا سُلَّمَ الرقي من خلال جهودكم السابقة، ولن نجد جهداً بذلناه إنما هو هذا الدين، هذا فرق ما بيننا وبين تلك الأمم الأخرى )كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً[ [الإسراء: 20].


أعود فأقول يا عباد الله: نعمة امتن الله عز وجل بها علينا كما لم يمتن علينا بنعمة سواها، ارتضاها لنا، تحبب إلينا به )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً[ فتعالوا نتفاعل مع الله سبحانه وتعالى تعامل العبد المؤمن، تعامل العبد الوفي الذي يرفع رأسه بهذه النعمة التي أغدقها الله عز وجل عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.



تشغيل

صوتي
مشاهدة