مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 23/05/2003

الإيمان العقلي وحده لا يكفي

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.



أمّا بعدُ فيا عباد الله ..



روى الشيخان البخاري ومسلم والإمام أحمد وأبو داوود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".



ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال هذا الكلام وبلغه أصحابه والأجيال الآتية من بعد، لم يقل ذلك بدافع من الزهو الإعجاب بنفسه، وإنما قال ذلك تبليغاً لأمرٍ أمره الله عز وجل أن يبلغه أمته، فلو لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه هذا الذي أوحى به الله عز وجل إليه لخان الأمانة، وأنى له ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم مبرأ منه.



إذاً الإيمان العقلاني وحده بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكفي ولا يجدي، لابد من أن يتوج الإيمان العقلي بالحب، والحب يا عباد الله انفعال قسري وليس فعلاً اختيارياً، وقد كان الله عز وجل حكيماً جداً ورحيماً بعباده إذ صاغ نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على مزايا وأخلاق لعلنا لا نجد من تمتع بمثلها لا من قبل ولا من بعد، ولو تساءلنا ما سر هذا الذي ميز الله عز وجل به رسوله محمداً عن سائر الناس، لكان الجواب أن من ألطاف الله عز وجل بعباده أن ييسر السبيل إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهيمنته على عرش أفئدتهم، تلك ظاهرة من ظواهر اللطف الإلهي.



وهكذا فإن كل من كان سليم الطوية صافي البشرية عن الشوائب ووقف على شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه لابد أن يُشرب قلبه حب رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم، فكيف بمن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى فيه هذه الشمائل عياناً، وهكذا فلا يقولن قائل كيف السبيل إلى أن أحب رسول الله؟ ادرس سيرة رسول الله، وقف على شمائل رسول الله، وكن صافي النفس عن الشوائب البشرية تجد نفسك تعشق محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم.



وإذا أكرم الله عز وجل عباده بالإيمان العقلي ثم متعهم بهذا الحب الذي لا يكفي الإيمان العقلاني من دونه، إذا متع الله عز وجل عباده المؤمنين بهذا الحب الذي بلغنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أصداء هذا الحب لابد أن تفعل فعلها، وإن ثمرات هذا الحب لابد أن تتحقق في حياة المسلمين شاؤوا أم أبوا، لأن الحب كما قلت لكم انفعال ونتائجه أيضاً من قبيل الانفعال، فإذا هبت ذكرى ولادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قلوبٍ فاضت حباً لرسول الله وشوقاً إليه إذا هبت رياح هذه الذكرى على أصحاب هذه القلوب ماذا عسى أن يكون شأنها؟ لابد أن تتفاعل مع حدث هذه الذكرى ولابد أن تهتاج به العواطف ولابد أن يعبر أصحاب هذه القلوب عن شديد حبهم وعن عظيم ارتباطهم بصاحب هذه الذكرى سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولايمكن لإنسانٍ فاض قلبه حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم - أي تحقق الشرط الذي ذكره رسول الله في الحديث المتفق عليه ثم مرت به ذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهبت رياحه في نفسه وفي جنبات وعيه وعاطفته لابد أن يهتاج به الحب ولابد أن يعبر عن مشاعره وإلا لاختنق، ولابد أن يعظم ذلك اليوم الذي ولد فيه رسول الله، ولابد أن يعظم ذلك الميقات المكاني والزماني الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.



وقد روى مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل وأبو داوود والحاكم في مستدركه وآخرون أن أعرابياً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً يوم الاثنين فسأله عن ذلك فقال: "ذلك يومٌ ولدت فيه وذلك يومٌ بعثت فيه وأُنزل علي فيه" لاحظوا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم اليوم الذي ولد فيه ويحتفي به وهو ذاته اليوم الذي بُعث فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.



وأعود فأقول لكم: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما احتفل بيوم ولادته وعبر عن ذلك بصيام ذلك اليوم لم يكن يُزهى بنفسه، ولم يكن يُعبر بذلك عن إعجاب لذاته، ولم يكن يرسخ عادةً يدعونا إليها ليحتفل كل واحد منا بيوم ولادته، لا لكنما هي ولادة متميزة، ولادة من ابتعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، والبعثة هي تلك البعثة التي أشرقت فيها شمس الهداية على العالم كله، وإنما كان احتفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم ولادته تعبيراً عن شكره لله سبحانه وتعالى، تعبيراً عن تعظيمه لذلك اليوم الذي ابتعثه الله عز وجل فيه للعباد أجمع، وإذا كان هذا ما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يحتفل بيوم ولادته فكيف بنا نحن وهنالك عامل آخر حملنا إياه رسول الله بل حملنا إياه رب العالمين، ألا وهو أن تستشعر أفئدتنا محبة رسول الله أكثر من محبة الواحد منا لولده ولوالده وللناس أجمعين، كيف يكون شأننا يومٌ ينبغي أن يُعظم لأن الله عز وجل أوجد فيه من قضى أن يكون رحمة للعالمين، يومٌ بُعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم نبياً وأشرقت فيه شمس هداية الله عز وجل لعباده أجمع، هذا بالإضافة إلى الحب الذي يسر لنا سبيل دخوله إلى شغاف أفئدتنا. أفلا نحتفي باليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل عام؟



بل أقول هل بوسعنا إذا اهتاجت مشاعر محبة رسول الله في قلوبنا وهبت علينا رياح هذه الذكرى هل بوسعنا أن لا نحتفل أي هل بوسعنا أن لا نعبر عن لواعج حبنا؟



هل بوسعنا أن لا نعبر عن لواعج أشواقنا ونحن نحن الذين آمنا برسول الله وسمعنا الكثير الكثير عن رسول الله ووقفنا على شمائل رسول الله واشتاقت أفئدتنا إلى رؤية رسول الله وحجبنا عن رؤيته، لم تكتحل أعيننا برؤيته كأصحابه رضوان الله عليهم أفلا يهزنا الشوق إليه؟ أفلا تهتاج بين جوانحنا لواعج الحب له؟



وإذا اهتاجت كيف نعبر عن ذلك؟ هل يمكن للمحب أن يقف صامدا ًجامداً كأنه صخرة لاتعي؟ إذاً ما معنى الحب وهل في الناس من لا يدرك أن الحب هو الذي يحرك وهو الذي يقود وهو الذي يلهب الجوانج وهو الذي يقرب البعيد وهو الذي يسهل الصعب؟ هل في الناس من لا يعلم ذلك أيها الإخوة؟



ولكن هنالك مشكلة قل من يتنبه إليها في عصرنا اليوم، هنالك ظاهرةٌ كادت أن تمسخ الإسلام في أذهان وتصورات كثير من المسلمين، أصبح الإسلام في هذا العصر إسلام فكر وأصبحت النسبة مرتبطةً ووثيقة بين ما يسمى الفكر وبين الإسلام، ولو أنكم عدتم بالذاكرة إلى ما قبل مئة عامٍ أو إلى ما وراء ذلك لن تجدوا هذه الكلمة موجودة في قاموس الإسلام قط، المفكرون الإسلاميون الأفكار الإسلامية، هذه الكلمات التي تطرق أسماعكم اليوم تأملوا هل تجدون أثراً لهذه الكلمة في قاموس الإسلام، في قاموس علوم الإسلام أياً كانت؟ إطلاقاً لن تجدوا لها أي أثر لكنا في هذا العصر نسمع هذه الكلمة، لماذا؟ لأن هنالك خطة مرسومة خارج العالم الإسلامي تهدف إلى أن يُمسخ الإسلام فيُجتث جذوره من القلب حباً وعاطفةً ووجداناً ويتحول إلى فكرٍ يحتضنه العقل وأي فكر؟ فكرٍ منبثقٍ من الإنسان لا هابط وحيا ًمن عند الله سبحانه وتعالى، لأنك إذا سمعت هذه الكلمة تتكرر وتتكرر، المفكرون الإسلاميون، الأفكار الإسلامية، الفكر الإسلامي فلسوف يترسخ في ذهنك أن الإسلام مجموعة أفكار أثمرتها عقول الناس، لسوف يستقر ويترسخ في كيان كل واحد منكم أن الإسلام ليس إلا أفكاراً اعتصرها مفكرون فنسخوها فسجلوها فتحولت إلى مؤلفات وقالوا هذا هو الإسلام.



ولعل هذه الخطة قد نجحت نجاحاً ما. فما أكثر المسلمين في جنبات عالمنا الإسلامي الذين يتعاملون مع الإسلام فكراً وقوانين ولا يتعرفون عليه عاطفة ووجداناً قط، والحديث في هذا طويلاً وهو ذو شجون والوقت لا يتسع لذلك، غدا الإسلام أيها الإخوة عند كثير من الناس بل عند كثيرٍ من الموجهين والذين يقودون الحركات الإسلامية أفكاراً ورؤى واجتهاداتٍ ومناقشات وحركات وما إلى ذلك و مقارنة بين أنظمة وأنظمة، أما جذور ذلك المتمثلة بالعبودية لله، المتمثلة في محبة الله، المتمثلة في تنفيذ ما قاله الله عز وجل: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ" فقلما تجد مسلمين يتعاملون مع هذا الإسلام وهذا هو الأساس، وإذا نسف الأساس فلا قيمة للصورة التي تراها عيناك، وهذا سبب من أهم الأسباب التي تجعلنا ننظر فنجد أن الإسلام ينتشر في هذه الأرض يميناً وشمالاً شرقاً وغرباً وأن عدد المسلمين كاد أن يصل ربما إلى مليار ونصف ولكنك تنظر فتجد أنهم جميعاً أشبه ما يكونون بالزبد الطافي على وجه السيل، وتسمع إلى آثار أحاديثهم وكلماتهم وأفكارهم فتجد نفسك أمام المثل القائل أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.



الأعمال الإسلامية التي تتجلى اليوم على الساحة هي تلك الأعمال التي يقف بها بعض المسلمون في وجه بعضٍ آخر. القربات التي يتقرب بها كثيرا من المسلمين اليوم هي أن يرفعوا ما يسمى لواء البدعة، الاحتفال بمولد رسول الله بدعة والمغالات بحب رسول الله بدعة، أجل بالأمس في عالم ناء عن عالمنا الإسلامي وأنا ألقي كلمة في مسجدٍ كهذا المسجد قال لي أحدهم  بملء شدقيه: إن المغالات بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة، إذا آل أمر المسلمين إلى هذه الحال فما ينبغي أن ننتظر الثمرات التي نقرأها في كتاب الله لجهاد المسلمين ومع ذلك فإن الله غفور رحيم.



ما ينبغي أن نغالي في حبنا لرسول الله وكأن المسلمين اليوم كأنهم جميعاً أكثر حباً لرسول الله من أبي بكر، وكأنهم جميعاً أكثر حباً لرسول الله من أصحاب رسول لذلك فقد وصل حبهم إلى الخط الأحمر الذي ينبغي أن لا يتجاوزوه بدلاً من أن يسعى المسلمون إلى مد جسور الألفة فيما بينهم، إلى تحطيم أسباب النزاع فيما بينهم بدلاً من أن يطووا الكلمات الفارغة عن بدعة ينطق بها أناس لا يعرفون ما هي البدعة ولا يعلمون ما هي البدعة، بدلاً من هذا كان ينبغي أن نعود فنجدد بيعتنا مع الله وأن نصغي إلى بيان الله عز وجل القائل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " افهموا صدر هذه الآية مما يدل عليه نتيجتها فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه إذاً سبب الارتداد عن الإسلام الذي سيبتلى به كثير من وكثير من المسلمين ليس شكاً بعد يقين، وليس ريبة بعد إيمان لكن سبب الارتداد، إنما هو هذا المسخ الذي حدثتكم عنه أن إسلامهم يتحول إلى إسلام فكر، إلى إسلام كلام، إلى إسلام مقارعة نظامٍ بنظام. أما الأفئدة فتخلوا عن محبة الله عز وجل وتخلوا عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتُحشى بها محبة الأغيار. من أجل هذا عبر البيان الإلهي بهذه الكلمة من يرتد منكم عن دينه وإلا فلم نسمع مسلماً ارتد علانية عن دينه هذا الارتداد التقليدي والدليل على ذلك قوله فسوف يأتي الله بقومٍ لا يعانون من ذلك المرض، فلسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.



أيها الإخوة أسأل الله عز وجل ضارعاً أن يملأ قلبي وقلوبكم بحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يكون أحب إلينا من أولادنا وآبائنا والناس أجمعين ونفسنا التي بين جنبينا وأسأله عز وجل أن يجعل حبه في أفئدتنا لرسوله ثمرة من أجل ثمرات حبنا لمولانا الأجل.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم .    


تحميل



تشغيل

صوتي