مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 27/12/2002

أين هو الطيب؟!!

أين هو الطيب؟!!



لـ الإمام الشهيد البوطي



تاريخ الخطبة: 27/12/2002



 



الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.



أمّا بعدُ فيا عباد الله ..



كنت الساعة أتأمل في قول الله سبحانه وتعالى: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ[. تأملت في هذا الكلام الرباني فرأيت في تضاعيفه بشرى - وأي بشرى - عظيمة تنطق بحال المسلمين اليوم وتنطق بمآل أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر، ها هم الكفرة الفجرة الطغاة الذين أعلنوا الحرب على دين الله سبحانه وتعالى يرصدون الأموال الطائلة ليصدوا المسلمين عن التعامل مع دينهم وعن الإقبال إلى ربهم وليصدوا عن سبيل الله سبحانه وتعالى؛ ما لايقل عن مئتي مليار رُصد لهذه الحرب التي تهدف إلى اجتثاث شأفة الإسلام في ديار الإسلام، وها هو بيان الله عز وجل يبشر بأنهم سينفقون هذه الأموال ثم إنها ستكون حسرة عليهم، ستذهب وستتبدد هذه الأموال ثم يُغلبون، ثم إنهم يوم القيامة إلى جهنك يحشرون أيضاً.



ولكني تابعت فقرأت الآية التي تليها وهي قول الله سبحانه: )لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[.  إذن هنالك خبيثٌ وهنالك طيب، وحديث البيان الإلهي إنما يتضمن انتصار الله سبحانه وتعالى للطيب ضد الخبيث الذي يتربص به، وما الطيب إلا الجماعة المؤمنة بربها التي صدقت ما عاهدت الله سبحانه وتعالى عليه، اتجهت بصدق إلى مولاها وخالقها بباطنها وظاهرها، تولت الله سبحانه وتعالى واتخذته من دون الناس جميعاً ولياً لها، خضعت لسلطان الله عز وجل فيما أمر، وخضعت لسلطان الله سبحانه وتعالى في الانتهاء عما نهى واعتزت بدين الله ورفعت رأسها به عالياً، تلك هي الجماعة التي وسمها بيان الله سبحانه وتعالى بالطيب، وما الخبيث إلا أمم البغي والطغيان تلك التي استكبرت على الله عز وجل وتلك التي ناصبت عباد الله المؤمنين العداء.



إذاً فالآية تتحدث عن الحال التي يتلاقى فيها خبيثٌ مع طيب، لابد أن يغار الله سبحانه وتعالى على دينه وعلى حرماته ولابد أن يحمي الطيب وأن يركم الخبيث بعضه على بعض كما قال فيجعله في جهنم بعد أن يبوء بالخسران وبعد أن يبوء بالاضمحلال وبعد أن يبوء بالذل والهوان في دار الدنيا.



وقفت عند هذا البيان الآخر أتأمل أين هو الطيب في مجتمعاتنا التي يتربص بها الخبيث، بيان الله يتحدث عن حالٍ يتلاقى فيها الطيب مع الخبيث، ليميز الله الخبيث عن الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم. تساءلت أين هو الطيب وأين يتجلى الطيب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية كلها؟



نظرت كما ينظر أي إنسان آخر إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم فلم أجد إلا جماعات تشيح بوجهها عن هدي الله عز وجل وسلطانه وأمره وتتجه بالولاء ظاهراً وباطناً أو باطناً لا ظاهراً تتجه بالولاء إلى هذا الخبيث إلى أعداء الله سبحانه وتعالى، تأملت في جمهرة المسلمين وحالهم وإذا هم يتقدمون بالولاء إلى الخبيث الذي يتهدده الله عز وجل بالخسران بدلاً من أن يتجهوا بالولاء إلى مولاهم وخالقهم الأوحد سبحانه وتعالى، يعلن الخبيث حربه اللاهبة ضد وجود الإسلام والمسلمين مقنعاً بالأسباب الشكلية التي يتحدث عنها وأنظر إلى جمهرة المسلمين وإذا بهم يقدمون لهذا الخبيث الأرض ليستخدمها لعدوانه، يقدمون له المال ليستخدموه لعدوانه، يتسابقون ليقدموا إليه الإمكانات في سبيل أن يشن الخبيث حرباً على جيرانهم، على إخوانهم ومن ثم ليجتث هذا الخبيث شأفة الكل وليقضي على المسلمين جميعاً وليحقق حلم الصهيونية الذي كان إلى الأمس القريب سراً وغدا اليوم أمراً معلناً مفضوحا.



تساءلت أين هو الطيب الذي سينتصر له الله سبحانه وتعالى كما قال في محكم تبيانه، وبحثت فلم أجد إلا قلةً من الأفراد مبعثرين هنا وهناك، يوجد منهم في كل صقع والأرض لاتخلو من الطيب وأهله ولله الحمد، ولكن أنطر إلى الكثرة الكاثرة أنظر إلى الجمهرة الكبرى، أنظر إلى القادة، فلا أجد إلا خبيثاً أو تابعاً لخبيث، لا أجد إلا خبيثاً أو ذيلاً لخبيث وأعود إلى بيان الله عز وجل فأجدني غريباً عنه بل أجد مجتمعاتنا اليوم غريبة عنه، )لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[.



عندما تكون حال هذه الأمة كما قد وصفت لكم ولتمنيت أن لو كنت مخطئا ًأو مبالغاً، عندما تكون الجمهرة الكبرى من المسلمين في بلاد الإسلام على اختلافها ذيولاً تبعاً لهذا العدو المتربص، عندما تشيح هذه الجماهير بوجهها عن الولاء لله، عن الإقبال على الله، عن الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، ثم تمد ولاءها إلى العدو الذي نعته الله عز وجل بالخبث، كيف يكون حال هذه الأمة؟! وأين هو الخبيث من الطيب حتى يميز الله عز وجل هذا عن ذاك أيها الإخوة؟!



لا أريد أن أفتح ملف الحديث التفصيلي الذي يبرهن على تبرم الأمة الإسلامية من إسلامها وعلى إعراضها عن دينها وعلى تعلقها بما يسمى الحداثة وعلى تعلقها بما يتباهى به العدو الذي يخطط لحربنا، لا أريد أن أفيض الحديث في الأدلة التفصيلية التي يقرأها كلٌ منكم ولا يحتاج أي منكم إلى تذكرة لها أو بيانٍ للبرهان أو البراهين عليها، لذا أعود فأقول ماذا عسى أن تصنع القلة التي لا تزال على العهد والتي لا تزال تعتز بولائها لمولاها وخالقها سبحانه وتعالى، إذا كانت هذه القلة قد غدت غريبة في أرضها الإسلامية، إذا  كانت غريبة بين مجتمعاتها الإسلامية، إذا كانت غدت كالتبر النادر بين التراب الأغبر ماذا عسى أن تصنع القلة وقد علمتم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال لزينب رضي الله عنها أم المؤمنين )أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث[  ها هو ذا الخبث قد كثر، وكما قد قلت لكم: لست بمعرض الدليل على هذا الذي أقول فكلكم يعلم الدليل، الإسلام في المجتمعات الإسلامية غدا في حقيقته غريباً والارتباط بالإسلام غدا شارة يرددها لسان أو تعلق على صدر، أو مظهراً من المظاهر التي تنطق بانتساب، تدل على انتماء تاريخي، هذا هو واقع المسلمين اليوم أيها الإخوة.



وأنظر إلى العدو الكافر الذي توعده الله عز وجل بما قد قلت، أنظر إليهم وإذا بهم ينقادون لهذا الكيد الذي يخططون له بدافعٍ ديني، بدافع من باطل دينهم، بتنبؤات دينية لا أقول يحلمون بها بل يستيقنون بها، وأنظر إلى المسلمين الذين يعتزون بالحق والذين توج الله عز وجل حياتهم بدينٍ ينهض على دعائم العلم، ليست فيه شائبة خرافة، ليست فيه شائبة دجل، أنظر إليهم وإذا هم معرضون عن هذا الدين إن تحركوا فيتحركون بعيداً عن وحي هذا الدين، بعيداً عن ما يمليه عليهم هذا الدين حتى لو أحبوا أن يرتبطوا به فإنهم يخجلون أن يعلنوا عن تحركهم باسمه وعن توجهاتهم بوحيٍ منه وهذا شيء تعرفونه جيداً، في أمريكا في كل يوم ترتبط هذه الخطة التي تطبخ ولعلها نضجت اليوم، ترتبط برؤى دينية، بأحلام وتنبؤات دينية التقى فيها اليهودي مع المسيحي، إذ تهود المسيحي واختلط الحابل بالنابل بينهما فهذه الخطة التي يتربص بها عدو الله بنا إنما تتحقق فوق نارٍ من الرؤى الدينية، وتسير قدماً بدافعٍ من معتقداتٍ خرافية دينية ونحن المسلمين الذين نعلم أن ديننا ينهض على الحقائق مبرأة عن الباطل وشوائبه بعيدون عن ديننا، إن تكلمنا نحاول أن نصفي كلامنا عن الوحي الديني وإن قررنا نحاول أن نصفي قراراتنا عن مايمكن أن يشمه العدو من ارتباطات بالدين ألا ترون إلى مصداق ما أقول؟ كيف يمكن أيها الإخوة أن نعود فنستبشر بهذا البيان الإلهي الذي يقول: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ[، لابد في الساحة من غالب ومغلوب، أين هو الغالب الطيب؟ مفقود ومن ثم ففيما ينتصر الله سبحانه وتعالى للوهم من العدو؟ أين هو الطيب؟ إنه وهم غير موجود. هذه الحقيقة أيها الإخوة وددت لو أن المسلمين قادةً وشعوباً تمثلوها استيقظت عقولهم لها.



أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظ أمتنا الإسلامية إلى الاصطلاح مع الله من جديد وأن يجعل من هذه الأزمة التي تدنو إلينا ثم تدنوا إلينا لتأخذ منا بالخناق أسأل الله عز وجل أن يجعل منها عصى تأديبٍ نجد ثمراته رجوعاً إلى الله وصدقاً مع الله وإقبالاً إلى الله سبحانه وتعالى.



أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.    



 



تحميل



تشغيل

صوتي