مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 01/11/2002

العبودية المفقودة

العبودية المفقودة



لـ الإمام الشهيد البوطي



تاريخ الخطبة: 1/11/2002



 



الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.



أمّا بعدُ فيا عباد الله ..



إن مبنى هذا الدين الذي شرفنا الله عز وجل به إنما هو على حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى، وإنما تتمثل روح العبودية لله عز وجل في التذلل بين يديه والانكسار الدائم على أعتابه. إذاً فمحور هذا الدين هو أن يلازم الإنسان هويته عبداً لله سبحانه وتعالى وروح العبودية لله إنما تتمثل في دوام التذلل لله سبحانه وتعالى وفي دوام الانكسار على أعتابه. انظروا إلى صفات المؤمنين في كتاب الله عز وجل وتأملوا فيما يحدثنا الله سبحانه وتعالى عنهم تجدون أن جل ما يصفهم الله عز وجل به وأهم ما ينعتهم الله عز وجل به إنما هو هذا التذلل، هذا الانكسار الدائم على أعتاب الله سبحانه وتعالى وبين يديه. تأملوا في قوله سبحانه وتعالى وهو يحدثنا عنهم: )وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا[.



وانظروا إلى قوله سبحانه وتعالى وهو يحدثنا عنهم في مكان آخر: )كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[.



وانظروا إلى قوله سبحانه وتعالى عن هذه الصفوة من عباده أيضاً )وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا[ أي من صالح الأعمال )وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[.



بل انظروا إلى قوله سبحانه وتعالى وهو يتحدث عن رسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن صحبه يوم بدر )إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ[.



والحديث عن هذا الذي يصف الله عز وجل به عباده المؤمنين حديث طويل، قصارى ما أريد أن أقوله أن الله سبحانه وتعالى يريد من عبده المؤمن أن يتحقق من وصف العبودية، ولن يتحقق بوصف العبودية إلا من خلال انكساره الدائم وتذلله المستمر بين يدي ربه ومولاه سبحانه وتعالى. انظروا وقفوا بين قوله: )إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا[ من هم؟ هم هؤلاء الذين صدقوا مع الله في إيمانهم به وكانوا أوفياء في عبوديتهم لله سبحانه وتعالى.



والأصل في الإنسان المؤمن الصادق في إيمانه الوفي مع الله سبحانه وتعالى بل الوفي مع عبوديته لله عز وجل أن يكون أكثر تذللاً لله وأكثر خشوعاً وتضرعاً له في حالة السراء منه في حالة الشدة، هذا هو شأن المؤمن الصادق مع الله عز وجل، كلما ازداد نعم الله عز وجل وروداً إليه ازداد انكساره وازداد خشية وتضرعاً لماذا؟ لأن كلاً منا يعلم أنه مقصر في جنب الله عز وجل، تلك سمة شائها الله عز وجل لعباده وقد أعلن عنها على مسامعنا فقد قال: )وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا[، وأكدها المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد قال: "كل بني آدم خطاء".



فالإنسان المؤمن الصادق في إيمانه لا ينسى تقصيره في جنب الله، لا ينسى إساءته أمام حقوق الله سبحانه وتعالى، فإذا وجد نعم الله عز وجل على الرغم من ذلك تترى عليه وإذا وجد حماية الله سبحانه وتعالى، وإذا وجد العناية الإلهية تلاحقه على الرغم من تقصيره وانحرافاته خجل خجلاً شديداً من حاله مع الله، ومن إكرام الله سبحانه وتعالى له على الرغم من ذلك، فدفعه ذلك الخجل إلى مزيد من التذلل، إلى مزيد من الضراعة وإلى مزيد من الانكسار وعندما يكون المؤمن على هذه الشاكلة منكسراً متذللاً، متخشعاً، متضرعاً لله عز وجل في حالة الرخاء وفي حالات إقبال النعم فإن الله عز وجل من عادته أن يزيده إكراماً وأن يزيده من نعمه وأن يزيده من عطاءه وذلك هو مصداق قوله: )لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[. وإنما يكون الشكر بالتذلل والانكسار والإعلان عن العجز والضعف والتقصير في جنب كرم الله سبحانه وتعالى في عطاءه.



وإذا تأملتم في حالة الصفوة من عباد الله سبحانه وتعالى أولئك الربانين الذي صدقوا مع الله سبحانه وتعالى وجدتموهم أكثر تضرعاً وأكثر تذللاً في محراب العبودية في حالات الرخاء منهم في حالات الشدة أو الأمر سواء بسواء، ألا تذكرون يوم أقبلت النعم يوماً تترا إلى المسلمين في عهد الخلافة الراشدة يوم سيقت الغنائم غنائم كسرى إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نعم جاءتهم من كل حدب وصوب، كيف كان حاله؟ ما رُؤي عمر في يوم من الأيام أكثر تضرعاً وأكثر بكاء منه في ذلك اليوم. وقف يبكي وهو يرى هذه الأكداس من الكنوز التي تراكمت أمامه يقول: "اللهم إنك تعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان خيراً مني فلم تعطه هذا وإنك تعلم أن أبا بكر كان خيراً مني فلم تعطه شيئاً من هذا فأعوذك اللهم أن يكون هذا الذي أعطيتني إياه فتنة في ديني ودنياي".



وهكذا يكون المؤمن الصادق مع ربه، الوفي مع إيمانه إذا رأى نعم الله تترى عليه ساقته مشاعر إيمانه في ظل هذه النعم إلى محراب التبتل، إلى محراب التذلل، إلى محراب الضراعة بين يدي الله سبحانه وتعالى. فأما إذا كان هذا الإنسان المؤمن من النوع الذي تسكره النعمة والذي تحجبه المتع التي يمتعه الله عز وجل بها عن المنعم، عن الرب المتفضل، إذا كان هذا الإنسان ممن يسكر بالرخاء الذي يكرمه الله عز وجل به فإن من عادة رب العالمين إذا أراد خيراً بعبده هذا أن يحجب عنه الرخاء وأن يبتليه بأنواع الشدائد، لعله يصحو من سكرته، لعل الحجب التي نسجتها النعم تتمزق بسبب هذه الابتلاءات فيعود إلى مولاه وخالقه، تلك سنة من سنن رب العالمين يقبل الله بها على من أحب من عباده، وانظروا إلى هذه السنة كيف يعبر عنها بيان الباري بعبارة صارمة واضحة  )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[.



نحن أيها الإخوة نمر في هذه المرحلة، تواردت إلينا نعم الله تترى، وتكاثر الرخاء ألوانا وأكرمنا الله سبحانه وتعالى بكنوز من الخيرات، في ظاهر الأرض التي متعنا بها وفي باطنها فماذا كان موقفنا؟ أنستنا النعم مولانا وربنا المنعم، أنسانا الرخاء إلهنا المتفضل وتورطنا بألوان من الملهيات والمنسيات، وتشعبت بنا أودية التيه أشكالاً وألوانا وظهر بنا المتبرمون بدين الله عز وجل والذين ينشدون ما يسمى بالحداثة أو العلمانية أو أو إلى آخر تلك الكلمات التي لا أريد أن أفوه بها ... وسال اللعاب على تقليد أولئك الذين يعلنون جهاراً نهاراً عداوتهم لدين الله عز وجل، لماذا؟ لأن الله عز وجل جعل نعمه تتراقص من حولنا ولأن الله عز وجل مدنا بالرخاء، فكان لابد أن تتحقق فينا سنة الله عز وجل، حجب عنا هذا الرخاء وأرجو أن يكون ذلك إلى حين وأظهر الله لنا في مكان الرخاء ألوانا من الشدة، سلط علينا أعدائنا، يهددوننا وينذروننا وأذن لهم أن تتسرب منهم الأيدي والقوى إلى مكامن الثروة في بلادنا، ونظرنا فوجدنا أن رخاء الأمس قد تحول إلى ابتلاءٍ اليوم، وجدنا أن رخاء الأمس قد تحول إلى شدة بل إلى شدائد اليوم، هذه هي سنة الله سبحانه وتعالى. وكأن البيان الإلهي يذكرنا بقوله )فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا[ هلا تضرع هؤلاء المسلمون عندما جاءتهم سياط الشدة؟ لماذا لا يستيقظوا؟ لماذا لا يعودون إلى حظيرة الدين المتمثلة في صدق العبودية لله؟



وروح العبودية كما قلت لكم إنما هي التذلل والضراعة والانكسار على أعتاب الله سبحانه وتعالى، هذه الابتلاءات التي يبتلينا الله عز وجل بها من قريبٍ وبعيد، هذه المصائب التي تسمعون عنها والتي تنحط في ازديادٍ في بلادٍ قريبة لنا لإخوان وإخوة وجيران لكم، هذا الكرب وهذا الطغيان البعيد الذي يعلن بشراسة عن عداوته لكل مسلم بل للإسلام بل لأول مقوم من مقومات الإسلام ألا وهو كتاب الله عز وجل إنما هو ابتلاء لنا .. سكرنا بنعم الله، حجبنا أنفسنا بالنعم عن المنعم.



وإني لأقول رب ضارة نافعة لعل هذه السياط توقظنا، لعل هذه الابتلاءات تنبهنا وأنا أقسم لكم وأنا الضامن والمتكفل فيما أقول أننا إذا استيقظنا كما استيقظ أناس من قبلنا أمام مثل هذا الابتلاء وعدنا بصدق إلى مولانا وخالقنا فإن الله سبحانه وتعالى يذيب هذه الابتلاءات كلها ومن ثم يصغر الطغاة ثم يصغرون ثم إن أمرهم ينتهي إلى أسوء ما ينتهي إليه شرٌ وفساد. ولكن أين هم الذين يدركون هذه السنة الربانية؟ أين هم الذين يتدبرون كلام الله سبحانه وتعالى.



وأنا عندما أقول هذا الكلام لا أقف في حديثي أمام الشعوب التي قد أرى كثيراً منها في كثير من البلاد الإسلامية تعود إلى مولاها وخالقها بشكل أو بآخر، لكنني أتوجه بهذا الكلام إلى قادة المسلمين، إلى الفئة التي تمثل الكم الكبير والكيفية الهامة من القادة، من الجيوش، من المسؤولين في البلاد الإسلامية، أين الذين استيقظوا على سياط هذه الابتلاءات فرجعوا إلى ربهم يقول القائل منهم: لبيك اللهم لبيك؟ أين هم الذين استيقظوا على سياط هذه الابتلاءات ويقولون مقبلين إلى الله، يقول قائلهم وعجلت إليك ربي لترضى؟ أتخيل هذا الأمر وأنظر إلى الواقع وأجد أن بين الأمرين ما يشبه التناقض بين الأمرين النقيضين، أفيمكن أن يأتي يومٌ أجد فيه قادة الدول العربية والإسلامية على اختلاف رتبهم قد تجلببوا بجلباب العبودية لله، ارتدوا ذل المسكنة على باب الله، وقفوا في انكسار يتوبون إلى الله ويجأرون إليه بالاستغفار؟ أفي الممكن هذا الذي أتخيله؟



أعود إلى الواقع فيخيل لي أنني أمام أمرين متناقضين، وأرجوا أن أكون مخطئاً في هذا الذي أتصوره، إن لم يعد المسلمون قادةً وجنوداً ومسؤولين ثم شعوباً إلى الله سبحانه وتعالى فلسوف يضيق عليهم الخناق ثم يضيق، مادام أن الله ينظر إليهم نظر رحمة والراحم يقسو في بعض الأحيان ورحم الله من قال: فقسى ليزدجرُ ومن يكن راحما فليقس أحياناً على من يرحمُ. ولكني أتجه إلى الله عز وجل وأسأله بلطفه وكرمه أن يوقظ عباده المؤمنين إلى هوياتهم، أن يعيدهم إلى حظيرة عبوديتهم لله سبحانه وتعالى، حكاماً، قادةً، جيوشاً، جنوداً ثم شعوباً. أسأل الله سبحانه وتعالى ذلك.



أيها الإخوة ليس على وجه الأرض طاغٍ أمام وجه الله وقدرته من هو هذا؟ من هو ذا الذي ينفخ أوداجه ويصور من نفسه طاغية وأن يضع الكون تحت إبطه؟ لا، ولكن الله عز وجل يرينا من هؤلاء الصغار هذا المظهر تأديباً لنا تربية لنا، لعلنا نعود، لعلنا نأوب لعلنا نتوب إلى الله سبحانه وتعالى.



أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم .   



تحميل



تشغيل

صوتي