مميز
EN عربي
الخطيب: A MARTYR SCHOLAR: IMAM MUHAMMAD SAEED RAMADAN AL-BOUTI
التاريخ: 09/06/2000

لهذا ينبغي أن نشعر بالخجل

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلٍّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله سبحانه وتعالى.

أمّا بعدُ فيا عباد الله..

ها هو ذا شهر ربيعٍ الأول قد أطل وأقبل على العالم الإسلامي، وها هم أولاء المسلمون شعوباً وحكومات يتهيأون لاستقبال ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يستقبلونها في كل عام بالحفلات وبالخطابات وبالقصائد وبالكلامات الضخمة الرنانة يستخدمون في ذلك وسائل الإعلام على اختلافها. وإني لأتساءل أيها الإخوة ما موقع هذا كله وهذه هي حالنا الذي تعرفون؟ ما موقع ذلك كله من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل يزيدنا هذا قرباً إليه؟ أم هل يزيدنا هذا قرباً إلى الله سبحانه وتعالى؟

أنا عندما أتأمل في واقعنا السلوكي وأقارن هذا الواقع السلوكي بهذه التجملات اللسانية التي تتكرر تكرراً موسمياً في كل عام في مثل هذا الشهر، أشعر بأن هذا الشأن الذي يقبل إليه المسلمون يزيدهم بعداً عن الله، ومن المفترض أن يزيدهم خجلاً من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

تركنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد وضع بين أيدينا قائمة من الوصايا والأوامر والنواهي، وأكد لنا أننا إن اتبعنا هذه الوصايا إئتمرنا بما طلب وانتهينا عما حذر، أكد لنا أن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عن هذه الأمة لا في شيءٍ من مصالحها الدنيوية ولا في شيء مما وعدها به لسعادتها الأخروية، فلما رحل المصطفى صلى الله عليه وسلم وخلف من بعد ذلك الرعيل الأول ثم الثاني ثم الثالث فالرابع، خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، خلف من بعدهم هذا الخلف الذي يملأ هذا اليوم رحاب الأرض شطبوا على كل ما قد أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرضوا عن كل ما قد أمر به، واستهانوا بكل ما قد نهى عنه.

قال لنا عليه الصلاة والسلام: ﴿ألا ليذادنّ رجالٌ عن حوضي كما يذاد البعير الضال﴾، أي ليطردن رجال عن حوضي ﴿فأقول ألا هلم ألا هلم فيُقال إنك لا تدري كم بدلوا من بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً فسحقا﴾. وها نحن نتباهى اليوم بالتبديل، نتباهى بالتغيير والتطوير، وكلنا نصغي إلى هذا الذي يحذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾، فعمدنا إلى هذه الوصية ونكسناها، استأثرنا بدلاً من أن نؤثر، هرعنا إلى مصالحنا الدنيوية وجعلنا أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه ضحيةً لهذه المصالح التي استأثرنا أنفسنا بها، عكسنا ما وصانا به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

مر عليه الصلاة والسلام كما يروي مسلم في صحيحه ومعه ثلةٌ من أصحابه بجدي ميت، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنه وقال: ﴿من يشتري مني هذا بدرهم﴾، فقالوا له يا رسول الله: ما نحب أنه لنا بشيء وماذا نصنع به؟ قال: ﴿للدنيا أهون على الله من هذا عليكم﴾. ومع ذلك فقد وضعنا هذه الدنيا في مكان الحب الأول في أفئدتنا، وهرعنا وأخذنا نتسابق إلى هذه الدنيا العفنة التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الذي قال، جعلنا من دنيانا التي نحلم بها والتي نحلم بالمزيد ثم المزيد ثم المزيد منها، جعلنا منها ديننا الذي نقف حياتنا كلها من أجله، وأعرضنا إعراض المستهين بهذا الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿لو كان لابن آدم وادٍ من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملؤ جوف ابن آدم إلا التراب﴾ أي لن يبين له حقيقة الدنيا وتفاهتها إلا الموت عندما يحيق به. أسلوب رائعٌ بليغ يحاول المصطفى صلى الله عليه وسلم به أن ينتشل حب الدنيا من قلوبنا، ولكنا أقبلنا إلى هذا الذي حذرنا رسول الله من حبه وأعرضنا عما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبه. ألا ترون كيف نلهث وراء الدنيا وكيف نقتحم السبل إليها بحلالها وحرامها وبكل أنواعها.

قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين" وفي رواية صحيحة "ونفسه التي بين جنبيه﴾، أقبلنا بعد أن سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فجعلنا أفئدتنا أوعيةً لمحبة كل شيء إلا محبة رسول الله، جعلنا أفئدتنا أوعية لمحبة سائر ما تتصورون من الشهوات من الأهواء من الزعامات من الرئاسة من الدنيا بكل معانيها إلا أن تكون هذه الأفئدة أوعيةً لحب رسول الله ولحب الله سبحانه وتعالى.

ثم جئنا نتسابق في مثل هذه المناسبة الموسمية - كما قلت - إلى الخطابات إلى المديح الذي ندبجه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى القصائد الرنانة التي سمعتم الكثير منها وربما ستسمعون المزيد. نعم .. هذا الواقع المخزي الذي تلبسنا به من الفرق إلى القدم إلى جانب هذه الدعاوي الكلامية، ما موقف رسول الله منها؟

أيها الإخوة كنت الساعة أتأمل: هل من الأولى أن نتحدى الحقائق وأن نتجاهل الذوق، وأن نتجاهل الخلق، فنقتحم بهذه الاحتفالات دعاوينا هذه متجاهلين موقف رسول الله منا؟ هل هذا هو الأولى؟ أم الأولى بنا أن نصمت صمت الإنسان الخجول على أقل تقدير؟ أم الأولى بنا أن نصمت صمت الإنسان الذي علم أنه تلبس بالجرم ثم تلبس به ثانية ثم تلبس به ثالثة ولم يستطع أن يمتلك شخصية قوية يتحرر بها من جريمته تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أحرى به إذاً أن يحتجب عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن يحجب عنه خزيه، أولى به أن يلتجئ إلى الصمت، أولى به أن يزري ويذرف الدموع بسبب هذا الوضع الذي أقحم نفسه فيه. كيف أقبل بعد هذا كله إقبال الإنسان الوقح الجريء ليمدح المصطفى صلى الله عليه وسلم؟! ألا أتخيل أن المصطفى سيقول لي أين هذا المديح الذي تكيله لي جزافاً من الوصايا التي أوصيتك بها؟ قلت لك: لقد تركتكم على بيضاء نقية ظاهرها كباطنها لا يزيغ عنها إلا هالك، لماذا زغتم عنها؟ لماذا ابتعدتم عنها؟ لماذا سال لعابكم على ما لدى الآخرين لماذا؟ لقد أريتكم من نفسي نموذج الصبر نموذج الضنى، نموذج الصبر على البأساء جوعاً، غربة عن الوطن، فقراً - ورسول الله أجل من أن يتصف بالفقر الجبري - أذىً ... ضربت لكم بذلك كله مثلاً في شخصي. فأين الذين اقتدوا بي في شيء من ذلك؟ أين؟ قلت: ﴿لو علم المسلمون ما في العتمة والصبح -أي إلى المساجد- لأتوهما ولو حبواً﴾ - وهذا مما اتفق عليه الشيخان - فإذا أنتم معرضون عن وصاياي، إذا أقبل المساء انتجعتم نزهاتكم ومقاصفكم وأماكن سهراتكم وبقيت المساجد التي تدعوكم إلى تنفيذ وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فارغةً إلا من ثلة وحفنات من الناس الملتزمين المؤمنين. أما إذا حان وقت الفجر وتفتحت المساجد تستقبل الذين يهرعون لتنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت وإذا بهذه المساجد تبكي بكاء الثكلى فارغة إلا من قلة، إلا من قلة من الشباب الذين آثروا على أن يسيروا على شهوات الدنيا بأقدامهم وأن يتأملوا الخير من مولاهم وخالقهم وبقية من الفئات الأخرى. أما علية القوم أما السواد الأعظم فبعيدون بعيدون عن وصية رسول الله.

وكم وكم فكرت أيها الإخوة بهذه الكلمة ﴿لأتوهما ولو حبواً﴾ وعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كانت الطرقات إلى المساجد غير معبدة، وكان الوحل هو الذي يملؤها، ومع ذلك كان الناس كلهم يتسابقون إلى المساجد تنفيذاً لوصية رسول الله. أما اليوم فالطرق معبدة، والأنوار مضيئة، والسبل ميسرة، والمساجد كثيرة .. ولكن الكسل هو الذي ران علينا، ومحور هذا كله أن أفئدتنا فرغت من حب رسول الله.

أنا أشعر بالخجل أيها الإخوة عندما أدعى لأتكلم في مثل هذه المناسبة باسم هذه الأمة، أشعر بالخجل الكبير من رسول الله كيف أثني عليه وأنا أنظر إلى فؤادي وأفئدة الآخرين كيف أصبحت أوعيةً للدنيا؟ كيف أهز الرأس طرباً لرسول الله وأنا أعلم أنني كاذب فيما أقول؟ أنا أشعر أن الصمت أولى بي، أنا أرى أن الصمت أبلغ في مثل هذه الحال وفي مثل هذه المناسبة.

عندما أقارن بين واقع ذلك الرعيل الأول أصحاب رسول الله ثم من جاء بعدهم ثم من جاء بعدهم ثم من سار على نهجهم، عندما أقارن حالهم بنا نحن أشعر بأن الموت خير لنا، وبأن علينا أن نلطم وجوهنا خزياً وعاراً. عمر بن الخطاب عندما يخرج إلى بلاد الشام ليلقى أباطرتها وزعماءها يصر على أن يذهب بثوبه المرقع الذي لم يكن يفضل عليه أي ثوب آخر، وعندما عاتبه أبو عبيدة عتاباً رقيقاً إذ أن زعماء وأباطرة الشام سيستقبلونه، تألم عمر لعتاب أبي عبيدة وقال: آوه يا أبا عبيدة لو غيرك قالها، نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام فهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. هذا هو منطق الوفاء، هذا هو منطق الوفاء مع الله.

هل فكرتم في هذا الكلام؟ هل فكرتم في تحليل هذا الكلام العجيب الذي يدل على أعلى درجات الوفاء وقد كان أولى بنا هذا؟ التاج الذي توج الله به ذلك الرعيل من عرب الجزيرة العربية لم ينسجه مالٌ اكتسبوه، لم تنسجه لهم حضارةٌ متميزة ابتدعوها، لم تنسجه لهم قوةٌ تغلبوا بها .. كل هذا لم يكن موجوداً، ما الذي نسج لهم ذلك التاج؟

الله ... عندما التزموا بأوامره، عندما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أرأيتم لو أن هؤلاء وقد استغنوا بالإسلام بعد فقر، وقووا بعد ضعف بالإسلام، وتغلبوا بعد مهانة، واتحدوا بعد تفرق، وكل ذلك بالإسلام، أرأيت لو أنهم سكروا بهذه المزايا فركلوا الإسلام الذي أعطاهم كل هذا .. وسكروا بمظاهر هذه القوة وهذا الغنى وهذه الحضارة كلها، كيف يكون حالهم آنذاك؟ يكونون قد ضربوا المثل الأدنى للؤم وللخيانة مع الله سبحانه وتعالى، أكذلك أم لا؟ خلف من بعدهم خلف، نحن رأينا العز الذي أكرمنا الله عز وجل به، رأينا أن العالم كله يتحدث عن تاريخ الحضارة العربية كما يقولون، ورأينا أن الغرب ينظر إلى انتصار الجزيرة العربية على الحضارات المتألقة آنذاك كلها، ينظر على أنه لغزٌ استعصى على الحل إلى هذا الوقت، عرفنا هذا كله، وعرفنا أن الذي نسج هذا العز لهذه الحفنة وأن الذي نصرها وجعلها تتكاثر ثم تتكاثر ثم تهيمن على معظم العالم من شرقه إلى غربه من شماله إلى جنوبه هو الإسلام، عرفنا هذا، ثم ماذا صنعنا؟ لما وجدنا هذا التاريخ الأغر، ولما وجدنا هذا التاج الذي يتألق على رأس هذه الأمة تذكرنا التاج وسكرنا به ونسينا اليد التي وضعت فوق رؤوسنا هذا التاج.

انظروا إلى هذه الأمة اليوم كم تتباهى بأمجاد تاريخها؟ ولكنها بمقدار ما تتباهى بأمجاد تاربخها تتناسى - بقصد - السبب الذي توجها بهذا التاج. فانظروا إلى الفرق ما بين الوفاء الذي يتمثل في كلمة نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام فمهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله وإلى اللؤم الذي آل إليه حالنا عندما سكرنا بهذا الذي أسداه إلينا الإسلام، ثم ركلنا بأقدامنا الإسلام ذاته .. أجل ركلنا، وأنا أتحدث عن الكثرة الكاثرة، وأنا أتحدث عن الواقع العام الذي تشاهدونه في عالمنا العربي والإسلامي.

ولكني أعلم أن هنالك قلة ستظل خميرة الدين والإيمان لتقوم الساعة، ﴿لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" طائفة "لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون﴾ انظر تجد كثيراً منهم هناك أمام مثوى رسول الله، انظر إلى الباكين، انظر إلى الذين يذوبون خجلاً من رسول الله هناك، انظر إلى الصالحين من عباد الله، انظر إلى الذين يقفون صامتين صمت الحياء صمت الأسى صمت الكرب الخانق أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أنا لا أدري أيها الإخوة هل سيهلكنا الله عز وجل بهذا اللؤم الذي آل إليه حالنا، بسبب تجاهلنا لليد التي توجتنا بهذا الإسلام فأصبحنا نتساهل فيه كل التساهل.

إذا رأينا من يتناوله بالكلمات القذرة قلنا هي حرية رأي.

وإذا رأينا من يحاول أن يتلاعب بالقرآن كما يتلاعب لاعبوا كرة القدم بالكرة فيما بينهم. قالوا: هي قراءة جديدة.

وإذا رأينا من يدعو لتطوير الإسلام وتغييره. قالوا: كل شيء يحتاج إلى تطوير وتبديل.

ترى هل سيهلكنا الله بهذا الذي ينتشر فيما بيننا ثم لا نجد يداً تضرب على هؤلاء الذين يعبثون هذا العبث؟ أم أن الله سيرحمنا بالقلة الموجودة في كل بلدة؟ والتي لا تزال على العهد؟ أنا أرجو أن يكون الأمل هو المتغلب. وأسأل الله سبحانه وتعالى الصفح عن زلاتنا، وأسأله عز وجل أن يهدينا وأن يجعل دعاوينا في مثل هذه المناسبات الموسمية التي تمر بنا مطابقة لأقوالنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

تحميل



تشغيل

صوتي