مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 03/01/2003

قصة الطغيان الأمريكي

قصة الطغيان الأمريكي


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 03/01/2003


 


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


إن من سنن الله في مخلوقاته أنه إذا أراد أن يُهلك جماعة من النمل أنبت في جوانبها الأجنحة فازدهت بها ولم يعد يعجبها البقاء في أوكارها، وضاقت بها جنبات الأرض فاتجهت مزهوة إلى السماء وانطلقت إلى طبقات الجو، وأخذت تخرج عن حدودها وتنسى ضعفها، وما هي إلا ساعات حتى تصبح طعاماً للطيور والعصافير والحشرات، وإذا هي بعد ذلك أثرٌ بعد عين.


تلك هي قصة الطغيان الأمريكي في هذه السنوات بل في هذه الأيام، أمةٌ من الناس متعها الله سبحانه وتعالى بمزيدٍ من القوة وبمزيدٍ من الإمكانات كما يُمتع جماعات النمل بالأجنحة، ازدهت بهذه القوة وتسرب إلى رأسها الطغيان وتوهمت أنها القطب الأوحد الذي يستطيع أن يتحكم بناصية المكونات، واتجهت إلى حقوق الناس تطمع فيها جميعاً واتجهت إلى كل نوعٍ من الثروات التي وزعها الله سبحانه وتعالى بين عباده فسال لعاب طغيانها عليها واتجهت ذات اليمين وذات الشمال تريد أن تظفر أرزاق الكون كلها لحسابها، تريد أن تُبعد كل من يمكن أن يتوازن مع قوتها أو أن يكون نداً لها، ونظرت فوجدت أن دين الله الحق هو الخطر الذي يتهددها في طريقها إلى هذا الطغيان ذات اليمين وذات الشمال، فقررت أن تناصب الله العداء وقررت أن تقضي على دينه وعلى شرعته وعلى النظام الذي أقامه الله سبحانه وتعالى في الأسرة الإنسانية؛ حفظاً لحقوقها ولرعاية عدالة ما بين أفرادها. تلك هي قصة الطغيان الأمريكي لما رأت الأجنحة القوادم والخوافي التي ظهرت بين جنبيها.


 وأنا أيها الإخوة إنما أقصد الطغيان الأمريكي ولا أقصد الشعب الأمريكي الذي كم وكم فيه من الطيب بمقدار ما فيه من الجهالة وبمقدار ما فيه من التخلف الفكري، إنما أقصد الطغيان الأمريكي الذي انتعله الكيان الصهيوني. لقد بلغ الأمر إلى أن يستهزأ برسول الله جهاراً علناً عن طريق كلماتٍ تتردد، وعن طريق صور كاريكاتيريةٍ تُنشر، وفي الناس من تألموا ويتألمون لهذا وأنا أيضا أتألم ولكني أيضا أستبشر، ذلك لأننا رأينا أن الله سبحانه وتعالى عندما يقضي قضاؤه بإهلاك جماعة من الطغاة يُنبت بين جوانبها الأجنحة المزيفة.


ألم تقرأوا قول الله سبحانه: )وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[؟ ألم تقرأوا قول الله سبحانه: )وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ[؟ ألم تقرأوا قول الله سبحانه )فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ[؟


إن هذه الظاهرة ظاهرة الطغيان المستشري الذي يتجاوز بأصحابه حدودهم تحمل بطيها بشارة وأي بشارة. هذه حقيقة لاريب فيها، لأن سنن الله سبحانه وتعالى لا يلحقها خلف.


ولقد تأملت أيها الإخوة فوجدت هذه الظاهرة تنطبق انطباقاً دقيقاً على قول الله سبحانه وتعالى: )ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا[.


هذا الكلام لا ينطبق على فرد فقط هو الشخص الذي نزلت به هذه الآيات بسببه، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذه الآيات بيانٌ للأفراد والجماعات، بيانٌ لحال كل من يستبد به الطغيان يملي له الباري سبحانه وتعالى ويفتح أمامه الطريق معبداً، فيزداد طغيانا ويتوهم كما قلت لكم أنه القطب الأوحد في الكون يجنح ذات اليمين وذات الشمال، يخرج عن طوره، يشذ عن إنسانيته ويظن أن بوسعه أن يطوي الكون كله بكل ما فيه من خيرات وبكل ما فيه من حقوق للآخرين ثم يجعل ذلك كله داخل صندوقه، هكذا يُخيل إليه ولكن الله العلي القدير بالمرصاد.


أيها الإخوة عندما أقول هذا الكلام متأكداً مؤمناً بسنن الله عز وجل في كونه فلا أعني بهذا أن الجماعة المسلمة بحسب الظاهر في عالمنا اليوم هي التي ستنتصر، هلاك الطغاة لا يعني انتصار المسلمين الذي خالفوا العهد، هلاك الطغاة لا يعني انتصار المسلمين الذين تبرموا بإسلامهم والذين تحولوا من الصدق مع الله إلى ألسنةٍ تجامل الله، إلى ألسنة تكتفي من الالتزام بأوامره تكتفي من ذلك في كلماتٍ ترددها الألسن.


انظروا إلى المسلمين اليوم كيف يقدمون أعراضهم وأراضيهم وأوطانهم وأموالهم في خدمة هذا الطاغي، في خدمة من يريد أن يقضي على دين الله عز وجل، انظروا كيف يقدمون هذه المقدرات كلها لمن يسخرون بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام. هلاك الطغاة بطغيانهم سنة ماضية لا نرتاب في ذلك قط ولكن هذا لا يعني أن المسلمين التائهين عن دينهم، أن المسلمين الذين تبرموا بإسلامهم، هؤلاء الذين ينشدون الحداثة وينشدون ما يسمونه التشديد والتطوير، هؤلاء الذين لا أقول يفتون بما حرم الله بل ينسخون أحكام الله سبحانه وتعالى، هؤلاء لابد أن يُطبق عليهم قانون الله سبحانه وتعالى عليهم أيضاً، وقانون الله عز وجل في حقهم طويل ذو مراحل متعددة ولعلنا اليوم نسير منه في المرحلة التالية:


العصي التي تتهاوى على ظهور المسلمين عصي التأديب لعلها توقظهم، لعلها تنبههم، لعلها تعيدهم إلى الرشد، لعلها تدعوهم إلى أن يعودوا فيصطلحوا مع الله سبحانه وتعالى قادةً ثم شعوباً. نحن من سنن الله عز وجل نسير في هذا المنحنى، نسير في هذا المنعطف والمأمول أن تستيقظ أمتنا وأن تنهض نهضتها وأن تعود فتصطلح مع ربها سبحانه وتعالى وأن تعلم أن لا سبيل لها إلى عزة ولا إلى بقاء ولا إلى قوة ولا إلى غنى إلا عن طريق الصدق مع دين الله سبحانه وتعالى، وعلى كل الأحوال فالأمل منعقدٌ على الشعوب الإسلامية التي فيها الكثير والكثير من الخير، نعم إن القوة المادية التي يزدهي بها أولئك الذين أعلنوا الحرب على دين الله عز وجل لا نملك منها شيئاً ولكنا نملك ما هو أخطر من ذلك: إيماننا بالله، ثقتنا بالله، صدقنا مع الله، التجاؤنا إلى الله لا سيما في مواسم الخير وفي المواسم التي يتجلى الله سبحانه وتعالى فيها على عباده بالنصر والاستجابة والتوفيق، هذه القوة أهم وهذه القوة أخطر والعبرة بالنتائج وعما قريب ستتجلى النتائج.


أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.    


 


تحميل



تشغيل

صوتي
مشاهدة