مميز
الخطيب: العلّامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي
التاريخ: 21/02/2020

فإن مع العسر يسرا

فإن مع العسر يسرا


لـ الإمام الشهيد البوطي


تاريخ الخطبة: 26/09/2003


 


الحمد لله ثم الحمد لله الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئُ مَزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ولعظيم سلطانك, سبحانك اللّهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهدُ أنّ سيّدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيّه وخليله خيرُ نبيٍ أرسلَه، أرسله اللهُ إلى العالم كلِّه بشيراً ونذيراً، اللّهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد  صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.


أمّا بعدُ فيا عباد الله ..


كلنا نقرأ كلام الله سبحانه وتعالى في محكم تبيانه القائل: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[، وما أظن أن في المسلمين من لم يقرأ هذه الآية أو لم يسمع بها. إذن الوظيفة التي خُلق الإنسان لأدائها إنما هي عبادته لله سبحانه وتعالى، ومعنى العبادة التي خُلق الإنسان لأدائها، أن يعلم أنه مملوكٌ ملكاً تاماً وحقيقياً لله سبحانه وتعالى، ثم أن يخضع بموجب هذا العلم لسلطانه وأن يرضى بحكمه وقضائه وأن ينفذ الأوامر التي خاطبه بها.


هذا هو معنى العبادة التي خلقنا الله سبحانه وتعالى ووظفنا للقيام بها. وإذا أردنا أن نختصر معنى العبادة فلنعلم أنها تلتقي في مهمتين اثنتين: مهمة الصبر عند المكاره، والشكر أمام النعم والمنح التي يكرم الله عز وجل بها عباده. الصبر والشكر هما سدى ولحمة العبودية لله سبحانه وتعالى،


وعندما نقرأ كلام الله عز وجل وهو يُفصل لنا معنى قوله عز وجل: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ نجد بيان الله سبحانه يدور حول هذين المحورين ولا ثالث لهما، محور الصبر أمام المكاره: يقول عز وجل: )إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ[، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[. والمحور الثاني: هو الشكر عند النعم التي يغدقها الله سبحانه وتعالى علينا. نقرأ قوله سبحانه )لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[. والآيات التي يذكرنا الله سبحانه وتعالى فيها بنعمه الوافرة الكثيرة التي لا تحصى، كلها تذكرةٌ بهذه المهمة الثانية التي هي الشكر لله سبحانه وتعالى: )وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا[.


إنما ذكر الله لنا هذا من أجل أن نعلم حق الله علينا في أداء قيمة هذه النعم شكرا. مهما لاحظنا ومهما استعرضنا الأوامر التي جاءنا بها الإسلام كلها، إما أن تكون خادمةً للصبر الذي أمرنا به أو أن تكون خادمة للشكر الذي كلفنا الله سبحانه وتعالى به.


ولكن كيف يكون الإنسان صابراً وفي أي مناخٍ يمكن أن يتحقق صبره وكيف يكون شاكراً وما المناخ الذي ينبغي أن يعيش فيه حتى يتأتى له الشكر؟ أما الصبر فلا بد أن يكون مناخه ابتلاءات ومصائب ومكاره وغصصاً مختلفة، إذا لم يبتلى الإنسان بأنواع شتى من هذه المكاره فكيف يتحقق له الصبر؟ الإنسان الذي عاش مرفهاً يتقلب في أنواع النعيم في غدوه ورواحه في أيامه ولياليه. ما معنى أمرنا أو أمر الله له بالصبر؟ لن يتأتى له الصبر، لأن الصبر إنما هو الوقوف في وجه المكاره بالتحمل والرضا في سبيل أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنه، فإذا لم توجد المكاره فلن يتحقق معنى الصبر أبداً.


 كذلكم الشكر مناخه النعم والمكارم والأعطيات ولو لم تكن هنالك نعمٌ يغدقها الله على الإنسان فلن يتأتى للعبد أن يشكر الله أبداً، ولذلك كانت هذه الدنيا التي أقامنا الله عز وجل فيها مزيجاً من النعم التي تستلزم الشكر، ومن المصائب والرزايا التي تستدعي الصبر، فإن أدى الإنسان حق هاتين الحالتين شاكراً أمام النعم، صابراً أمام الابتلاءات فقد عبد الله عز وجل حق عبادته، وإذا رحل إلى الله سبحانه وتعالى رحل إليه مغفوراً مُنعّماً مُكرّماً.


ولقد جعل الله عز وجل أيها الإخوة من حبيبه المصطفى قدوة لنا )لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ فمهما غابت الحقائق عن أذهاننا ومهما اختلطت الأمور بعضها ببعض نظرياً، فلنرجع إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجد تفسير هذا الأمر في حياته، ونجد أن الغمة قد زالت وأن الإشكال قد انقشع من خلال حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ماذا كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها؟ كانت صبراً عند الشدائد، وشكراً عند النعم والمنح التي أكرمه الله عز وجل بها. مهما قلبت صفحات السيرة النبوية، لن تجد نفسك إلا أمام حالتين من الأحوال التي كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتقلب فيها، إما أن تجده أمام ابتلاءاتٍ قد وقف فيها موقف الصابر الثابت الرابط الجأش استرضاءً لله سبحانه وتعالى، وإما أن تجده أمام نعم، فهو أمام هذه النعم يضرب أعلى أمثلة الشكر لله سبحانه وتعالى.


وبوسعكم أن تجدوا الصورتين في العام العاشر من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم من أول هذا العام إلى آخره. بوسعكم أن تجدوا صورة المكاره التي طافت به وكيف صبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أمامها؟ ثم أن تجدوا صور النعم أو النعمة العظمى التي أسداها الله عز وجل إليه وموقفه الشاكر من هذه النعمة. في العام العاشر من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، مُني عليه الصلاة والسلام وهو أحب الخلائق إلى الله، مُني بسلسلة من المحن والابتلاءات: توفي عمه أبو طالب وقد كان هو الذي يحميه من أذى المشركين وبأسهم، فلم يعد يجد الحصن الذي كان يقيه، وما هي إلا أشهر يسيرة مرت حتى توفيت زوجه خديجة أم المؤمنين التي كانت وزير صدق له والتي كانت تضحي بكل ما تملك في سبيل دعوته، والمحنة الثالثة وهي أشدها أنه لم يعد يستطيع أن يحرك لسانه بأي كلمة يدعو المشركين فيها إلى الله سبحانه وتعالى، لم يعد يستطيع أن يؤدي رسالة ربه، أحدق به العدوان من كل طرف، والمحنة الرابعة أنه هاجر إلى الطائف أملاً في أن يلقى هناك من الاستجابة ما لم يلقه في مكة فخابت منه الآمال وطُرد كما تعلمون، نقولها لأنها حقيقة طُرد من الطائف وأسيء إليه إساءة بالغة.


تلك هي سلسلة المصائب التي اجتاحت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحب عباد الله إلى الله، لكن ما الموقف الذي اتخذه رسول الله؟


لم يضجر ولم يثر ولم يتأفف ولم يتمرد لأنه عبد مملوك لله ولأن وظيفته ممارسة العبودية لله سبحانه وتعالى، انقاد لأمر الله طائعاً راضياً وكلكم سمع دعاءه وشكواه يوم رجع من الطائف يوم قال لربه: )اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس[ إلى أن قال: )إن لم يكن بك علي غضبٌ فلا أبالي[ لا أبالي.


تلك هي صورة المحنة التي ابتلى الله بها أحب عباده إليه، ولا تنسوا أن رسول الله قدوة لنا والمطلوب أن نعلم كيف نسير إلى الله وعلى أي طريقٍ نخطو الخطى التي ترضي الله سبحانه وتعالى. كأن الله يقول لنا: لابد أنتم الآخرون أن تمروا بسلسلة مصائب، فاتخذوا منها الموقف الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن ما الذي جاء بعد ذلك؟


هنا نجد أنفسنا أمام قانونٍ من قوانين الله وسنة من سننه: )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[ هذه قاعدة، سنة من سنن رب العالمين، وانظروا كيف يؤكد قراره دون فاصل )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[ ولم يقل إن بعد العسر يسرا، لكي نعلم أن العسر لابد أن يجاوره يسر، وانظروا إلى مصداقية هذا في حياة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما إن انتهى العام العاشر من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأطل العام الحادي عشر، حتى أكرمه الله بنعمة لم يكرم بها أحداً من رسله وأنبيائه من قبل، أكرمه الله كما تعلمون وكما سمعتم ربما في هذه المناسبة العطرة أكرمه الله بخارقة الإسراء ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم بالعروج به إلى السماوات العلى إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى جسداً وروحاً ويكذب من يريد أن يتأول ومن يريد أن يصغر الأمر ويصغره حتى يدخله في عقله الصغير، لا إنها خارقة ولن تكون الخارقة خارقةً إلا إذا أيقين الإنسان بأن الله على كل شيء قدير نعم.


كانت هذه نعمة من أجل النعم التي أكرم الله عز وجل بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ولست بصدد الحديث عن قصة الإسراء ولست بصدد الحديث عن قصة المعراج، لكنني أريد أن نتبين هذا القانون الرباني، كيف أن الله عز وجل يجعل مع العسر يسرا لكن بشرط أن ينفذ العبد أيضاً باتجاه الله سبجانه وتعالى القانون الذي أُلزم به وكأن الله يقول: يا عبدي نفذ القاعدة التي أمرتك بها، أنفذ القانون الذي أخذت نفسي باتجاهك، اصبر أمام الشدائد محتسباً راضياً أضع إلى جانب الشدائد نعماً تنسيك وقع تلك الشدائد، أنا ألزمت نفسي بسنة إن مع العسر يسرا فهل ألزمت نفسك بما قد أوصيتك به وعلمتك إياه؟ هل ألزمت نفسك بالصبر أمام المكاره التي ابتليت بها محمداً صلى الله عليه وسلم قبل أن أبتليك أنت؟


هذا السؤال ينبغي أن نبحث عن الجواب عنه في سلوكنا وفي أحوالنا وأوضاعنا. نحن إذا رقصت من حولنا النعمة نسكر بها ونحجب بها عن المنعم، هذا هو حالنا على الأغلب وبالنسبة للأكثر من عباد الله، وإذا انتابتنا المصائب تأففنا وثرنا وتمردنا ونطق الكثير منا بعبارات الاعتراض والسؤال والتأفف، ولا أريد أن أطيل ولا أريد أن أضرب الأمثلة. ومع ذلك ففينا كثيرون يسألون عن تطبيق الباري عز وجل لقانونه إن مع العسر يسرا، يا هذا هل ألزمت نفسك بالقانون الذي أمرك الله به حتى تلزمه بالقانون الذي ألزم ذاته العلية به بعد أن تنفذ ما أمرك به؟


نحن أمام مآسٍ كثيرة أيها الإخوة في هذا المنعطف الذي نمر به، مصائب في الداخل وفي الخارج وكلنا نعلم أنواع هذه المصائب وهي جزءٌ من سنة رب العالمين )وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[. هذه هي فتنة الشر ومن بعدها فتنة الخير ولكن ما الموقف الذي اتخذناه أمام فتنة الشر؟ هل استيقظ الغافلون والسادرون عن أوامر الله سبحانه وتعالى؟ هل استقام المنحرفون التائهون عن صراط الله؟ هل تاب الفاسقون والضالون الذين يسرحون ويمرحون في أودية تيههم وضلالهم؟ هل هزتهم هذه المصائب ليعودوا إلى الله سبحانه وتعالى وليصبروا في انتظار اليسر الذي سيأتي بعد العسر؟


ننظر يميناً وشمالاً والمصائب تحدق بنا وتحيط بنا من كل الأطراف فإذا الكل عاكف على حاله، الذين يتيهون في أودية الضلال لا يزالون على حالهم، والذين قد انحرفوا عن جادة الاستقامة على دين الله لا يزالون يعانقون انحرافاتهم، والذين يتبرمون بالإسلام وهديه وأوامره وينشدون الحداثة ويحلمون بها لايزالون على حالهم، ما هزتهم المصيبة ولا أعادتهم إلى الله سبحانه وتعالى ولا ذكرتهم بذل عبوديتهم لله عز وجل. ومع ذلك فإن فينا من يقول: أين هو اليسر الذي يأتي بعد العسر؟ ألزم الله ذاته باليسر الذي سيأتي بعد العسر جزءاً من خطابه لرسول الله. كن كما كان رسول الله تدخل في هذا الخطاب، ألم يقل: )أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[ لمن هذا الخطاب؟ لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال له بعد ذلك " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[ كن كما كان سيدنا وحبيبنا رسول الله يكن لك رب العالمين كما قد أخذ ذاته العلية به.


هذا الذي أقوله عصارته أن أقول لكم هذه الكلمة باختصار، هذه المصائب التي تطوف بنا وتحدق بنا جزءٌ من سنة رب العالمين التي يأخذ بها عباده، والمنتظر منا بناءً على هذه السنة أن نصبر الصبر الذي يرضي الله عز وجل فنثبت على صراطه ونلتزم بهديه ونصطلح معه بعد شروط وبعد طول انحراف، إن نحن استيقظنا وعدنا إلى الله عز وجل فأنا أضمن لكم وأجزم لكم وأقسم لكم أن السنة الربانية سوف تتحقق عما قريب )إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[ حقيقة لا إشكال فيها قط.


وهذا الذي أقوله كما ينطبق على الجماعة ينطبق على الفرد، كل إنسانٍ لابد أن يجد نفسه في يومه الذي يسير على مناكب الحياة فيه أمام بعض المصائب  ولسوف يجد نفسه في الغد الآتي أمام بعض النعم وهكذا الدنيا.. والمطلوب منه إذا جاءته المصيبة أن يتجمل وأن يقف أمام باب الله عز وجل معلناً عن رضاه، معلناً عن استسلامه لحكمه، يسأله مع ذلك العافية ويسأله مع ذلك أن يعافيه وأن يخلصه من هذا الابتلاء وإذا جاء الغد الذي يحمل إليك النعم التي يكرمك الله عز وجل بها فالمطلوب منك أن تقف أمام باب الله مرة ثانية، ولكن تقف هنا موقف الشاكر وليس الشكر كلمة يرددها لسان الملحد والملتزم وغير الملتزم نحمد الله ونشكر الله، وإنما الشكر أن تسخر النعمة التي أسداها الله إليك للوظيفة التي خُلقت من أجلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.    

تحميل



تشغيل

صوتي