مميز

الفتوى رقم #998887

التاريخ: 10/08/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

الخشوع في الصلاة .. حكمه والسبيل إليه

التصنيف: علم السلوك والتزكية

السؤال

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. سؤالي كالتّالي: أصلّي صلاةً ليس فيها أيّ خشوع. هل يجوز لي قطع الصلاة وإعادتها؟ أو عليَّ إتمامها ثمّ إعادتها؟ وشكرا جزيلا لكم

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ فإنَّ الخُشوعَ سنةٌ عند جمهورِ الفقهاء، ومطلبُه داخِلٌ في الآدابِ التي بها يَجَمَعُ المصلي قلبَه على اللهِ تعالى عَبْرَ تَحَقُّقِهِ بما يَتْلُو ويَذْكُرُ ويُسَبِّحُ ويُعَظِّمُ.  

وهو في دائرة الصلاة داخلَ مِحرابين الأول؛ إقامةُ الصلاة على المعيار الفقهي مِنْ تقييمِ القيام والركوع والسجود والقعود وإعطاءِ كلِّ ركْنٍ حقَّه مِنَ الطُّمَأْنِينة بإقامةِ صُلْبِهِ إلى أنْ يُسَلِّمَ السلام الثاني بحيث لو استفتينا فقيهاً لأفتى بالقبول دون أدنى شك ، وهنا لو سُئل _أي: الفقيه_ عن الداخلِ القَلْبِي لقال له: الحمد لله الذي قال: (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ولم يقل في صلاتهم ساهون، فلو قال في صلاتهم لما نجا منَّا أحد.  

وعليه؛ كان ذلك بريدَ الدخول إلى المحراب الثاني. المحراب الثاني؛ هو التحقُّقُ بمقامِ العبوديةِ للهِ تعالى من أجل التَّعَرُّفِ على اللهِ تعالى عَبْرَ الصِّلَةِ بين العبدِ والرَّبِّ مِنْ قولِه تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إل قوله: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي بين المقدمة التي هي العبادة، والنتيجة التي هي العبودية وذلك هو مِفْتاحُ التَّعَرُّفِ على مَنْ أَمَرَ بإقامةِ الصلاةِ بقولِه تعالى: (وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وأَمَرَ بالمحافَظَةِ عليها فقال سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ثم بعدَها بَشَّرَ على التحقيق _بعد أنْ جاهَدَ العبدُ نفسَه بالصلاة لربه_ بقوله في سورة المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ثم خَتَمَ الآياتِ العَشْرَ فيها بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  

إذن! وبعد هذا التفصيل يُعْلَمُ أنَّ الحقَّ تعالى طالَبَنا ابتداءً بإقامَةِ الصلاةِ والمحافَظَةِ عليها على الميزانِ الفقهي الدقيق، ثم التَّخَشُّعِ فيها بالتَّدَبُّرِ التَّام قَدْرَ ما أُوتينا مِنْ طاقاتٍ إيمانيةٍ للارتِقاء مِنْ إِسْقاطِ العُهْدَةِ إلى صِلَةِ التَّعَرُّفِ.

ولعل بذلك التوضيح يُعْلَمُ عَدَمُ وجوبِ إِعادةِ الصلاةِ الخالية مِنَ الخُشوع، بل لقد قَرَّرَ الفقهاءُ أنَّه لا يجوزُ قَطْعُها والدخولُ في صلاةٍ جديدةٍ لقولِه تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) لأنه سيقع في نَفْسِ السَّلْبِ الأولِ مِنْ جِهَةٍ ورُبَّما تَوَسَّعَتْ دائرةُ الوسواس من جهة ثانية.

وعليه؛ فالمطلوب مِنَ الْمُصَلِّي دوامَ جمعِ القلب على الله تعالى مُتَدَبراً  كُلَّما أَقْبَلَ على الله تعالى بها مُفْتَقِراً إليه مُتَذَلِّلاً في مِحرابِ عبادتِه حتى تثمر عبادته ذوقاً إيمانياً كاملا يزيد ولا ينقص.

فاللهم ! اجعلنا ممن يقيمون الصلاة إقامة الموقنين بعونه ولطفه وستره وقبوله آمين.