مميز

الفتوى رقم #998475

التاريخ: 11/08/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

هكذا يكون الطب سلماً للوصول إلى الله

التصنيف: علم السلوك والتزكية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انا طالب طب وكثيرا ما يتحدث الناس امامي عن ان الطب مهنة انسانية وعن اطباء يأخذون كشفية منخفضة جدا وانهم رحمانيون سؤالي انا كطبيب هل يجب على الطبيب ان يعالج الناس بالمجان كي يكون انساني ومحترم وهل المولى سبحانه لن يثيبني اذا عالجت العالم بدفع كشفية علما اني ولله الحمد لدي الكثير من النوايا الحسنة والانسانية وحب الخير ومساعدة الفقراء ولكن الناس خاصة اني ابن ريف لا يحبونك الا اذا عالجتهم بالمجان 

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد؛ فإنَّ مِهْنَةَ الطِّبِّ على الحقيقة لا شك مِهْنَةٌ إنسانيَّةٌ، وذلك لِتَعَلُّقِها بأَشْرَفِ مَخْلُوقٍ ألا وهو الإنسانُ الذي قال في حقِّه خالقُهُ مُبْدِعُهُ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وعليه؛ فالمحافظةُ على عافيتِهِ واجبٌ مُقدَّسٌ، وأمانةٌ عالِيَةٌ غالِيَةٌ مِنَ الأَعمال في الحِفْظِ أَنْفَس، لكنْ لما كان الطِّبُّ مُتَعَلِّقاً بالعِلْم والمعرفةِ والبَذْلِ مِنَ العُمر والمال ما يَسْتَهْلِكُ تقريباً عقوداً ثلاثة، ثم التَّفَرُّغ الكامل لمعاينة المرضى كان بَدَهياً أنْ يَكُفَّ حاجَتَهُ مِنْ الرِّزق لعنصر الضرورة لديه كطبيب، لكن لما كان مُرْتبطا بالجانِبِ الإنسانيِّ كان واجِباً عليه ألا يُتاجِرَ كَتُجَّارِ الدنيا وهو يَعْلَمُ أنَّ عِلاجَ المريضِ ضرورةٌ لا نُزْهَة، وحاجةٌ ماسَّة، لا مجالُ اسْتِرْواح، لا سيما مع يَقينِهِ بِغَيْبَةِ الشِّفاءِ وأنَّه لا يَمْلِكُ سوى ربْطِ الأسباب [لأنَّ الشافي الله] فَكَمْ مِنْ طبيبٍ خانَتْهُ العقاقيرُ بِزَلَّةِ قَلَمٍ، أو غفلةِ ذِهْنٍ عَبْرَ وصفةٍ أَوْصَلَتْ مريضَهُ إلى حافَّةِ الخَطَرِ، وأَوْقَعَتْهُ في حَيْرَةِ البَحْثِ للخروج عن دائرة الحرجِ التي حاصرتْهُ وكادَتْ أنْ تَخْنِقَهُ بِخُنَّاقِ اليأس.   لذا مِنْ هنا وجَّهَ الفُقَهاءُ إلى شروط القبول عند الله تعالى للطبيب

أولها؛ أنْ يكونَ مؤمِنَاً يَخْشَى اللهَ تعالى ويراقِبُه في سِرِّهِ قبل العَلَن. ثانيها؛ أنَّ يكون حاذِقاً أي مِنْ أَهْلِ الاختصاص. ثالثُها؛ أنْ يكونَ بعيدَ التَّعَلُّق بِبَهارجِ الدنيا يَرْضَى بما تَيَسَّرَ ولا يَطْمَعُ بما وراءَ ذلك رابعُها؛ أنْ يَخْشَى اللهَ تعالى بمُراقبته إياه مُسْتَعيناً به عند الكَشْفِ والمعاينة خامسُها؛ أنْ يَنْصَحَ ولا يُبالِغَ في التخويفِ لأنَّ الشِّفاءِ أَمْرٌ غَيبيٌّ لا يأذَنُ به إلا مَنِ اسمُه الشَّافي سبحانه سادسُها؛ أنْ يَفْتَحَ بابَ الأَمَلِ ولا يُعَسِّرَ عليه سابعها؛ أنْ لا يَغْفُلَ عن أنَّ حاجَةَ الناسِ إليه قد تَنْعَكِسَ في لحظةٍ إذا قدر الله تعالى وقوعَه هو في عَيْنِ المرض يدفَعُهُ إلى البحث عَمَّنْ يداويه ثامنُها؛ أنْ لا يَسْتَهينَ بالمريضِ لأنَّه عبدٌ من عباد الله، فَمَنْ فعلَ فَقَدْ تَجَرَّأَ على خالقِهِ والْمُتَجَرِّئ على اللهِ تعالى مَصيرُهُ مَصيرُ فرعونَ وهامانَ وقارونَ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يَفْخَرَ أحدٌ على أحد , ولا يبغيَ أَحَدٌ على أَحد) وقال عليه الصلاة والسلام: (بِئْسَ العبدُ عَبْدٌ تخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ الْمُتَعال..) تاسُعها؛ أنْ لا يَغْفُلَ عن شُكْرِ مولاه إذا قَضَى بالشِّفاءِ لمريضِه على يديه فإنَّها مِنْ أجلِّ النِّعَم التي جعلك مظهرها وعليه أن يتذكر مولاه سبحانه: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار). عاشرها؛ أنْ لا يَتَحَرَّجَ مِنْ تَحْويلِ مَريضِه إلى أَهْلِ الاخْتصاصِ إنْ كُشِفَ له عن مَدْخَلِ مَرَضٍ جَديد ليس مِنِ اخْتصاصِهِ. ذلك أنَّ كيانَ الإنْسانِ كيانٌ مُعْجِزٌ قد اخْتُصِرَتْ فيه إعجازات الكون كما قال الشاعر:

                  أَتَحْسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صغير   وفيك انطوى العالم الأكبر

  حادي عشر؛ أنْ لا يَجُورَ في طَلَبِ الأَجْرِ فإنَّ في القناعةِ عينَ الغِنى، وأَضْعَفُ الإيمانِ الاكْتفاءُ بما يَمْلِكُ المريضُ القُدرةَ على بَذْلُه  ولا ينسَ أنْ يَسْتَثْنِيَ المعدومين مِنْ أَخْذِ الأَجْرِ ففي جَبْرِ خواطِرِهِمْ مَصْدَرُ لُطْفٍ دائم ومدخل رفع بلاء مستمر ثاني عشر؛ أنْ يَخْتارَ مِنْ وسائِطِ التَّمْريضِ مَنْ يَلْطُفُ بالمريضِ عند اسْتِقْبالِه ويَقْدُرُه قَدْرَه، فَإِنَّ ما يُدْمِي القلبَ اختيار بعضِ الأطباء وسائطَ غِلاظاً فِظاظاً يَتَحَدَّثُون مع المريضِ وكأنَّه مِلْكُ يمينِهم مسلوبُ الإرادة والإنسانية يَمْلِكُون طردَه أو إهانَتَهُ متى شاؤوا ثالث عشر؛ أنْ لا يَعِدَهُ الموعدَ، ثم يخلفَه فإنَّ هذا مِمَّا يُسْقِطُ هيبتَهُ عند مريضِه ويُحَجِّمُ قَدْرَهُ لدى مجتمعه وهو مخالفة شرعية يقع فيها أكثر الأطباء ولا يدرون أو أنهم يدرون ويتجاهلون أنها خصلة من خصال النفاق كما حدث الصادق المصدوق في الحديث المشهور: (آية المنافق ثلاث؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ وإذا ائتُمِنَ خان)

فيا أيها الطبيب المؤمن! إنْ كنتَ مِنْ أهلِ اليقين أنَّ الشافي هو القائل: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) عَلِمْتَ أنَّ مَصيرَكَ ومَصيرَ مريضِكَ بِيَدهِ وهو القائل: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وأنَّه قد عَلَّمَ خُلَّصَ عبادِه مِنْ أنْبيائه إذا طَلَبُوا العافية أنْ يَنْطَلِقُوا مَنْطَلَقَ الأدَبِ كما هو شأنُ سيدِنا أيوبَ عليه السلام: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فكان الردُّ (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) إذن؛ فأنت مِمَّنْ يَخْشَى الله حَقَّ الخشيةِ وفي يدك الترياقُ الشافي بإذن اللهِ تعالى يُذَلِّلُ الله تعالى لك الصعاب ويكثر في دائرتك الأحباب ويجعل الوصول إلى حلِّ عُقَدِ الْمَرِض كما هي لَمْسَةُ وراث الرسول.  

أقول: فإذا غَدَوْتَ على تلك الدرجة من الروح اللطائفية استحالة أن تأسركَ الدنيا أو تَتَعالى على ركامِ الآلامِ كما يَفْعَلُ البعضُ مِمَّنْ جمعوا  المال ولم ينتظرهم الزمان لإنفاقه وطلبوه بِجُرْأَةٍ جَبَّارَةٍ لاجابِرَة وهو يَرَى المريضَ يَتَلَوَّى مُضْطَّراً أنْ يَبيعَ نفسَهُ لأجل عافيته أو عافية مريضه وهنا السؤالُ الجارحُ: تُرى بِمَ يَتَمَتَّعُ مثل ذلك الطبيبِ الجاحِدِ به مِنَ الشعور القَلْبِيِّ حتى طَلَبَ مِنَ المريضِ كلَّ ما يملكُ _هذا إذا كان يملك_ أو طَلَبَ منه ما لا يَمْلِكُ وإنِ اضْطُرَّ لأَنْ يَبيعَ كِلْيَتَه أو عضواً من أعضائه. والطبيبُ مُسْتَغْرِقٌ في ظُلُماتِ رضاهُ عن نَفْسِهِ ولا يَعْنِيه سوى ذلك، وذلك هو الشَّقاءُ بِعَيْنِه بأركانِه الأَرْبَع (جمود العين، وقَسْوة القلب، وحُبُّ الدنيا، وطولُ الأمل)

لَعَلِّي أَطَلْتُ عليكَ أخا الإيمان! غير أَني على ثِقَةٍ أنَّكَ ستذكُرني بدعوةٍ صالحةٍ كلَّما داوَيْتَ مريضاً وتقربْتَ إلى الله تعالى بخدمته.

باركَ الله بكَ ونَفَعَ عبادَه بما خَصَّكَ ومَتَّعَكَ بتمامِ العفوِ والعافية مدى العمر آمين.