مميز

الفتوى رقم #84564

التاريخ: 29/09/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

شبهات حول حجاب المرأة

التصنيف: الحظر والإباحة واللباس والزينة

السؤال

السلام عليكم شيخنا محمد الفحام جزاك الله عنا خيرا 

امرأة تجاوزت الخمسين تعمل أستاذة تعليم ثانوي مند أعوام أصبحت تحمل أفكارا غريبة متبنية لافكار الحداثة صارت تعيش في بلد أوروبي وتجنست بجنسية ذلك البلد بحكم المصلحة نزعت الحجاب وتدعي  الحجاب ليس فرض وان القران لم يصرح بذلك وانه يكفي الاحتشام والشعر ليس عورة وان المفسربن اختلفوا في مسالة الزينة متأثرين بأفكار عدنان إبراهيم له برنامج على روتانا خليجية يقول إن الحجاب عادة عربية وليس أمرا الاهيا عنوان البرنامج "صحوة" وعنوان الحلقة "معركة الحجاب" هذا إلى جانب كل أفكاره التي يبثها ثالثا ماحكم تجنسهم بجنسية بلد أوروبي شيخنا أرجو إجابة تفصيلية ودقيقة لأن الأمر معقد جدا وعذرا على الاطالة

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته؛ أخي الكريم إنَّه ما مِنْ شَكٍّ أنَّك في شِدَّةٍ وابْتِلاء، وأنَّ ما أنت عليه لونٌ مِنْ ألوانِ المجاهدة النَّفْسِيَّةِ التي تَبْلُغُ بكَ أعلى الدرجات، غَيْرَ أنَّنا لا نَمْلِكُ إِلْغاءَ الَّطبيعةِ البَشَرِيَّةِ التي جُبِلَ عليه الإِنْسانُ، لذا مِنْ أجْلِ ذلك جعلَ اللهُ تعالى حِفْظَهُ في ضوابِطِ الشرعِ وهي كثيرةٌ لكنَّ أَهمَّها البُعْدُ عن الخَلْوَةِ بالأَجْنَبيَّة لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما خَلا رجلٌ بامْرأَةٍ إلا وكانَ الشَّيطانُ ثالثَهما)، ومع ما أنْتَ فيه ما يَنْبَغِي أنْ تَنْسَى هذا الضابِطَ بحال، مِنْ جانِبٍ آخرَ ما يَسُرُّ القلبَ ويُثْلِجُ الصدْرَ أنَّكَ على مَتْنِ التِزامِكَ بالصلاةِ والأَوْرادِ فإنَّ فيه دواءً وشفاءً كما قال الربانيون: [إنَّه لا يُطْفئُ نارَ الشهوةِ ويطفئ لهيبها كالذِّكْرِ] فاسْتَمْسِكْ به يَطْمَئِنَّ قلبُك، فَرَبُّكَ يقول: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وذلك كلُّه إلى أنْ يُهَيِّأَ اللهُ تعالى لَك مِنْ أَمْرِكَ فَرَجاً ومَخْرَجاً فهو مُذَلِّلُ الصِّعابِ لِلصَّالِحين مِن أحبابه جعلني الله وإياك منهم.

أقول: يَعْلَمُ اللهُ تعالى أنَّ لَهْجَةَ الصِّدْقِ ظاهِرَةٌ في حَرْفِكَ، ومَطْلَبَ الاضطرار واضِحٌ في توجُّهِكَ وهو مقامٌ قلَّ مَنْ يَتَمَتَّعُ به من أهل البلاء إلا من رحمه الله تعالى، لذلك يقول سبحانه: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) والمضطر كما قال المفسرون هو المكروب المجهود بنازلة من نوازل الدهر يلتجئ إلى الله تعالى ويتضرَّع إليه، وذلك هو الإِخلاص في الطلب.

وعليه؛ فتَوَجَّهْ إلى اللهِ تعالى بِما مَتَّعَكَ ربك به مِنَ الصَّفاءِ والنَّقاء داعياً راجياً أنْ يُمَتِّعَكَ بالحلال ويباعدك عن الحرام، ويُيَسِّرَ لكَ الارْتِباطَ بامْرأةٍ صالحةٍ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أَمَرْتَها أطاعتْكَ، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في نفسِها ومالك تكونُ جنَّتَكَ في الدنيا، ومَصْدَرَ نجاتِكَ في الآخرة ففي الحديث الشريف: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) فابْحَثْ عنها مُسْتَعِفَّاً تَجِدْها، فوالله ما لَبِسَتِ العنايةُ أَحَداً كالصَّادِقين، وأنت مِنْهمْ بإذْنِ اللهِ تعالى، ثم اجعل دعوتَكَ إلى اللهِ تعالى عباده بشفافيتكَ الإسلامية، فلعَلَّه تعالى يَهْدِي بك مَنْ يَشاءُ مِنْ عبادِه مِمَّنْ ينتظِرُ أمثالَكَ ليهتدي بك، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) وما يدريك لعل حظَّك قريبٌ منك وأنت لا تَشْعُرُ في امْرأَةٍ ربانِيَّةٍ صالحةٍ فالِحَةٍ تُحَصِّنُكَ وتُعِيُنَك على أَعْباءِ الحياة، فقليلٌ مِنَ الصَّبْرِ وقليلٌ مِنَ المصابَرَة تُقْضَى حاجَتُكَ بإذنِ اللهِ تعالى.

ختاماً؛ أُهَنِّئُكَ على شفافِيَتِكَ وصِدْقِكَ ومراقَبَتِكَ لِرَبِّكَ، وإني لأَسأَلُ اللهَ تعالى أنْ يَتَوَلَّاك بالرعايةِ والعِنايةِ وكمالاتِ التوفيق.

لا تنسني من صالح دعائك، فمثلك دعاؤه بإذن الله تعالى مجاب.

 

الجواب الرابع؛ وعليكم السلام ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه أخي الكريم! لابد مِنْ بَيانٍ واضحٍ يُجَلِّي الحقيقةَ، فأقول وبالله التوفيق: إن الصياغةَ القُرآنيةَ لا لَبْسَ فيها، ولكنَّ اللَّبْسَ والخَلْطَ في وعاءِ الْمُتَلَقِّي، فهو أحدُ رجلين إما غافلٌ عن الحقيقة جاهلٌ مَصْدَرَها قد سَمِعَ خلافَها مِنْ مُتَخَرِّصٍ على دين الله تعالى وأحكامِهِ لهوىً في نَفْسِهِ فوقع في شركه فصار كما قيل: [فصادفَ قَلْباً خالياً فَتَمَكَّنا]، وإِما أنَّه مُتَعالِمٌ يَسْتَخْرِجُ الأَحكامَ من الدليل دون درايةٍ بقواعد لفقه وأصوله ولا معرفة بالرواية ورجالها، فَجَلَسَ يَنْظُرُ في الأدلة ثم يستخرجُ الحُكْمَ على مُسْتوى فَهْمِهِ وهواه دون تعويلٍ على ما أَمَرَ به بيانُ اللهِ تعالى بقوله: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) مُدَّعِيا أنَّ ثقافته وشهاداته في بعض العلوم كافية، وهل بَلَغَكَ أنَّ شهادةَ الطبيبِ تُخَوِّلُه أنْ يَتَكَلَّمَ في عِلْمِ الكيمياء مثلا لا لشيءٍ إلا أنَّه دكتور، وإنْ تَعْجَبْ فاعْجَبْ لِمَنْ إذا أراد الاستفتاءَ في الطِّبِّ أو أيٍّ من الاختصاصات الدنيوية لا يُعَوِّلُ إلا على الْمُخْتَصِّ، فإذا أراد الاستفاء في حكم كم أحكام الدين أَلْغَى بيانَ اللهِ تعالى: (فاسألوا أهل الذكر..) واعتمد كلَّ ناعقٍ ليستفتيه مُقَرِّراً جوابَهُ كمصدرٍ أساس وكأَنَّهُ مجتهدٌ مُطْلَقٌ تَوَفَّرَتْ فيه أَهْلِيَّةُ النَّظرِ وقد هَضَمَ شروطَ الاجتهادِ وحَفَظَها عن ظَهْرِ قَلْبٍ ما يَنْبَغِي بسببِ ذلك رَدُّهُ على الإطلاق؟؟ فإن ذُكِّرَ بقول مجتهدٍ مُخَضْرَمٍ كالأَئِمَّةِ الأربعة رضي الله تعالى عنهم ردَّ ذلك بشدة مُدَّعِياً أنَّه مُجَرَّدُ رأيٍ من آراء علماءَ سادوا، ثم بادوا!! ألا ترى معي أنه وقع عليه حَذَرَهُ حيث ألزم غيره بما رآه لهوى نفسه بما أسماه بالحداثة وهو معدوم الاختصاص ؟؟

من جانب آخر؛ إنَّ ادِّعاءَهُمْ أنَّ الحِجابَ مُجَرَّدُ تقليد عربي وليس بفرض دليلُ جهلهم بمدلول الدليل وبُعْدِهِمْ عن مَعرفَةِ الحُكْمِ من جذره الطبيعي، فكلمةُ (حجاب) موضوع وكلمة (خمار) موضوع آخر وكذا كلمة (جلباب) موضوع ثالث كلُّها مع بَعْضِها تُبْرِزُ صورة الحكم المأمور به وإلا لَلَزِمَ أنْ نَضْرِبَ أدلة القرآن ببعضها البعض.

أقول لمن تخرص على كتاب الله تعالى ما هو مستوى علمك باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم الموحى به على قلب حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم فإن ادعى اختصاصه بها فهل عند علم بقواعد النصوص التي هي فَنٌّ مِنْ فنونها، وبعدها فما الذي فَهِمَهُ مِنْ قولِه تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) تلك التي توسطت الكلام عن إبداءِ الزِّينة في آيةِ النور وما إِعرابُ اللام في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ) وما تعريف الخِمار؟؟ أليس المعول عليه في هذا هو الرجوع إلى قواعد اللغة من نحوها وبلاغتها وقواميسها.

وعليه؛ فالقضية مشتبكة لا تنفك عن بعضها بحال

والآن أصغ إلى بيان الله تعالى في ذلك بتجرُّد: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ..الخ) النور/31 (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) الأحزاب/59. ترى ما مَعنى الإِدناء؟؟ هل يعرف بالرجوع إلى ما يبغيه أهل الأهواء، أم بالرجوع إلى لغة العرب التي تَنَزَّلَ القرآنُ بها؟؟ أليس ربُّنا هو القائلَ: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف/2، (قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الزمر/28 (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فصلت/3

فالخمار لغة؛ هو مايستر الرأس والعنق والصدر

والجيب لغة؛ فتحةُ الصَّدْرِ التي في أعلى الجلباب

أما اللام في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) لامُ الأمر، وتفسيرها أنَّ الله تعالى يأمر المؤمنات بتغطية الرأس عبر الخمار بجمع طرفيه وجعلهما داخل الصدر والمعنى: استرن رؤوسكنَّ وأعناقكنَّ وصدوركنَّ بالمقانع، وهنا يكمن الرد فهل يستقيم فهمهم السقيم مع هذا التوضيع في أن الزينة المأذون بإظهارها للأجانب إنما هي الرأس، وعليه فيجوز كشفه؟؟ أم أنَّ ما ظهر منها اليدان والوجه وهذا هو بعينه الذي اختلف فيه الفقهاء، ثم فصلوا الحكم فيما إذا كان الوجه مصدر فتنة ففصلوا بتوفيق من الله لا يملكه إلا أمثالهم من المخلصين لدين الله لا أشباه الرجال والمتفيهقين والمتشدقين.

أقول وهنا أيضا يفهم المعنى دون عناء من قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... الخ) ويدرك المتدبر لبيان الله تعالى أن عد الرأس من مستثنى من الدليل فقد دل على جهله المطبق وألزم نفسه بالوقوف عند حده لكي لا يغدو مصدر استخفاف واستهزاء عند أهل الاختصاص ووجب عليه الالتزام ببيان الحق لإحقاق الحق: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)

والإدناء لغة؛ التقريب، والمراد الإرخاء والسدل على الوجه واليدين

والجلباب لغة؛ الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق القميص أو الثوب الذي يستر جميع البدن ولما كانت (من) في قوله تعالى: (مِن جَلَابِيبِهِنَّ) للتبعيض قال المفسرون: فإنَّ المرأةَ تُغَطِّي بِبَعْضِ جِلْبابِها وتَتَلَفَّحُ بِبَعْضِ، والمرادُ: أنهنَّ يُرْخِين بعضَها على بعضِ الوجوهِ إذا خَرَجْنَ لِحاجَتِهِنَّ. هذا؛ ودقة المعنى تظهر جليّاً حينما نَتَدَبَّرُ بيانَ الآيةِ الكريمة على التمام: لاسيما قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) وسَلْ مَنْ يُصِرُّ على كَشْفِ الرأْسِ وكُلِّ الوَجْهِ هل بالكَشْفِ التامِّ لا يُعْرَفْنَ؟ وهل يَتناغَمُ ما يُريدون مع بيانِ اللهِ تعالى الواضح ؟؟ أقول: إنَّ أَبْسَطَ الناسِ مِنَ الْمُبْتَدِئينَ يَعلمُون الجوابُ بِقَلْبِهمُ الْمُنيرِ وفِطْرَتِهمُ السَّليمة؟؟!. 

ارجع إلى تفاسير العلماء المحقِّقِين مِنَ الْمُعصِّرين لا سيما؛ (التفسير المنير) للفقيه الأصولي المحقِّق سيدي الدكتور وهبة الزُّحَيْلي عليه الرحمةُ والرِّضوان تَجِدْ تفصيلاً يُخاطِبُ العقل، ويُثْلِجُ الصَّدْرَ، ويَبلُّ الفؤادَ بِكوْنِه مَشْحُوناً بشواهد السنة وأقوال الصدر الأول من السلف الصالح، ثم إني أَنْصَحُ أيضا بكتاب (إلى كل فتاة تؤمن بالله) من أبحاث في القمة لسيدي العلامة الشهيد السعيد الدكتور البوطي تجد تفصيلا مُدْهِشاً وعِزَّةِ اللهِ تعالى لا يُعْرِضُ عنه وينكر ما فيه إلا أحمقُ، أو مُغْرِضٌ، أو صاحبُ هوى.             

أخي الكريم! أنا أَعْلَمُ أنني لو اسْتَرْسَلْتُ في التوضيح أكثر فأكثر لما ازدادَ الْمُنْكِرُ إلا عِناداً ذلك أنَّه لا يَنْتَظِرُ جلاءَ الحقيقة، وإنَّما المراد عنده الوصول إلى مبتغاه بدعوى أنها مجرَّد آراء لعلماء أدلوا بدلوهم في زمانهم، ثم مضوا، بل ولم يبق إلا يقولوا: هم رجال ونحن رجال _وهم بطوايا أنفسهم يعلمون أنهم لا يملكون مطاولتهم بحال_، وأغْرَبُ مِنْ هذا تعليلهم بأَنَّهم علماءُ السلاطين!!، وأقول هنا إنَّ ما يَفْرِضُ نفسَه عَقْلاً: هذا التساؤل تُرى ما عَلاقَةُ السَّلاطين بثوابتِ حُكمٍ شرعي تَلَقَّتْهُ الأجيالُ بالدليل مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى يومِنا هذا عَبْرَ المعرفةِ والعِلْمِ والتَّمْكِين، فكان بناءً عليه التطبيقُ، وهل مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يُقْحِمَ السُّلْطانُ نفسَه في حكم شَرْعِيٍّ يَعْلَمُهُ العامُّ والخاصُّ، أمْ أنَّها الأهواءُ هي التي أَعْمَتْهُم  وأَصَمَّتْهُمْ حتى جعلوا يَهْرِفون بما لا يعرفون، وإنَّه واللهِ لا يَنْتَهِي عَجَبِي مِمَّنْ يَلْوِي الأَدِلَّةَ ويَضْرِبِ الآيات بِبَعْضِها فقط لِمُجَرَّدِ أنَّه رافضٌ تطبيقَ أَمْرِ اللهِ تعالى!! أرأيت إلى مَنْ يُقَصِّرُ في التَّطْبيقِ لكنَّ فرقَ ما بينه وبين ذاك الْمُفْتَئِتِ على دينِ الله؛ أنَّ الأول لو سألته لاعترف بتقصيره سائلا إياك الدعاء بالهداية، ولو سألت الآخرَ لَتَجَرَّأَ باتّهامِهِ السلفَ الصالح بأنَّهم أدْخَلُوا في الدِّينِ ما ليس منه، فخبرني بربك أَليسَ الأول باعترافِهِ أَقْربَ إلى اللهِ تعالى من ذاك الذي اسْتَكْبَر واسْتَعلى وتَجَبَّرَ تلبِيَةً لهواه، ألا ليتَهُ سألَ اللهَ تعالى العفوَ وهو يدنو مِنْ قبره وأجله أقرب إليه من شراك نعله تُرى ما هو مدخل نجاته يومَ السؤال عمَّن غَوى من الناس بدعوتِه تَغييرَ الثوابِتِ مِنْ أَحْكامِ اللهِ تعالى باسم المتغيرات _وبالإجماع كلُّها ثوابت_ وما يُدريكَ لعلَّهم يُتابِعُونَ الهُوِيَّ في مسالك الأهواء، فيأتي اليوم الذي يَدَّعُون فيه حِلَّ الرِّبا والخمر والموبقات باسم المتغيرات والحداثة ليجعلوا دينَ الله أثراً بعد عين إلى أن تأتي الدعوى إلى إلغاء الأحكام الشرعية كلِّها باسم المدنية ليغدو الناس في تعاملاتهم على شريعة الغاب، لكن أقول خابَ ظنُّهم وخسئوا، وخَسِروا خُسراناً مُبيناً هُمْ وأَذْنابُهم وبرغم أُنُوفِهم

أخي الكريم! وإنَّ ما يُعَزِّينا ويُخَفِّفُ آلامَنا أنْ تَولَّى هو سبحانه حفظ دينه حيث قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

في الختام؛ بقي السؤال عن جواز مقاطعة المخالف، والجواب؛ هو أنه إن كان مقتصرا في مخالفته على نفسه ولا يؤثر بالغير فصلته تبقى واجبة بحكم صلة الرحم وإن أدبرت، وأما إن حضورهم أو اللقاء بهم مصدر تضليل وفتنة فهنا الحكم يؤول بنا إلى الحزم بأمرين الأول؛ الهجر ما داموا مضلِّلينَ، والثاني؛ تحذير الناس منهم بتوعيتهم وتنبيهم عقلا ونقلا.

أرجو الله تعالى أن أكون قد لبيت مطلبك، وأديت رسالتي مع كامل الرجاء من الله تعالى أن تكون خالصة. ولا تنس أن تخصني بدعواتك المباركات بارك الله تعالى بك ونفع بهمتك وعزيمتك. آمين يارب العالمين والحمد لله رب العالمين.