مميز

الفتوى رقم #788784

التاريخ: 02/05/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

كيف نتعامل مع من تنكرت للحجاب

التصنيف: الحظر والإباحة واللباس والزينة

السؤال

ماحكم إنكار الحجاب لمن كانت متحجبة من قبل وتعتبر أنه مظهر تخلف ومجرد عادة عربية وحكم التعامل معها ان كانت أختا أو قريبة من العاءلة  

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَنْ والاهُ وبعد؛ فإنَّ ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ خطر الإنكار أشدُّ على صاحبه مِنْ خَطَرِ المخالفة مع الإقرار ويَقِيني أنَّ القضية ضمن أحد ثلاثة الأول؛ جَهْلُها بالحُكْمِ الشرعيِّ أو بِفَهْمِ النَّصِّ الإلهي فعلينا واجبُ تعليمِها وتنبيهِها بمعرِفَةِ الدليل مع شيءٍ مِنَ البيان والتوضيح ولَفْتِ النظر إلى أنَّه لا عُذْرَ بالجَهْلِ بالأَحكامِ في ديارِ الإسلام, فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) أمرٌ إلهيٌّ صريحٌ بإدناءِ الجِلْبابِ و(جلابيبهن)؛ جمعُ جِلْباب والجِلباب: الْمِلاءَة التي تَشْتَمِلُ بها المرأةُ, والمعنى؛ يُرخِين بعضَها على الوجوه إذا خَرَجْنَ لحاجَتِهِنَّ.

وقوله تعالى أيضاً سبحانه: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) أَمْرٌ إلهيٌّ صريحٌ بوضعِ الخِمار أي؛ يَسْتُرْنَ رؤوسَهُنَّ وأعناقَهُنَّ وصدورَهُنَّ بالخِمار الذي هو القِناعُ الْمُسْدَلُ مِنَ الرأسِ على الجَيْبِ الذي هو موضعُ النَّحرِ والصدرِ, ورضي الله تعالى عن السيدة عائشة حيث تقول: يرحم الله نساءَ المهاجرات الأُوَل لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شَقَقْنَ مروطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ بها. وفي هذا إشارة إلى عظيم إيمانهن بالتنزيل, وأنه وحيُ الله تعالى وأَمْرُه وعند المؤمِنِ أنَّ في الالتِزامِ بأَمْرِ اللهِ إجلالاً للآمِرِ سبحانه, وهنا لِجَليلِ النَّفْعِ والفائدةِ ومَزيدِ البيانِ والوضوح أَنْصَحُ بقراءةِ كتاب [إلى كل فتاةٍ تؤمنُ بالله] ضمن مجموعة أبحاث في القمة لسيدي الإمام الشهيد السعيد البوطي عليه الرحمة والرضوان.

الثاني؛ أنها عالمةٌ بالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ غير أنَّ الهوى هو الغالبُ وذلك بِحُكْمِ حُبِّ الظهورِ بين الناسِ على هَيْئةٍ يُحَرِّضُ عليها الشيطانُ ومَعلومٌ أنَّه إذا تَعَسَّرَ على الشيطانِ إغواءُ أَحَدٍ دخلَ عليه مِنْ باب النساء, فإذا أَقْبَلَتِ المرأةُ جَلَسَ على جَبينِها يُزَيِّنُها للناس, وإذا أَدْبَرَتْ جلسَ على عَجُزِها يزيِّنُها للناسِ لذا أُلْزِمَتْ المرأةُ بمحاربةِ تلك المكائد الشيطانية عَبْرَ حِشْمَتِها وأَدَبِها وتَحْصينِها نفسَها انْضِباطاً بأَمْرِ الشارع قَصْداً, فَلِلْقُصودِ الحميدةِ في شرع الله تعالى نتائجُ حميدةٌ. وهنا يَعْجِزُ الشيطانُ عن إغوائها أو إغواءِ أحدٍ بها قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) وقال جلَّ في علاه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)   

الثالث؛ الشكُّ في بيان الله تعالى فإنْ كان إِنْكارُها نابعاً من الشك ببيان اللهِ فَمُشْكِلَتُنا قِبَلَهَا في العقيدة, وهنا واجبُ الدِّين يَفْرِضَ على وليِّ أَمْرِها أنْ يُفَقِّهَها في الأَحْكامِ العَيْنية ويُعَلِّمَها  ويُعْلِمَها حَتْمِيَّةَ أنَّ القرآن كلامُ اللهِ تعالى وهو الآمرُ وهو المحاسِبُ, فإنْ لم يَمْلِكْ سبيلَ الإِقْناع بِحُكْمِ جهلِه وجبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ عملاً بقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فإذا بَلَغَتِ الْمَقْنِعَ, ثم أَعْرَضَتْ مُسْتَخِفَّةً بِحُكْمِ اللهِ تعالى وأَمْرِه يَنبغي أنْ تعلمَ أنَّ تَحدِّيَ اللهِ تعالى قائمٌ على كلِّ مُسْتَخِفٍّ ومُعِرِضٍ ومُسْتَكْبِر وهو القائل سبحانه: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وهو القائل أيضا: (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وهنا تَكْمُنُ المصيبةُ أنَّ الْمُعْرِضَ عن البيانِ الإلهيِّ مُعرَّضٌ لِغَضَبِ اللهِ تعالى ومَقْتِهِ.  

بَلِّغْ أُخْتَكَ أنَّ اللهَ تعالى لا يُحارَبُ وأنَّ عافيتَها بِيَدِ مولاها شاءَتْ أمْ أَبَتْ, وأنَّ ربي خالقَ الجمالِ هو الخالقُ لِكُلِّ شيءٍ الْمُعْطِي المانِع.

أَذْكُرُ أنَّ إِحْداهُنَّ اسْتَكْبَرَتْ على حُكْمِ الله تعالى الآمر بالحجاب, فكانتْ تُقْسِمُ على عَدَمِ الالتزامِ به, وتَشْتَرِطُ على كلِّ خاطبٍ عدمَ الحجاب, فَتَمَّ لها ما تَشْتَهِي ابتداءً وبَقِيَتْ على اسْتِكبارها زمَناً ثم ابْتَلاها اللهُ تعالى بمرَضٍ في جِلْدةِ رأسها أسْقَطَ شعرها ما أَرْغَمَها على تغطية رأسها والخمار قهراً خشية أنْ يَراها مُسْتَقْبِحٌ أو مُتَقَزِّزٌ. عندها أَدْركَتْ أنَّ الاسْتِكْبارَ يَهْوِي بصاحبِه في مَهاوي البلاء التي يعجز عن رَفعها بحال, فَرَجَعَتْ إلى مولاها وتابَتْ توبةً نصوحاً, ثم عَكَفَتْ في محرابِ العبودية لِرَبِّها أنْ يرفعَ عنها البلاءَ ويُعيدَ عليها عافِيَتَها بردٍّ جميلٍ إليه فأكرمها بأنْ غَدَتْ بعدَها مِنْ الصالحات القانتات.  

وهنا القول: هل على المرءِ أنْ يَسْتَكْبِرَ ويَتَجَبَّرَ لِيُواجِهَ عاجِلةً مُهلِكةً ثم يعودَ تلك العودة, خائِفاً وجلاً قلقاً مضطرباً, أمْ أنَّ عليه أنْ يُقْبِلَ على اللهِ تعالى بلطائفِ الإحسان؟؟!!

رحم اللهُ تعالى الإمامَ ابنَ عطاء حيث يقول في حكمه: [مَنْ لم يُقْبِلْ على اللهِ بلطائفِ الإِحسانِ قِيدَ إليه بِسلاسِلِ الامتِحان] وإني لأَسْأَلُ اللهَ تعالى أنْ يَرُدَّ أختك إلى رحابه النوراني رداً جميلاً ويعرفها نعمته بدوامها لا بزوالها ويعرفها عليه معرفة تجعلها على قدم أمهات المؤمنين اللواتي قيل في حقِّهن وهن خير نساء الأرض سلفاً وخلفاً: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

أما عن صلتِها كرحم, فلا تَسْقُطْ عنك بحال لأنَّها واجبةٌ وإن نَفَرَ الموصول, فقد أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بصلة أمِّها وهي كافرة قائلا: (صِلِي أمَّكِ) بعنصر البر والرحمية, لكن ينبغي استمرارُ النُّصْحِ عَبْرَ الصلة بالحِكْمَةِ والموعِظَةِ الحسنة ولَفْت النظر والتذكير, أَطْلِعْها على هذه الفتوى لعلها تنيب إلى ربها.

أسأل المولى الكريم هدايتها ونور قلبِها بالإيمان وشرح صدرها بالإحسان بحرمة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول؛ واجبك تجاهها النصح والتذكير مع الصلة وإنْ أَعْرَضَتْ ولا تطالَبْ بأكثرَ مِنْ هذا لأنَه كما قال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ