مميز

الفتوى رقم #65485

التاريخ: 10/06/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

المقصد السامي من السلوك على كتب القوم

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إمحب جدا للسادة الصوفية ومتأثر بمدرسة التصوف الإسلامي خاصة سيدي الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي قدس الله سره ، وتأثرت جدا بتلك المعاني التي يذكرها في كتبه مثل ( المشاهدة ، المكاشفة ، الرؤى ) ، فهل هذه الاشياء حقيقية وكيف السبيل الى تحقيقها ؟؟ علما وانني فقط اريد ان اعرف الله ، اي انني اريد ان اعرف من خلقني .. السؤال الثاني سيدي الحبيب هو ، هل يجوز التعبد بأوراد وادعية الشيخ الاكبر وهل يجوز قراءة صلواته بأعداد كبيرة وهل في ذلك نفع وفائدة ؟ 

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, وبعد؛ فإنَّ الفهم الحقيقي للتصوف هو مدرك الوصول إلى المبتغى السَّامي الذي وجَّهَ إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في تعريفِه ركنَ الدينِ الثالثِ (الإحسان: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراه, فإنْ لم تَكُنْ تراه, فإنَّه يراك) والمرادُ منه التزكيةُ لمعرفَةِ سبيلِ السلوكِ إلى حضرة ملك الملوك, وكُتبُ القومِ رضي الله تعالى عنهم مشحونةٌ بالدِّلالات الهادفةِ الموصلةِ إلى ذلك الْمَقْصِدِ, وهي باختصارٍ قسمان؛ مقدمةٌ ونتيجة, فالمقدمةُ تَتَعَلَّقُ بمجاهدةِ النَّفْسِ مخالفةً لها وتخْليةً لطواها مِنْ ظُلُماتِ أهوائها بضوابِطَ شرعيةٍ, وأما النتيجة المعول عليها فهي التحلية التي يعيشُ أُنْسَها بعد أنْ صَفَتِ النفسُ وتَألَّقتِ الروحُ والتي ترجَمَها أهلُ الله باصطلاحاتٍ مقتضبة تشير إلى مضمونِها النوراني من لوامع وبوارق ومشاهدات وغير ذلك مما ذكر في كتبهم لا سيما الرسالة القشيرية تلك التي بدأ فيها الإمام القشيري بما يتعلق بالسلوك من توبة وتقوى وورع وزهد ...الخ ثم عرَّجَ إلى المكاشفات وغيرها إشارة إلى أنها مواهبُ عُلْوِيَّةٌ وثمراتٌ مَعْرِفِيَّة يُكْرَمُ بها كنتيجة لما صَدَقَ اللهَ, وأَخْلَصَ له دينَه سبحانه في المقدمات, يترجِمُ هذه الحقيقةَ بيانُ اللهِ تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) وكما قال أهل المعرفة: [جاهد تشاهد]

غير أنَّ ما يُسْتَدْرَكُ على السالك في هذا الأمر هو أنَّ العبادة إذا كانت معلولةً تخترق المنهج الصوفي السليم, وهي أنْ يَسْلُكَ طريقَ أهلِ الحقِّ بقصد تزكيةِ النَّفس وتخليتها مِنْ مَفاسِدِ الهوى والطُّغيان ظاهراً, ولكنْ لهوى ولايةٍ يطلبُها ورُتْبَةٍ يَبْتَغيها ذلك أنَّ الأصلَ في صحةِ دخولِه محرابَ التربية والتزكية أنْ يتوجَّه إلى مولاه سبحانه طالباً إياه مُعرِضا عما سواه من الدنيا بما فيها وهوى النفس ومشتهياتها والقاعدة تقول: [إلهي! ماذا فقد من وجدك؟؟, وماذا وجد من فقدك؟؟] وهذا ما يقتَضيهِ البعد عن شهوة رتَبِ الولايةِ لما فيها مِنْ عِلَّةِ الحِجاب عن المرادِ الأَصل, فطالب الولاية لا يولى, لذا فلو رجعت إلى منهج الربانيين الذين ذكرتَ لوجدتَ هِمَّتَهُمْ كلَّها مبذولةً في التَّحَقُّقِ بما خُلِقُوا مِنْ أَجْلِهِ لِتَحْقيقِه ألا وهو مقامُ العبوديةِ الخالصة لله تعالى في نظامِ بيانِه تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وبيانه الجليل؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

هذا؛ والعجب أنَّ في مَطْوِيِّ سؤالِكَ الأَمران, فالأول؛ أنَّكَ تأَثَّرْتَ بما ذكروه مِنَ المشاهدة والمكاشفة ..الخ وكأنك تشتهيها وتطلبها, ثم وقفت عند مَناطِ تحقيقها, والثاني؛ أنَّكَ طَلَبْتَ أنْ تَعْرِفَه فقط دون التعويلِ على سوى ذلك, وعليه؛ فكيف يَسْتَقيم هوى الْمَطَلب الأول, مع واجبِ الأمر الثاني؟؟

إذن؛ فالسالكُ الصادقُ مَنْ يَهْتَمُّ بما كُلِّفَ به مُتَوَجِّهاً إلى اللهِ تعالى بالتَّفاعُلِ مُفْتَقِراً إليه سبحانه أنْ يُذَلِّلَ له صعابَ الوصول, وأنْ يُعيذَه مِنْ شهوةِ الكرامات وخوارق العادات, والركونِ إلى واحات تجلى في مسيرة سفره إلى الله تعالى, فَمُتَلَفِّتٌ لا يصل, وكما قال سيدي ابن عطاء في حِكَمِهِ الحِكْمة عشرون؛ [ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة! الذي تطلب أمامك, ولا تبرَّجَتْ ظواهِرُ المكوَّناتِ إلا ونادَتْهُ حقائقُها؛ (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)].     

أما سؤالُكَ عن كُتُبِ القوم رضي الله تعالى عنهم, فلا شك أنَّها نافعةٌ, لكنْ يُسْتَحْسَنُ العُكُوفُ ابتداءً على كتب الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه فيما يتعلق بالتزكية والكشف عن عيوب النفس لاسيما بداية الهداية, ثم الأربعين في أصول الدين, ثم الإحياء وخصوصاً ربع الْمُهْلِكات منه, ثم من كتب ابن عربي ابتداءً عليك بكتاب الوصايا, وكتاب روح القدس في محاسبة النفس وشطرنج العارفين بشرحِ سيدي العارفِ محمدِ الهاشمي شيخ شيوخنا, ومن كتب الإمام الشعراني كتاب الأنوار القدسية وكتاب تنبيه المغترين وكتاب العهود المحمدية رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

نعم! وغيرها الكثير, لكنْ يقيني أنَّك إذا بدأت بها غَنِمْتَ قِسْطاً وافِراً مِنْ ثقافةِ القومِ رضي الله تعالى عنهم تفتح لك آفاق الفهم لغيرها ذلك أن اصطلاحات القوم رضي الله تعالى عنهم مبنية على ضوابط سليمة رابطها السلوك السليم والعقيدة الصحيحة

غير أنه لا بد مِنْ لَفْتِ النَّظَرِ إلى أنَّ الْمَرْجِعِيَّة الصحيحةَ شرطٌ أساس في السلوك لأنَّ المرءَ في حقِّ نفسِه قاصرٌ, ولا يُمْكِنُ أنْ يَرى عَيْبَ نفسِه كما يراه مَنْ يصحبُه من الربانيين ذوي البصيرة النافذة, فالسالك بحاجة إلى صحبة من ينهضه حاله ويدله على الله مقاله.  

وأما عن الأوراد فلا مانع من الاستمرار على قراءةِ بعضِها لا كُلِّها, وذلك لِكَثْرَتِها ذلك أنَّ المرادَ الاستقامةُ عليها من غير انقطاع, كي لا تقع في الملل أو السأم, فَتُحْرَمَ بركتَها فإنَّه مِنْ أَخْطَرِ الموانع وكما قيل: [قليل وقرَّ خير من كثير وفرَّ] وأَنْصَحُ في جملةِ ذلك [بالدور الأعلى] فهو جدُّ نافع لأنه مستنبعٌ مِنْ بيانِ الله تعالى بمعروض آياته الكريمة.  

وفقك الله تعالى ورعاك وسدد خطاك ولا تنسني من دعواتك المباركات بارك الله بك.