مميز

الفتوى رقم #57718

التاريخ: 03/04/2018
المفتي: الشيخ محمد الفحام

الدعاء في حال الاضطرار

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

بسم الله الرحمان الرحيم شيخ محمد .هل التحقق بصفة الاضطرار يعني كسرة القلب ودمعة العين وقشعريرة البدن وقد ينطلق اللسان بالدعاء ويسترسل فيه وكذلك الشعور بانه لن ينجيك من مشكلتك الا الله. .فهل يجاب المضطر في حينه يعني لحظة الدعاء ام انه مع طول السنين،وهل يجاب المضطر اذا كانت له ذنوب كان تفوته الصلاة مثلا لكنه لا يقدر ان يترك هذا الدعاء الواجف الحار المسعد لانه صار لي اكثر من عشر سنين ادعو بهذا الشعور لكن لا اجد اجابة. .ارجو الاجابة مع النصيحة. . شكرا لك شيخنا الجميل

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه, وبعد؛ فإن الاضطرار حالٌ ينزل بالعبد بسبب بلاء يحبسه عن الكثير من لطائف الحياة ويُسْرِ أمره وحَظِّهِ منها, وهو في نظرِ أهلِ اللهِ من جملة النِّعم الهادية إلى سبيل المعرفة بالله تعالى والنفوذِ إلى صفاءِ التوحيدِ إذا صاحبَه أدبٌ في محرابِ شهودِ تصاريفِ القدر, وأدناه اعتقادُ أنَّ حكمةَ الْمُقَدِّرِ ولطفَه لا ينفكان عن قدره, وأنَّ موعودَه كائن لامحالة, لكنْ في الوقت الذي يريد, وذلك لِعِلْمِه بما يُصْلِحُ العبدَ وينفعه ويرفَعُه. هذا؛ وليس ما ذكرت مِنْ دمعةِ العينِ والقشعريرة بالضرورة عِلَّةَ الاضرارِ فقد تُحْبَسُ العينُ ويضغط القلب بشدة البلاء _وصاحبه في ذروة الاضطرار_ والعكسُ وارد حسب حال المبتلى, غير أنَّ أسمى الأحوال في المضطر نظره إلى المبتلي بأنَّه ربُّه وأنَّ كلَّ ما يفعلُ المحبوبُ محبوب فإن أطلقَ الدعاءَ حالَ اضطرارِه سألَ اللهَ تعالى أن يختار له الخير ويرضيه به, ولو تأمَّلْنا كلامَ اللهِ تعالى لَوَجَدْنا المعنى كامناً في طيِّ حرفه الجليل, فبيان الله تعالى يقول: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) فالاضطرار مقدمة وما بعدَها نتائجُ صعودية مِنَ الأَدنى إلى الأعلى, فَكَشْفُ السوءِ أمرٌ دنيوي أَرْضيٌّ وخليفةُ الله في أرضِه تحميلُ الأمين أمانةَ اللهِ تعالى بِتَمْكين الله تعالى كما الشأن في الخليفة الأول أبينا آدم, وتوحيدُ الله تعالى على الجوهر والمظهر أعلى المقامات التي تُجلِّي للعبدِ الحكمةَ الإلهية في كل مقدور, فكم مِنْ مُبتلىً استثمَر بلاءَه في نظامِ صبرٍ وأدب واحتسابٍ, حتى بلغَ أعلى الدرجات ورسَخَ في مقامات التَّمكين حتى إذا ما سُئل عن حاجتِه نطقَ لسانُ الحال منه بقوله: قد بلغت المرام وعِشْتَ نورَ الحكمة مِن المراد, فَتعالَوا أُعلمْكم معنى الاضطرار وطرائقَ الاستثمار, فإني كسيرُ القلب قد أوقفني حبيبي في محراب قوله القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) فأدركتُ معنى العِندية عند ربِّ البريَّة ببركة الاضطرار وذُقتُ طعمَ الرضى عن الله تعالى لما تأدَّبْتُ ففهمتُ معنى صبر أيوب الذي قيل عنه بأنه كان مصدرَ استرواحٍ لنفسه ومنهجَ أدبٍ فريدٍ حتى قال في حقِّه ربُّ العباد: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) كثيرُ الرجوع إلى الله تعالى فقد ورد في بعض الأخبار أنَّه مَكَثَ صابراً محتَسِبا في بلائه قرابة العِقدين من الزمن, ولما سألتْه زوجتُه السيدة رحمة أنْ يسأل الله العافية لبسه ثوب الحياء الذي ترجمه بقوله: إني لأستحيي من ربي أن أسأله العافية من بلائي ولما أُتَمِّمْ به مُدة رخائي, ثم لما غادرتْه زوجته ووجد نفسه وحيداً فريداً ناجى ربَّه بصورة مِنَ الأدب قَلَّ نظيرها جلَّى عنها بيانُ اللهِ تعالى بقولِه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فلنصبر ولنحتسب فإنَّ موعود الرحمن قادم بإذن الله تعالى. مع الرجاء بصالح الدعاء.