مميز

الفتوى رقم #56389

التاريخ: 23/02/2017
المفتي: الشيخ محمد الفحام

لمن يتمشدق ويتجرأ على صحيح البخاري

التصنيف: السيرة والتراجم وتاريخ

السؤال

يحكى أن هناك في كتاب صحيح بخاري يوجد هذه "قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال له ماذا لقيت قال أبو لهب لم ألق بعدكم غير أني سقيت بهذه بعتاقتي ثويبة"وقد سمعت أن أبو لهب يخفف عنه العذاب يوم الإثنين. لكن هذه كلها رؤى منامية وليست أحاديث ولا يحتج بها أيضا لأنها تخالف الكتاب والسنة وهذه الرؤيا رآها العباس عندما كان كافر ولم يعرض رؤياه على رسول الله. أنتم كيف تتعاملون مع هذه الرؤية المنامية هل تردوها ولا تأخذوا بها أم تأخذوا بها.والنبي لا يشفع لأبي لهب لأنه كافر ولا يخفف عنه العذاب لا في القبر وفي الآخرة ولا يسقى ماء من يده لا في الآخرة ولا في القبر.

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدِ الخلق رسولِ اللهِ وعلى آله وصحبِه ومَن والاه واهتدى بهديه وفَقُه أقوالَه وأفعالَه وتقريراتِه إلى يوم الدين وبعد؛ فإنَّ أول ما فوجئتُ به الجُرأةُ في أسلوبِ العرضِ بكلمةِ يُحكى وكأنَّ السائلَ يَنْقُلُ عن مَرْجِعٍ قصصي لا رابط بينه وبين علم الحديث, والبخاري أصحُّ الكتبِ بعد كتابِ الله تعالى. ثانياً؛ التداخل المقلوب في إفراز الحكم وكأنَّ المتكلم بَلَغَ سُدَّةَ التَّمْكين في مَعْرِفَةِ استنباطِ الحكمِ, ثالثاً؛ عدمُ الأمانة في نقلِ الدليل إلى مستوى يُشْعِرُ الجاهلَ بأنَّ الشاهدَ مُقْحَمٌ على الصحيح, ولاصلةَ له به لامِن قريبٍ ولامِن بعيد, رابعاً؛ التناقضُ العجيبُ في الفهم حيث ضربَ أوَّل كلامه بآخره, خامساً؛ بَتَّ الحكمَ وكأنَّه الرقيبُ على الجميع حتى على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. هذا؛ ولا أدري ماهي الركائز التي انطلق منها السائل وهو يستخف بما ذكر لاسيما البخاري حينما يقول: /يُحكى/, وكأنَّ البخاريَّ لما أوردَ الشاهدَ في صحيحه كان غافلاً ساهياً عن معنى الحديث المرسل أو المعلَّقات!؟, أم أنَّه كان عليه أنْ يستأذن السائل أو يستشيرَه لا أدري؟؟؟, خبروني ترى كيف هو موقف البخاري وأمثاله من جهابذة العلم اتجاه واحد كسائلنا الفطن النحرير!!؟؟ لو وجد في زمانه. أقول: داءُ العصر في مثل هذا الزمان أنَّ بعضَ المتشدِّقين والمتعالِمِينَ والْمُتَفَيْهقين إذا قرأوا كتاباً ظنوا أنهم هم ميزانُ القبول والرَّفض بحُكم مِزاجٍ, أو بهوى نفسٍ, أو جهلٍ في مضامين ما يحمِل, حتى إذا ما سألتَه متى بلغتَ مُدَّعاكَ ذاك أجابَك بخُيَلاء هم رجال ونحن رجال, نعم! صدق واللهِ في توصيف النوع أما في غيره فالميزانُ العلميُّ الدقيقُ هو الحاكم برغم أنفه. والآن؛ فَلْنَنْتَبِه إلى الرواية بحرفها مِن مصدرها الجليل صحيح البخاري قال: عن عروة بنِ الزبير _أي ابن العوام_ مُرسَلا أنَّ ثُوَيْبَة مولاة لأبي لهب كان أبولهب أعتقها فأرضعتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم, فلما ماتَ أبولهب أُرِيَهُ بعضُ أهلِه بشر حَيْبَة _أي بشر هَمٍّ وحاجة_ قال له ماذا لقيت؟ قال أبولهب: لم ألقَ بعدَكم, غيرَ أني سُقيتُ في هذه بعتاقتي ثويبة. قال الحافظ في الفتح والذي رأى أبالهب في المنام هو العباس بن عبد المطلب, وأنَّ أهلَ السِّير خالفوا أهل الحديث في وقتِ إعتاق أبي لهب لثويبة, فقالوا: أعتقها بعد الهجرة. وروى ابن سعدفي الطبقات أنه لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتق أبو لهب ثوبة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلةِ وكساء حتى جاءه خبرها أنها قد توفِّيَتْ. أقول: فهل ياترى يعرفُ السائلَ معنى الحديث المرسل؟ هذا أولا, ثانياً؛ هل يَعْرِفُ مَن عُروة ومَن أبوه؟ ثالثاً؛ هل يَعلم أنَّ الصحابيَّ لايتقوَّل على أحد ما لم يقل؟ رابعاً؛ هل يملك ميزانُ القبول للحديث المرسل عند العلماء كلُّ ذلك إذا لم تذكر الرواية إلا في البخاري؟ خامساً؛ وهل اطلع على الشاهد في مصادر التراجم والسِّيَر؟ أنصحه بالتوجه إلى أهل الذكر يقررون بالحرف تعليماً ما جَهِلَهُ. واللهُ الهادي إلى سواء السبيل. ختاماً؛ لما ذكر الحافظ في الفتح احتمالَ عدمِ القبول وأنها مجرَّد رؤيا منامية قائلاً: ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلمَ بعدُ أبقى باب الاحتمال مفتوحاً وذلك لعلمِه بقولِ أهل العلم باحتمال أنه كانَ مؤمناً كاتماً إيمانه ليبقى عينَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على قريش, لكن الحافظ بعدها قال: وعلى تقدير القبول _أي أنَّ العمل الصالح ينفع الكافر_ فيُحتمل أنْ يكونَ ما يَتعلَّق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً من ذلك بدليل قصة أبي طالب كما تقدم _أي في الصحيح_ أنَّه خَفَّفَ عنه فَنُقَلَ من الغمرات إلى الضَّحضاح _أي من القعر إلى قريب السطح_ يقول الإمام البيهقي: ما وردَ مِن بُطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلُّصُ من النار ولا دخولُ الجنة ويجوزُ أنْ يُخففَ عنهم مِن العذابِ الذي يستوجبُونَه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وقال ابن المنير: هنا قضيَّتان إحداهما؛ مُحالٌ وهي اعتبارُ طاعةِ الكافرِ مع كفره لأنَّ شرطَ الطاعةِ أنْ تقعَ بقصدٍ صحيح وهذا مفقود من الكافر. الثانية؛ إثابةُ الكافر على بعض الأعمال تفضُّلاً من الله تعالى وهذا لا يُحيلُه العقل, فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربةً معتبرة, ويجوز أنْ يتفضلَ الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب ثم قال: _أي ابن حجر_ قلت: وتتمة هذا أن يقع التفضُّلُ المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البرُّ له ونحو ذلك والله أعلم. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/ 124_ 125/. والملاحظ أن أهل العلم جميعا يشيرون إلى مسألة تخفيف العذاب لا أنه من أهل الجنان والكلُّ متفائلون بهذا الاستنباط أنَّه أعتقها فرحاً بولادة الحبيب صلى الله عليه وسلم فخفف عنه العذاب وهو كافر فكيف بالمؤمن إذا مات على الإيمان والتوحيد كما قال الحفظ شمس الدين ناصر الدين الدمشقي في كتابه مولد الصادي في مولد الهادي: إذا كان هذا كافراً جاء ذمُّه وتبت يداه في الجحيم مخلَّداً أتى أنه في يوم الاثنين دائما يخفَّفُ عنه للسرور بأحمدا فما الظنُّ بالعبد الذي كان عمره بأحمدَ مَسْروراً وماتَ موحِّداً والخلاصة أن إغلاق فسحة العلم وطرائق الاستدلال ليس من العلم الصحيح بحال.