مميز

الفتوى رقم #45784

التاريخ: 21/04/2014
المفتي: الشيخ محمد الفحام

المشغول بالكرامات غارق في الظلمات

التصنيف: العقيدة والمذاهب الفكرية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي وقع في يدي كتاب يقول صاحبه أنه على منهج اهل السنة والجماعة الاشاعرة.. ولكنه كتب بعض كراماته .. التي يقول فيها 1: يزورني جبرائيل 2: موكل بزاويتي ملك من الملائكة 3: عندي ملك يعالج المرضى 4: عندي ملك موكل بروحانية كل من يحضر مجلسي . 5: كذلك يحيط بي 15 ملكا . ........................... سيدي ما قولكم في ما كتبه .. وبماذا يرد عليه وكيف نرشد الشباب المتعطش للخير عند لقائهم بامثال هؤلاء الرجل وقراءة كتبه .. أفاد الله بكم ونفع بعلمكم

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, أقول أخي الكريم: إنَّ سببَ المعضلة المذكورة يكمُنُ في غياب العقيدةِ السليمةِ الضامنةِ سلامةَ الإيمان, فعقيدةُ الإسلام عقيدةُ التوحيد لتحقيقِ مقامِ العبوديةِ لله تعالى, وتجريدِ القلبِ عن الانشغالِ بسواه, والعبادةِ الخالصة هي التي تُزكي القلبَ حمايةً له من باطن الإثم كالرياء والعُجْبِ والغرور. وعليه؛ فالمشغولُ بالكرامات وإبرازِها عبدٌ لها لا لخالِقِها ومُقدِّرها, وغارقٌ في ظلمات الشرك الخفي الدالِّ دلالةً قاطعةً على عيش المغرور في مشتهى النفس! نعم! وإنْ ظهرتِ الخوارقُ على يديه فالمغرور مستدرَج علم أم جهِل . هذا؛ ولو جرَّدْنا بعض معروضِ الكتاب لوجدنا من المخالفات العقائدية _فضلاً عن التربوية_ ما يشير إلى غرضِ النفس في إظهار مشتهاها المختصرة في "الأنا" ومن قال "أنا" أصابَه العَنا أولاً؛ أنْ يَدَّعيَ نُزولَ جبريل عليه السلام وجبريلُ ملَكُ الوحي المختص بالنزول على الأنبياء طامة ٌكبرى , والخوف أنْ يتطور الادِّعاء إلى ظن نزوله وحياً كالأنبياء, ومعلومٌ أنه لا نبيَّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم حكمُ الشرع في المدعي ذلك أعاذنا الله تعالى. ثانياً؛ أن يدَّعيَ الخصوصيةَ في وكالةِ ملَك به أو بزاويته دون غيره فذلك دليلُ قصور النظر في معرفةِ الصحيح من الخبر الذي نطق به سيد البشر بقوله: (إنَّ لله ملائكةً يطوفون في الطريق يلتمسون أهلَ الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلُمُّوا إلى حاجتِكم، قال: فيحفُّونَهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا...) والسؤالُ المعروض هنا فهل يا ترى أهل الذكر المذكورون في الحديث هم فقط أهل مجلس ذلك المدعي أمْ أنَّ فيه إشارةً إلى كلِّ مجلس ذكرَ اللهَ أهلُه على ذلك النظام التام الذي يُحرِّكُ ملائكةَ ربِّ الأنام فيشاركونه تشرفاً وإيناساً؟؟ في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: (ما أجلَسَكُم؟) قالوا: جلسنا نذكرُ الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال صلى الله عليه وسلم: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك)؟ قالوا: واللهِ ما أجلسَنا إلا ذاك. قال صلى الله عليه وسلم: (أما أني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) والأحاديث في ذلك مستفيضة, هذا؛ ويُلاحظُ فيها لفتُ النظر إلى تجرُّدهم بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم وبُعدِهم عن الادِّعاء أو الرياء أو حتى العجب بالعمل، لذا فليس من شأن الربانيين مَدْحُ أنفسِهم أو إِبْرازُ شخصِهم أو التباهي بعَمَلِهم وذلك بشَغْلِ قلوبهم بما خُلِقَتْ من أجله، فَحَميدُ الثمر مرهونٌ بصفاء العمل, وصفاءُ العملِ مرهونٌ بالبُعد عن الأنا, ولا يَبْعُدُ المرء عن الأنا إلا إذا عافاه الله من الغرور بِرَدِّ الفعل إلى صاحبِه على الحقيقة ألا وهو خالقُه والموفِّق إليه. يُعلَمُ مما تقدَّم ردُّ ادعائه بأنَّ لديه خمسة عشر ملكاً يُحيطون به لأن ذلك ليس له بل الأصلُ ما قدَّره الله من الأزل أن يكون للبشر لا سيما أهل الإيمان حَفَظَةٌ ومعقِّباتٌ موكلون به تتعقَّب في حِفْظِه يأتي بعضهم بعقب بعض كالحرس يحفظونه بأمر الله من الأخطار والمضار (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). ثالثاً؛ أنْ ينسب مجلساً يُذكَرُ فيه اسمُ الله لنفسه بقوله مجلسِي وعملي منتهى الغرور والاستعلاء لأنه ما عُرف عن أهل الله ادعاء أنهم خيرٌ من غيرهم أو مميَّزون عليهم بكرامات أو خوارقِ عادات فلا يأتي على مثل هذا إلا الظالم لنفسه. أخي الطيب؛ رُدَّ الشبابَ المتعطِّشَ للخير إلى أهل التربية الربانيين الذين يؤثرون غيرَهم على أنفسهم بحب الخير لهم, ويؤثِّرون بحالهم قبل قالهم وهم في بلادنا كثير والحمد لله وأوقِفْهُم عَبْرَ أهل التحقيق من أهل العلم على الدليل وحكم الله في كل أَمْرٍ، وبلِّغِ الكُلَّ أنَّ الدينَ حجةُ على الناس وليس الناسُ حجةً على الدين؛ وعليه فكُلُّنا في ميزان الشرع سواء وبَلِّغْهُمْ أنَّ الدينَ مصدرُ النجاةِ ولا بد من تَلَقِّيه عن أهله, وأهلُه هُمُ الذين استقاموا لا الذين مالوا، ولْيَعْلَمِ الجميعُ أنَّ معرفةَ الدليلِ حيالَ كلِّ ادعاء هو مَصْدَرُ النجاةِ ومُنْطَلَقُ الحُجَّةِ للردِّ على أولئك الأدعياء المتعالمين. وفقك الله لحمل تلك الأمانة وبارك في عملك ويَسَّرَ عليك المقصِدَ الحسنَ مع الرجاء بصالح الدعاء.