مميز

الفتوى رقم #45705

التاريخ: 21/04/2014
المفتي: الشيخ محمد الفحام

من يشكك بالحديث النبوي ينبغي التحذير منه

التصنيف: العقيدة والمذاهب الفكرية

السؤال

السلام عليكم ورحمةالله وبركاته فضيلة الشيخ محمد الفحام لدي معلمة توحيد في المدرسةفي السعودية تقول للطالبات بان القران الكريم موثوق به تماما ولاشك فيه اطلاقا لأنه كلام الله تعال اما بالنسبة للاحاديث فياخذ بها ويعمل ولكن صحتها بنسبة اقل من 98بالمئة لانها وصلتنا عن طريق البشر والبشرمعرضون للاخطاء وربما سقط شيئا من ناقلي الحديث من زمن النبي محمد صى الله عليه وسلم الى زمننا هذا سهوا ولكن كلام الرسول صحيح تماماولكن الشك في نقل الصحابة او من اتى بعدهم مع العلم بان هذه المعلمة قد انكرن عليها بعض الطالبات كلامها وقيل لها بان السند صحيح ومتواتر وهناك علم اسمه الجرح والتعديل يدرس سيرة رواة الحديث و حرصهم على نقله و صحته وان السنة النبوية محفوظة من الله ولكنها لم تقتنع بل وتقول لاو إنما البشر معرضون للخطأومع العلم ايضاانها لاتستند ولاتعتمد على شيخ موثوق به هذا ما يظهر من كلامها وانها تسمع من اي شخص يتحدث في الدين و هناك امور كثيرة هي من اجتهاداتها فما رأيك فضيلة الشيخ هل اتحدث معها مرة اخرى وانكر عليها ؟ وماذاينبغي علي قوله لها ؟مع العلم بأن اكثر من نصف طالبات المدرسة يتأثرن بكلامها جدا ارجوا منكم التوضيح و الكلام المقنع المفصل وجزاكم الله خيرا

الجواب

وعليكم السلامُ ورحمةُ الله وبركاته, وبعد؛ فإنَّ أخطرَ شيءٍ في هذه المسألة أنْ ينسحِبَ مدخلُ التشكيك إلى كتاب الله تعالى لأنه أيضاً وصلَنا بالتواتر عن طريق سلسلة البشر الثقات الذين تلقَّوا بيان الله تعالى القرآن الكريم عن أمثالهم إلى التابعين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل إلى ربِّ العزة, ثم إنَّ هذا الأسلوبَ من التشكيك في الأصل إنما هو نزعةٌ استشراقية لحلِّ عَقْدِ توثيق الدليل الرابط بين الكتاب والسنة ذلك أنه إذا سقَط منه حبة انفرطَ العقد بأكمله, والمراد بالتشكيك إخراجُ الدليل عن قدسيته, وهو نوع من أنواع المحاربةِ لدين الله تعالى, وأقول: فلا غرابةَ أنْ يصدرَ ذلك من أعداءِ الدين الحاقدين عليه حسدا وبغضاً, ولكن الغرابة كلَّ الغرابة أنْ ينتهجَ تلك الأفكار الهدامةَ ويتبناها مَن هُمْ منا بل وينتمون إلى نظام الدعاة تعليماً وتوجيها. والجوابُ الحاسمُ في الرجوع إلى القواعد العِلمية وتذكير تلك المعلمة بأنَّ المولى سبحانه هو أولُ مَن أسندَ حِفظَ القرآن والدين إلى نفسه من عنده وحياً على قلبِ نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي بلغنا عنه وحي ربه القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) والذي تضمَّن آياتِ التوجيه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يبيِّن للناس ما نُزِّلَ إليهم قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وجاء الأمر الإلهي بالأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فلو شكَّكْنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان تشكيكاً بكتاب الله تعالى الذي تعهَّد بحفظ الدين, لذا كان من علاماته أنْ بَرَزَ منذ الصَّدْرِ الأول ذلك الإعجازُ العلمي الذي يُسمى الإسناد أو السند والذي هو سلسة الرجال الذين نقلوا الحديث عن بعضهم بالسند المتصل إلى قائله رسول الله صلى الله عليه وسلم, أخرج مسلم عن ابن المبارك رضي الله عنه قال: الإسنادُ من الدين, ولولا الإسنادُ لقالَ مَن شاء ما شاء, وقال الثوريُّ: الإسناد سلاحُ المؤمن. هذا وقد برعَ علماءُ الحديث في علوم الاصطلاح, وبرع جهابذتهُم فيما يُسمى بعلمِ الجرح والتعديل حتى بلغوا مُستوى التمكُّن مما هو مَقول النبي صلى الله عليه وسلم أو مكذوب عليه, وبلغوا ببركة هذا العلم المعرفة الهادية إلى الخبر الموثوق ووقفوا حيالَ كتب الحديث على ميزان القبول بحزمٍ ثم أكرم الله الأمة بالصحاح التي لاشك فيها إلى مستوى مبلغِ اليقين بالجامعين للبخاري ومسلم أنه لو حَلَفَ المسلمُ بالطلاق على أنَّ ما في الصحيحين هو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحنَث في يمينه, وذلك ببركة ذلك النَّخْلِ المدهش لمعرفة أصلِ الخبر بفنَّيْ المصطلح والجرح والتعديل في معرفة الرجال ودرجةِ قبولهم, فلو رجَعْنا إلى متنٍ من متون الحديث في البخاري مثلا ووقفنا على سلسة الرواة رجالِ السند لوجدنا أنفسنا بين يدي جبالٍ من العلم راسخة من صالحي الأمة هم رجال البخاري. لذلك فمن الضروري دراسةُ هذا الفن لمن عنده أدنى شك من أجل أن يدرك تلك الحقيقة, وذلك الإعجاز المترجِم موعودَ الحق القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وخذي هذه اللطيفة؛ قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: صنَّفْتُ كتاب الصحيح لِسِتَّ عشرةَ سنةً خرَّجْتُهُ من ستِّمائة ألفِ حديثٍ وجعلتُه حجةً بيني وبين الله. وقال رضي الله عنه: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام وكأني واقفٌ بين يديه وبيدي مِروحة أَذُبُّ عنه صلى الله عليه وسلم، فسألتُ بعضَ المعبِّرين فقال: أنت تَذُبُّ عنه الكذبَ. فقال رضي الله عنه: فهو الذي حَمَلَني على إخراجِ الصحيح، وقال الفِرَبْرِي: قال البخاري: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين. هذا؛ ومن شواهد الحفظ الإلهي لحديث نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم أنها لم تنحصرْ أسانيدُها الصحيحة في البخاري ومسلم بل لم يستوعِبا الصحاحَ كلَّها يقول البخاريُّ: ما أوردتُّ في كتابي هذا _أي الجامع الصحيح_ إلا ما صحَّ ولقد تركتُ كثيراً من الصحاح، ويقول الامام مسلم: الذي أوردتُّ في هذا الكتاب من الأحاديث صحيح، ولا أقول ما تركْتُ ضعيف _أي هنالك الكثير مما تركت هو من الصحيح أيضاً_ . من أجل هذا كانتِ المستدركات كمستدرك الحاكم وغيره، وحينما تجدُ جهابذةَ العلم يتلقَّوْن الكتبَ بالنَّخْلِ والتقرير على قواعدِ التلقِّي الصحيحِ والنَّهْجِ الذي تفرَّدَ به علماءُ المسلمين نُدركُ أهميةَ علوم الحديث التي جعلَها اللهُ مَظْهرَ إعجازِه فكثيراً ما نَمُرُّ على حديث الحاكم مُقَرراً بالصحة الدامغةِ للحافظ الذهبي مرورَ الكرام ولا نسأل أنفسنا عن مثل هذا التقرير. ختاماً؛ أنصحُ بِلَفْتِ نَظَرِ المعلمة إلى ضوابطِ علومِ الحديث وإعلامِها أنَّ هنالك نظاماً يُغني عن كلامِها, وثوابتُه معرفةُ درجة كلِّ حديث وتقريرُ معنى التخريج بتقرير جمهور العلماء وبدلاً من التشدُّق بحدِّ النِّسَبِ فنجعل من الكَمِّ الهائل الصحيح مشكوكاً فيه أنْ نقولَ: "صحيح" ثم نعرف الصحيح وأن نقول: "حسن" ثم نعرف الحسن، وأنْ نقول: "ضعيف" ثم نعرف الضعيف، وأن نقول: "موضوع" ثم نعرف الموضوع، وأن نربط بين ضوابط قبولِ الحديث والحكم الشرعي بتقرير أهل الاختصاص من الفقهاء وأنَّ المنطلقَ في هذا قوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ). فإنْ أَبَتْ الضوابط المذكورة دلَّ على أحدِ أمرين إما جهلها فالواجب كفُّ يدِها عن التعليم حتى تتعَلَّمَ، وإما على أنها مُغرضة فالواجب كفُّ يدِها وإنْ تعلَّمَت. أقول: إنَّ من الدِّلالات على ذلك الأخذ والتلقي دون تثبت وهو شأنُ الجهال لأنَّ أهل النظر هم أهل الاختصاص الذين تلقَّوْا العلم كابراً عن كابر عن أهله. أنصح إنْ لم تستجِبْ بِلَفْتِ نظرِ مُدَرِّسَةِ الأصول ومُدَرِّسَةِ علومِ الحديث بِكَبْحِ جِماحِها فإنْ لم تَسْتَجِبْ وجب شرعاً التحذيرُ منها أسأل الله تعالى لي ولكم السداد والرشادَ آمين.