مميز

الفتوى رقم #43930

التاريخ: 22/12/2013
المفتي: الشيخ محمد الفحام

التوبة من كبيرة الزنا بعد المداومة عليها

التصنيف: جنايات وأقضية

السؤال

وقع أحدهم فى كبيرة الزنا مرات كثيرة فهل من توبه ام يجب ان يقام عليه الحد لكى تمحى من اعماله ولا يسال عنها فى الدنيا والاخره...

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسولِ الله رحمةِ العالمين وسبيلِ الصلاحِ إلى الناس أجمعين, وبعد؛ فليس الاعتراف بالمعصية بين يدي أحدٍ مَكْرُمَةً أو مِن لوازم التوبة أو شروطها, بل الأصل أنه (إذا ابتُليتم بالمعاصي فاستتروا) وللتوبة شروطٌ مُعَيَّنَةٌ إذا تحقَّقت غَنِمَ صاحبُها القبول دون شك, والتي هي؛ الإقلاع عن الذنب, والندم, وعقد العزم على عدم العود, فإنَّ ربي واسعُ المغفرة, وعفوٌّ كريم يحب العفو, وحييٌّ سِتِّير يحب الحييَّ والستِّير, ومهما كان الذنب عظيماً فإنَّ عفوَ الله تعالى أعظم. وأما أمر الحدِّ فلإقامته شرطان, الأول؛ أربعةُ شهود رأوا الفاحشة عيانا ومن غير لَبْس, والذي إذا تحقق دلَّ على انحدار المجتمع إلى مستوى الحيوانية, وانحلالٍ خطير يحتاج إلى تقويمٍ حازم نسأل الله العفو والعافية. الثاني؛ أمرً الحاكم ولا يجوز تركُه للأفراد والعامة لأنه لو تُرك لهم لفتح باب فتنة بين الناس لا يُغلق أبداً وذلك باتهامهم بعضهم بعضا لأدنى شك أو خبر أو أحقاد شخصية أو حتى خلاف, والإسلام دين الحكمة والحزم. غيرَ أنَّ أهمَّ جُزء في السؤال هو أنه هل لا تمحى عنه إلا بإقامة الحد أم أنه تكفيه التوبة بشروطها, والإنابة إلى ربه؟ أقول لو أننا تأمَّلنا حديثَ ماعز الذي جاء يشهد على نفسه بالزنا بين يدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنَّ رغبة الرحمة المهداة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه أن لا يفضح نفسه, بل أن يُبْقِيَ عليها بالسِّتْر لكفايتها بالتوبة, فلا ينبغي أن يفعل وقد سَتَره الله تعالى, ودونك الرواية بنصِّها روى الشيخان وغيرهما: (جاء ماعز الأسلمي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه, ثم جاء من شقِّه الآخر فقال إنه زنى, فأعرضَ عنه, ثم جاء من شقه الآخر فقال: إنه زنى فأمر به في الرابعة فأُخْرِجَ إلى الحَرَّة فرُجِمَ بالحجارة, فلما وَجد مَسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ فلقيه رجل معه لَحْيُ جملٍ فضربه به وضربه الناس حتى مات, فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هلّا تركتموه) يشير إلى سقوط الحدِّ بالفِرار. وفي رواية؛ قال له: (أبك جنون)؟ قال: لا وفي رواية: (لعلك قَبَّلْتَ, أو غمزت, أو نظرت..) تعرضٌ له بالرجوع عن الاعتراف والستر على نفسه... ففي الحديث؛ إشارة إلى مطلب الستر والرجوع إلى الله طمعاً برحمته, وعدم الإفصاح, فإنَّ صدقَ التوبة يَغني بإذن الله تعالى, وكذا كثرة التبتُّل على بابه أن يعفو ويغفر ويقيل العثرات, والحثُّ على ذلك مطلبٌ شرعي وجيهٌ لأنَّه محبوبُ المولى سبحانه. بلِّغْ صديقك بلاغَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أنْ لا يفضح نفسه, وانصحْه بالبعد عن مذكِّرات الفاحشة, ولْيَجتنب مقدماتها على الإطلاق, وليدخل روضة النور الإلهي بدوام الطاعة والاستغفار, والإنابة إليه بطهارة الحس والمعنى فإنه شأن يحبه الله تعالى وهو القائل سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وهو القائل أيضاً: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) ثم ليكثر من هذا الدعاء النبوي الشريف: (اللهم اقْسِمْ لنا من خشيتك ما تَحُول به بيننا وبين معاصيك, ومن طاعتك ما تُبَلِّغُنا به جنتك, ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا, ومتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتِنا ما أحيَيْتَنا, واجعلْه الوارثَ منا, واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا, ولا تُسَلِّطْ علينا بذنوبنا مَن لا يرحمنا) ثم ليحافظ على الصلوات في أوقاتها, وليكثر من الحسنات لأنها تُذهبُ السيئات كما أخبرنا بيانُ الربِّ الرحيم: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) وليُعْرِضْ كلَّ الإعراض عما كان عليه من فِكْرٍ مُرهق ورفقةٍ فاسدة مُهلكة, وليصحبِ الصالحين وأهلَ الإيمان فنبيُّنا يوجِّهُنا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) وليَعِشْ أُنْسَ القَبول بروح الإقبال على مولاه وإني لأدعو الله له دعوةَ أخٍ لأخيه في ظهر الغيب أنْ يخرجه من ذلِّ المعصية إلى عزِّ الطاعة إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير. مع الرجاء بالدعاء.