مميز

الفتوى رقم #3499

التاريخ: 11/07/2019
المفتي: الشيخ محمد الفحام

الأسباب خادمة لقضاء الله

التصنيف: العقيدة الإسلامية

السؤال

السلام عليكم شيخي الفحام... سمعت لشيخي البوطي رحمه الله درس او دروس كثيرة مضمونها أن لانعول ع الأسباب وان الأسباب خادمة لقضاء الله وقدره وسوابق الهمم لاتخرق اسوار الأقدار وبأن اذا اراد الله شي هيأ اسبابه لحصوله .. لكن الآن وصلت لمرحلة يداخلني شك وأرفضه من خلال كلام الناس لي بأن اذا لم اركد وراء رزقي لن يأتي ... مثال اذا لم اذهب وانخرط بالمجتمع الذكوري او إن لم انشر صورتي ع الفيس او ان لم أقوم بوضع المكياج لاحسن مظهري فإنني لن اتزوج .. وهل فعلا" ركدي وراء هذه الامور تلعب دور في قدر الله؟؟؟؟ ارجوكم أريد جواب يعيد ثقتي ويقيني بقضاء الله وقدره وبحكمته لاني وصلت لمرحلة سيئة جدا ... وهل تأخر الإجابة لسنين طويلة تدل ع سخط الله ... وجزاكم الله خير ارجو منكم الدعاء

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, وبعد, فإنَّ الأَمْرَ يتعلَّق بِثابِتَتَيْنِ؛

الأولى: بمسألة العمل بالأسباب للأمر الإلهي: (وقل اعملوا) ولا يُجَسَّدُ إلا بِرَبْطِ السبب بالمسبب وذلك هو تطبيقُ الشريعة. الثانية: عدمُ الاعتمادِ على الأَسبابِ لأنَّها مَخْلُوقَةٌ وهي ملكُ خالقِها الْمُتَصَرِّفِ سبحانه, وعليه؛ فالْمُعَوَّلُ عليه إنما هو مَفْهومُ التوكُّلِ المترجِم لمعنى التوحيد الخالص مِنَ الداخلِ القلبي مِنَ العبد المكلَّف, وذلك هو التوحيد المترجِم لركن الدين الثاني الإيمان, فالعمل بالأسباب تشريع, وعدمُ الاعتماد عليها _أي: بل على خالقها_ تحقيق بمقام التوحيد, ومِن ذلك قول علماء التوحيد: [العمل بالأسباب واجبٌ شرعيٌّ وعدمُ الاعتمادِ على الأسباب واجب شرعيٌّ آخر] مِنْ هنا يُدْرَكُ كلامُ الإمامِ ابنِ عطاء عليه الرحمة والرضوان (سوابقُ الهمم لا تخرقُ أسوارَ الأقدار) أي: أنَّ الخالقُ هو الْمُوَفِّقُ والْمُيَسِّرُ لِتَجْسيدِ وصفِ الاختيار لدى العبدِ الْمُكَلَّفِ بكلامِ مولاه القائل في محكم بيانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) أي دللناه على طريقَي الخير والشر. فهو الخالق لكلِّ شيءٍ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ, وذلك من توصيف مقامِ الأُلوهيَّة الواضح في الكثير من بيان الكتاب العظيم, من ذلك قوله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وقوله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وإلا لَوُصِفَ مولانا بالعجز وذلك محال لأنَّه مخالفٌ لمقام الألوهية.

ولعلَّه غدا الآن واضحاً مَفْهُومُ العملِ بالأسبابِ في نظام الشريعة الإسلامية أنْ تختاري لنفسِك ما يُرضيه لا ما يُغْضِبُه سبحانه وقد علمنا أنه الْمُيَسِّرُ والْمُوَفِّقُ لأنَّه خالقُ كلِّ شيء ولا يُعْجِزُه شيءٌ سبحانه, وهو الفعَّالُ لما يُريد, تأمَّلي معي قوله سبحانه: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ) أي الذين آمنوا به خالقاً ومُقَدِّراً وموفقاً ومُيَسِّراً وقد اختاروا لأنفسهم ما يَنْفَعُهم _بخلْقِ اللهِ تعالى ومُرادِه_ في الدنيا والآخرة, وعليه؛ يُعْلَمُ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ لما ذكَرْتِ لأنَّه مخالفٌ لِلأَمْرِ الإِلهي أي: الشريعة.

ختاماً؛ احْرِصِي على الالتزام بشرع الله تعالى في نظام التقوى والصلاح على المنهج النبوي الهادي تفرجْ الكربات وتقضى الحاجات لأنَّ الفارجَ اللهُ قال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)

اللهم ارزقنا الفهم عنك وخصَّنا بما تُحب لنا وترضاه يا مولانا, ويسِّر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا والسلامة والعافية لنا في ديننا ودنيانا وأخرانا آمين آمين يارب العالمين.

مع الرجاء بصالح الدعاء