مميز

الفتوى رقم #3474

التاريخ: 27/12/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

لا تقنطوا من رحمة الله

التصنيف: العقيدة الإسلامية

السؤال

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركات أذنبت ذنباً كبراً وتلفظت بما فيه نيل من الذات الإلهية والعياذ بالله ومنذ ذلك الحين وانا أشعر بأن صلاتي و صدقتي وعبادتي لم تعد تنفعني الان انا اريد التوبة فعلا لكني غير مقتنع ان الله سيغفر لي ارجوكم اجيبوني بتفصيل حتى اقتنع من ان الله سيقبل توبتي و اخبروني جزاكم الله كيف اتوب مسالة اخرى فيما يخص : قَوْلُ الله تَعَالَى (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.. (66)) [التوبة]. هل كانوا قد سبو الله ام استهزءوا به ? و هل هي نفس حالتي ? و هل تابو و غفر لهم ? لقوله لا تعتذروا ! و هل هناك من سب الله و غفر الله اريد حالة واحدة لشخص واحد سب الله و غفر الله حتى اطمئن و اعود لديني و ارضي الله و الله اني نادم اشد الندم و حياتي اصبحت جحيما لا يطاق

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته؛ أخي الكريم اعلم أنَّ أَجْلَى دليلٍ على فَتْحِ بابِ القَبولِ هو قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) وأنت مِمَّنْ يشاؤه اللهُ تعالى إنْ شاءَ اللهُ تعالى بدليلِ رجوعِكَ إلى الله تعالى عَبْرَ التوبةِ بِشروطِها، والتي هي؛ الإقلاعُ عن الذَّنْبِ، وعَقْدُ العَزْمِ على عَدَمِ العَوْدِ إليه، والنَّدَمُ. والسَّيِّدُ الأَعظمُ صلى الله عليه وسلم يقول: (الندم توبة) ومعنى النَّدَمِ في اللغةِ: الحَسْرَةُ. ومن المسلمات أن أكرم الأكرمين إذا أراد أمراً هيأَ أسبابه، وأسبابه فيك ظاهرة لا سيما شدة خوفك من الله تعالى.     

هذا؛ وإنَّه لَمن الوضوحِ بمكان تَحَسُّرُكَ على نَفْسِكَ فيما صَدَرَ عنها، فَيَنْبَغِي أنْ يكونَ تَحَسُّرُكَ بريدَ رجائك بالقبول، وطَمَعِكَ برحمتِه سبحانه لا أنْ تَيْأَسَ مِنْ رحمة الله تعالى، فتخالفَ أمر الله تعالى القائل: (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وقوله تعالى: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) فَحُكْمُكَ على نَفْسِكَ بالكُفْرِ بعد التوبةِ وتجديدِ الإيمانِ بالشهادتين مخالِفٌ لِحُكْمِ الشرع بالإجماع. ذلك أنَّه إذا كان الْمُرْتَدُّ عن الدِّين بإرادتِهِ وقَصْدِهُ الخروجَ مِنْ الدِّين غيرَ مُكْرَهٍ ولا مَضْغوطِ النفسِ إذا كان هذا المرتد بذلك التوصيف كافراً يُسْتَتَابُ، وإذا رجعَ وأنابَ وجدَّدَ الشَّهادَتَيْن قُبِلَ وقيل له [الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ]، فكيف لا تُقْبَلُ أنت وحالَتُكَ مختلِفَةٌ عن ذلك أنَّكَ نَطَقْتَ بها في حالةِ هيجانٍ وغَضَبَ، ثم نَدِمْتَ ورَجَعْتَ بسرعة؟؟

نَعَمْ! إنَّ ضابط الشَّرْعِ فيها واحدٌ أنَّ مَنْ يتلفظ بما تَلَّفْظْتَ به يَتَرَتَّبُ عليه تطبيق تلك الضوابط وقد التزمتَ بها وانتهى الأمر لذا فَدون شك؛ إنَّ شعوركَ بعدمِ  القَبُولِ، وبَأَّنَك ما زِلْتَ كافراً بابٌ شَيْطانيٌّ يُرادُ منه إِخْراجُكَ من دائرةِ الرحمة الإلهية، وواجبُكَ الشَّرْعِيُّ تجاهَهُ أنْ تقابِلَهُ بالحَزْمِ دون تَرَدُّدٍ لِتُرْضِيَ الرَّحمنَ في بيانِه الجليل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فهل مِنَ الأَدَبِ مع الكريمِ الغفور أنْ يُقْبِلَ عليكَ بالمغفرةِ والقَبولِ والسَّتْرِ وتُدْبِرُ أنتَ عنه بالوَهْمِ والشَّكِ؟؟!

وهنا أقول: تُرى ما الذي يَمْنَعُ مَولاكَ مِنْ قَبُولِكَ لا سيَّما وأنَّه الفعَّالُ لما يُريد ويُحبُّ الْمُقْبِلين عليه والتائِبين مِنْ أجْلِهِ قد أَعْلَنَها في بيانه الجليل بقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ثِقْ بمولاكَ وأَقْبِلْ عليه بالطاعةِ والإِنابَةِ، واسْتَقْبِلْ مِنْ أَمْرِكَ ما يرْضِيهِ عنك من تطبيقِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نواهيِه فإنَّه أَرْحَمُ الراحمين، وخُذْ في الختامِ هذه البشارةَ النَّبَوِيَّةَ روى أحمد والترمذي بإسناد حسن عن أنس بنِ مالِكٍ سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ على ما كانَ مِنْكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ لو بَلَغَتْ ذُنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثم اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، إنَّك لو أَتَيْتَنِي بِقُرابِ الأرضِ خَطايا، ثم لَقِيتَنِي لا تشْرِكُ بي شيئاً لأَتَيْتكَ بِقرابِها مَغْفِرَةً)

أما سؤالُك عن قولِهِ تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) ينبغي العلمُ بأَنَّها نَزَلَتْ في الْمُنافِقِين الذِين كانُوا قد اسْتَخَفُوا بآياتِ اللهِ تعالى لِعَدَمِ الإيمانِ بها أصلاً ذلك أنهم مِمَّنْ يُظْهِرونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ احتيالاً على الدِّينِ وأَهْلِهِ نُصْرَةً لِلمُشْرِكين وكَيْداً بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه الكرام رضي الله تعالى عنه من المؤمنين لا سيَّما وأنَّ اعْتذارَهُمْ كان لِلتَّنَصُّلِ مِنَ الذَّنْبِ الذي ارتَكَبُوهُ لا لِنَدَمٍ مَزَّقَ فؤادَهم، أو حَسْرَةٍ ردَّتْهم إلى الحقِّ والهِداية، بل لأنَّهم أرادوا تكذيبَ الصادقين في الإخْبارِ عن فِتْنَتِهم، فَهُمْ في وادٍ وحالَتُكَ في وادٍ آخَرَ ولا تَقابُلَ بينهما على الإِطلاقِ، وبإِمْكانِكَ مُراجَعَةُ الآياتِ وأسباب نزولها في أيِّ كتاب من كتب التفسير المعتمدة كتفسير ابن كثير والقرطبي والخازن.  

ثبتك الله تعالى بقوله الثابت وأعاذك من همزات الشياطين ووساوسهم، وأَصْلَحَ بالَكَ بما هو أهله عد إلى محراب العبادة وأكثر من ذِكْرِ المعبودِ سبحانه، ولا تنس أنْ تَخُصَّنا بدعوةٍ صالحة فإنَّ أمثالَكَ يقالُ له: (التائبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ له) أي فهو مَظِنَّةُ استجابةِ الدعاء.