مميز

الفتوى رقم #3470

التاريخ: 20/12/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

كيف أحب الله حباً يوصلني إليه

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحمَدُ اللهَ العظيم ربِّ العرش العظيم على أن جَعَلَني أدخل هذا الموقع الذي قد تَشَبَّعَ بفتاوى و توجيهات كبار منهم الشيخ العلامة الشهيد السعيد رحمه الله تعالى و غيره الكثير ... أرجو أن يجاوبني الشيخ محمد الفحام على هذا السؤال . سؤالي هو كيف أُحب الله حُباً يوصلني إليه و كما أن لهذا الحُب قيمة كبيرة لدرجة ان الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى، قال ليس لدي عمل ألقى به الله سوى محبتي له و قالها و هو يبكي لكن لدي قلب ينبض بحب الله . سؤالي هو كيف أصل إلى هذه المرتبة الراقية . وكيف يكون حبي لله وسيلة للوصول إليه ، و قد ذكر الشيخ احمد الرفاعي رحمه الله تعالى أن طريق الوصول إلى الله بخطوتين، أولها أن تتذلل بين يدي الله و ثانيها الوصول إليه. كيف أتذلل إلى الله تعالى و أتصرف نصرف العبد و أكون مُحققاً لآداب العبودية لله و أكون أهلاً الدخول على حضرة الله . فإنني كلما أقرأ المناجاة العطائية أشعر بأني كاذب

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته؛ في البدايةِ أسأَلُ اللهَ تعالى أنْ يَجْعَلنا جميعاً عند حُسْنِ ظنِّك وظَنِّ عباده، وأنْ نكونَ نحن الخُدَّامَ في هذا الموقعِ حَسَنَةً مقبولَةً مِنْ حَسَناتِ سيدي الإمامِ الشَّهيد السَّعيد، وأنْ يَحْشُرَنا جميعاً مَحْشَرَهُ تحت لواءِ سيِّدِ المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين آمين.

سيدي العزيز! إنَّ مِفْتاحَ مَطْلَبِكَ في يَدِكَ وجَوهَرَه في طَيَّاتِ قلبِكَ، وهو سِرٌّ أَوْدَعَهُ اللهُ تعالى في قلوبِ عبادِه أَجمعين، غَيْرَ أنَّ مَدْخَلَ الكشفِ عنه إنَّما هو ثوابِتُ التَّكْليفِ التي كُلِّفَ بها العبدُ في نِظامِ سَلامةِ العقيدةِ الْمُحَصِّنَةِ لِفِطْرَةِ التوحيد التي فَطَرَ الله الناسَ عليها الفطرة الخالصة مِنْ الشِّرْكَيْنِ الجَلِيِّ والخَفِيِّ، وما عليك إلا أنْ تَسْتَنْبِعَهُ مِنْ داخِلِكَ القَلْبِيِّ بِمَعْرِفَةِ نفسِكَ أنَّها مَمْلُوكَةٌ لخالقِها لا تَحْتَمِلُ عِتْقاً ولا تَحَرُّراً، اللَّهُمَّ إلا فَكَّ الإِسارِ مِمَّا سِواهُ جَلَّ في عُلاهُ، والشَّأْنُ في ذلك يَسيرُ على مَنْ يُيَسِّرُهُ اللهُ تعالى له، أمَّا بابُ الدُّخُولِ إليه فَيَكْمُنُ في تَحَقُّقكَ مَخلوقاً لا خالقاً، ومَوجوداً مِنْ طَيِّ العَدَمِ لا مُوجِداً، والمعنى: هو أنْ لا تَغْفُلَ عن أنَّكَ وعمَلَكَ مِنْ عطائه وفَضْلِهِ وأنَّك مَسْتُورٌ بكمالاتِ تَجَلِّيَّاتِهِ وأنَّه لو كَشَفَ عنكَ سِتْرَهُ لما جالَسَكَ أَحَدٌ ولَمَا رَضِيَ بِكَ أَحَد، وأنَّه لَمَّا مَتَّعَكَ بالقُدرة على الاخْتِيارِ إنَّما كَلَّفَكَ لِلتَّعريفِ، وعَرَّفَكَ لِلتَّشْريف، والمسارُ على هذا المستوى مِنَ الْمَدْلُولِ لا يُمْكِنُ تَذْليلُه إلا بالحُبِّ لِذلِكَ قَدَّمَ حُبَّهُ على حُبِّهِمْ بذلِكَ العَطاءِ ألا وهو الفِطْرَةُ النَّاشِئَةُ مع الولادَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّ مَهْرَ الوصولِ إنَّما هو التَّخَلِّي عن الأَوْهامِ الحَاجِبَةِ عن تلك الحقيقةِ التي كَمَنَ نورُها أَصْلاً في القلب، فَمَنْ أَدْرَكَ هذه الحقيقةَ عَلِمَ مَعنى العُبوديةِ للهِ تعالى في أنَّه لامُعينَ سواه كمَا أنَّه لا مُعْطِيَ إلا إيَّاه تَجِدُ ذلك جَلِيّاً في بَيانِه الْمَتْلُوِّ على اللسانِ دائِماً في صلواتِنا كُلِّها بِقولِه تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أنَّه لَمَّا كَلَّفَكَ بعبادَتِه أَعْلَمَكَ أنَّه مُمِدُّكَ بِطاقَةِ الوصولِ إلى نُورِ تلك العِبادَةِ وبقولِه سبحانه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) وذلك لِحِكْمَةِ المرادِ أنَّهُ خَلَقَ فيكَ القَلْبَ السَّليمَ وهو القائلُ سبحانه وتعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وعند أَهْلِ الله؛ القلبُ السليم؛ هو القلبُ العارفُ أي: هو النِّعْمَةُ التي مَتَّعَكَ سبحانَهُ بها وطالَبَكَ بالمحافظة عليها عَبْرَ مَنْهَجِ التَّكْلِيفِ الذي مَنَحَكَ إيَّاه. وهنا يكمنُ القَوْلُ بِكُلِّ بساطة: إنَّ مِفتاحَ المحافظةِ على سلامةِ القلبِ سلامَتُهُ مِنْ باطِنِ الإثمِ كالحِقْدِ والغِلِّ والحَسَدِ وسوءِ الظَّنِّ والضَّغِينة والانْشغالِ بما لا يَعْنينا وغيرِ ذلك مِنَ الحُجُبِ الظُّلمانية، هذا؛ وقد اخْتُصِرَتْ علاماتُ القلبِ السَّليمِ بتوصيفاتٍ ثلاث أولاها؛ الإحسانُ إلى كلِّ شيءٍ أي: إلى ما يَعْقِلُ وما لا يَعقِلُ حتى الجمادات لأنَّها مِنْ جُمْلَةِ النعم وذلك إجلالاً للمحبوب الْمُنْعِمِ سبحانه، ثانيها؛ العَفْوُ عن المسيء رجاء ما عند المحبوب سبحانه ثالثها؛ عَدَمُ الْمَيْلِ إلى إِحسانٍ مُقابِلَ أيِّ معروف يُسْديه لِلعبادِ طمعاً بعطاءِ المحبوبِ سبحانه ذلك أن إدراك الرضى منه بما كلف كمال وإدراكه من غيره نقصان لأن الإحسانِ منه وإليه سبحانه وتعالى. أقول: وتلك هي خُلاصَةُ الْمَكارِمِ التي مَتَّعَ اللهُ تعالى بها نبيه ورسوله الأعظم سيِّدَ الخلائقِ سيِّدَ العارفين والمرسلين حبيبَ ربِّ العالمين صلى الله عليه وسلم مَنْ كانت هِمَّتُهُ كلُّها باللهِ لأنَّ خُلُقَهُ كان عظيماً فَمَدَحَهُ به قائلاً: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). وذلك ما يقتضي الْمُكَلَّفَ أنْ يكونَ مُسْتَهْلَكاً فيما شَرَّفَهُ اللهُ تعالى به فَيَسْمُو بالعبادة على بِسَاِط العبودية، ويَصْفُو بِذِكْرِ مولاهُ في الغَيْبَةِ عَمَّا عَدَاه، ويوَحِّدُهُ التوحيدَ الْمُطْلَقَ الْمُثْمِرَ إحساناً في عُلُوِّه ومَقاماً يُرَقِّيه إلى أعلى درجاتِ القرب بالمراقبةِ كبريدٍ لِلمُشاهدة الْمُحَقِّقَةِ لِمَدْلولِ التَّعريفِ النَّبَوِيِّ الكاشف لتلك الحقيقة القائل: (الإحسان؛ أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه فإنْ لم تَكُنْ تراه فإنَّه يراك) ثم خبرني بربكَ يا أخي عَمَّنْ يعبدُ اللهَ برؤيةٍ قلبيةٍ هل يمكن أنْ يَشْهَدَ معه سواه؟، وخبرني عَمَّنْ لا يَشْهَدُ سواه هل نعمته تلك إلا ذلك السِّرُّ الْمُجَلِّي لِضِياءِ الحُبِّ الذي أَثْبَتَهُ اللهُ تعالى في قلبِ عبدِه فِطْرَةً سليمةً لا تَشُوبُها شائِبَةُ الأَعراض، ولا يُزيلُها عائقُ الأهواء، لكِنْ قد يُغَيِّبُها رانُ الْمُخالَفَة لِلتَّكاليفِ فتغطى بظلمته، وعليه؛ فبالالْتزامِ يَبْقَى الْمَقامُ، وبالمخالفَةِ يُحْجَبُ صاحبُهُ عن ربِّ الأنام حتى يُنيبَ إليه فَتَشِعَّ من جديد أَنْوارُ ذلك الحُبِّ القديمِ أَجَلِّ النِّعَمِ الإلهيَّةِ التي بها تمامُ السَّعادةِ الأَبَدِيَّةِ تلك التي غَمَرَتْ قَلْبَ الحبيبِ المحبوب صلى الله عليه وسلم الذي كان يترجمها بطولِ القِيام في الصلاة، وكثرةِ الصيامِ في الأيام، مع دوام الذكرِ مِنْ غَيْرِ عَناء فلا تَوَقُّفَ ولا جُمودَ، ثم بالركون إلى خَلْوَةٍ آنِسَةٍ ولسانَ الحالِ منه يقول: اتركوني ما تركْتُكُمْ فإنَّ لي وقتاً لا يَسَعُنِي فيه إلا ربي، ولَعَلَّنا نُدركُ الآن معنى قولِهِ الجَماليِّ الآسِرِ صلى الله عليه وسلم: (وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة). نعم! تلك الدَّمْعة الشاهدة على خَشْيَة المحب في محراب عبوديته لمحبوبه التي تُشعره بعزه السامي في رحاب ذله له المثمر تحققا مطلقاً بفقره المطلق بين يدي العز المطلق بنفحات العزيز الجليل الجميل كما نطق بها العارف الكامل سيدي ابن عطاء [تحقَّق بِأَوْصافِكَ يُمِدَّكَ بأَوْصافه] وخلاصةُ القول: أنَّ كمال العبودية إنما يكون بالتَّحَقُّقِ بمعانِيها الكامِلَةِ في فِقْهِ معاني الرُّبوبية مِنْ أسماءٍ وصفاتٍ، فَتَحَقَّقْ بِفَقْرِكَ يُمِدَّكَ بأَنْوارِ عِزِّهِ، وتَحَقَّقْ بِجَهْلِكَ يُمِدَّكَ بأَنوارِ عِلْمِه، وتَحَقَّقْ بِتَقْصِيرِكَ يُمِدَّكَ بأَنْوارِ كمالاته، وبذلك تَبْلُغُ المرادَ المفهومَ مِنْ طَيَّاتِ سؤالِكَ باركَ الله بِكَ وأَسْعَدَكَ بِما يُرْضِيه عنكَ ومَتَّعَكَ بِمَعْرِفَتِهِ والوصولِ إليه، وذَلَّلَ لَكَ الصِّعابَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ الأَحبابِ عليه أفضلُ الصلواتِ وأَكْمَلُ التسليمات مِنَ الوهَّاب بما هو أَهْلُهُ سبحانه آمين. ولا تَنْسَنا مِنْ دعواتِكَ الصالحات.