مميز

الفتوى رقم #254655

التاريخ: 05/10/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

كيف أفرح بنسبتي لآل البيت دون استعلاء

التصنيف: الرقائق والأذكار والسلوك

السؤال

علمت من والدي أن نسب عائلتنا يتصل بنسب الرسول صلى الله عليه و سلم.. و علمت ان الفخر بالنسب حرام.. لكن أشعر بيني و بين نفسي بالسعادة بإتصالي بنسب الرسول، فهل يكون في ذلك أثم اذا كان هذا السرور دون تكبر او استحقار للناس؟ و سمعت ايضا انه لا يحق الزكاة لمن يتصل بالنسب الشريف و أن اهل البيت اذا اساؤوا تكون عقوبتهم اشد عقوبة من غيرهم و لهم ضعفين من العذاب و لمن يقنت منهم لله و رسوله له أجرين من الثواب.. فما صحة هذا الكلام و هل هو لعموم ذرية اهل البيت ام فقت لازواج الرسول ؟ وجزاكم الله كل خير 

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَنْ والاهُ وبعد؛ فإنَّ نَسَبَ الحَبيبِ الأعظم عليه الصلاة والسلام شَرفٌ ما بَعده شرف، وقد أظهر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأصحابه وللأمة عَبْرَهم رضي الله تعالى عنهم بقوله: (...أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بيتي) كما في مسلم وهذا ما حفظه فيهم كبارُ الصحابة الكرام منهم؛ سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه الذي شُهِرَ عنه قولُه كما في البخاري: (ارقبوا مُحمداً في آلِ بيتِه)  والمعنى؛ احفظوا شرفَ التابِع الْمَنْسوبِ من ذوي القرابة بالتقدير والاحترام والإجلال لشرف المتبوع المنسوبِ إليه قرابةَ دمٍ صلى الله عليه وسلم، لذلك كان رضي الله تعالى عنه _أي الصديق_ يقول لسيدنا عليٍّ كرم الله وجهه: واللهِ لَقَرابَةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إليَّ أنْ أصل من قرابتي.

وكان سيدُنا عمرُ رضي اللهُ تعالى عنه مُحبّاً لسيدنا عليٍّ وكذا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، وقد فَرَضَ من العطاء لهما _أي في خلافته_ خمسة آلاف ولولده ألفاً، فلما راجعه عبد الله ابنُه قال: ويْحَكَ يا عبدَ اللهِ! هل جَدٌّ كَجَدِّهما؟ ، أو جَدَّةٌ كَجَدَّتِهما؟ ، أو أمٌّ كَأُمِّهما؟ ، أو أبٌ كأبيهما.

وكان عمرُ يقولُ لسيِّدنا العباس رضي الله تعالى عنهما: واللهِ لَإِسْلامُكَ يومَ أَسْلَمْتَ كان أَحَبَّ إليَّ مِنْ إِسْلامِ الخَطَّابِ لو أَسْلَمَ لأَنَّ إِسْلامِكَ أَحَبُّ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إسلام الخطاب.

ومما تقدم _وهو قليلٌ من كثير_ يُعْلَمُ مَدى حُبِّ الصَّحابةِ لآلِ بَيْتِ الحبيبِ الأَكْرَمِ صلى الله عليه وسلم وإِجْلالِهِمْ لهم لا سيما وأَنَّنا سُقْنا ذلك عن شَيْخَي المسلمين رضي الله تعالى عنهما. إنما قَصَدْتُ مِنْ هذا الإشارةَ إلى أنَّ قَضِيَّةَ الإِجلال لذلك التعليل، ولكنَّ السُّؤال الذي يَفْرِضُ نفسه ترى هل يَعني ما لَهُمْ مِنَ الحَقِّ على الأُمَّةِ امْتِيازُهُم بالاسْتِعْلاء على الغير ؟؟ أبداً فإنه لم يَبْلُغْنا عنهم أَنَّهم فَهِمُوا مِنْ شَرَفِهِمْ سوءُ الخُلُقِ أو المنافسة بين الخلق مِنْ غيرهم لا سيما وهم يعلمون توجهه صلى الله عليه وسلم بالنُّصْحِ إلى ذوي قَرابَتِهِ يومَ جَهَرَ بدعوتِه حيث أَمَرَهُ اللهُ تعالى بقوله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فَجَمَعَهُمْ وذكَّرهم قائلاً: (يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار...) وهكذا جعل يذكرهم إلى أن ذكر السيدة فاطمة قائلا: (يا فاطمةُ! أَنْقِذِي نَفْسَكَ مِنَ النار، فإني لا أَمْلِكُ لَكُم مِنَ اللهِ شيئاً غير أنَّ لكم رحماً أبلها ببلالها) أي: أَصِلُها بصلاتِها. كما في الصِّحاحِ وكُتْبِ السِّيَرِ. والمعنى واضحٌ في أنَّه عليه الصلاة والسلام لما ذكَّرَ بحقِّ الدِّين بادئاً بعشيرته على التفصيل بعناوينِ أفخاذِها يا بني فلان، يا بني فلان.. دقَّقَ المطالبَةَ بالاسمِ الصَّريحِ مُنادِياً نِداءَ تَحْذيرٍ يا فاطمةُ وهي بَضْعةٌ منه رضي الله تعالى عنها وأَحَبُّ الناس على قلبِهِ، كلُّ ذلك لِلإشارةِ إلى أنَّ الأُسْوَة الصالحة تبدأ مِنْ أَعْلَى رَمْزٍ وأَشْرَفِهِ وأَجْلاهُ لإِبْرازِ مكارم الدينِ بكمال صورتها من خلالهم، لذلك كان آل بيته مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ خَلْقاً وخُلُقاً. وإنْ شئتَ فارْجِعْ إلى تراجِمهم من زوجاته صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهن إلى بناته كلهنَّ إلى سيدنا عليٍّ إلى سبطيه الحسن والحسين وجميع المنسوبين من الأشراف في تاريخ السلف إلى يومنا هذا تجد نفسَك أمام منهجِ جدهم الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ عَظَّمَ اللهُ تعالى خُلُقَهُ بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) لتشهد منهم الحلماء والحكماء والفقهاء

أما سؤالك عن منهج التعامل معهم إذا حاد أحدُهم عن المنهج وخالَفَ ما كان عليه أَجْدادُه من الآل لا يوافَقُ على ما هو عليه بحال، بل يجبُ نُصْحُهُ وتَذْكيرُه بما أَوْجَبَهُ اللهُ تعالى عليه وأَلْزَمَهُ به رسولُه أكثرَ مِنْ غيرِه ولَفْتِ نَظَرِهِ إلى أَهميَّةِ شأنِهِ بين الناسِ، وذلك لخُطورَةِ تَقْلِيدِه فيما يَصْدُرُ عنه مِنْ قِبَلِ العوام، لكن لا يَجوزُ إسقاطُهُ أو الإِساءةُ إليه لأَنَّه كما قيل: [العقوق لا يَقْطَعُ النَّسَبَ] وكما قيل أيضاً: [فالفَرْعُ مِنْ تلكَ الشَّجَرةِ وإنْ مال] وينبغي على الناصح أنْ لا يَنْسَى حَقَّهُمْ عليه مِنَ الاحترام والإجلال كرامة وتعظيماً لجدهم الأعظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا؛  ومعلوم أنَّ نورَ النَّسَبِ يَجْذِبُ صاحبَهُ، ولا يمكن أنْ يؤولَ به بإذن الله تعالى إلا إلى خير لقوله سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) نعم! قد يقال: إنَّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أمهاتِ المؤمنين وهذا صحيح، لكنْ لا يفوتَنَّ العالِمَ بالشواهِدِ والأدلَّةِ أنَّ أَهْلَ بيتِه مِنْ جملة الآلِ الْمُطَهَّرين مِنَ الرِّجْسِ على لسانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد وغيره أنَّه جَلَّلَ فاطمةَ وزَوجَها وابْنَيْها الحَسَنَ والحُسين _بكساء_ وقال: (اللهم! هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم! فَأَذْهِبْ عنهمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهِمْ تَطْهيراً)

بقي الإشارة إلى معرفةِ حُكْمِ الشَّرْعِ بِشُعورِكَ بالسَّعادَةِ أنَّكَ مِنْ آل البيت؛ أقول: إنَّ مُجرَّد الشعورِ بالسعادة، لا يعني إلا الشعور بفضل الله وعطائه المستوجب شكراً عليه كنعمةٍ مِنْ نِعَمِهِ وهذا أمرٌ فطريٌّ سليم لا إشكال فيه، إلا أن يستثمره بين الناس استشرافاً واستعلاءً واسْتِكباراً عندئذٍ يطالب بما كُلِّفَ به من الرجوع عن ذلك لمخالَفَتِه منهجَ آلِ البيتِ أسوةِ الأُمَّةِ في مكارم الأخلاق ولا حرج لأنَّ الدين النصيحة لكل مسلم وذووا الأسوة أولى بها من غيرهم لهم أو عليهم، بل قبولها واجبٌ شرعيٌّ لا يجوز مخالفتُه بحال.

أما أنهم يعاقبون ضِعْفَيْن لأنهم آلُ البيت، فالأصحُّ أنْ نقولَ إنَّ كلَّ أُسْوَةٍ مِنَ الْمُتَعَلِّمين وأهلِ العلم إذا خالَفُوا ما يَعْلَمُون كان عقابُهُم أشدَّ لِعِلْمِهِمْ مِنْ جِهَةٍ، ولِكَوْنِهِمْ تَجَرَّؤُا فَجَعَلُوا مِنَ العِلْمِ حُجةً عليهم لا لهم ويَنْسَحِبُ هذا على الجميع لا على الآل خاصة.

وأما لمن يقنت منهم لله ورسوله أجران من الثواب فهذا مالا يجوز قولُه في آحادِ المسلمين فكيف بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهم وصيته الذين قال فيهم: (أذكركم الله في أهل بيتي)

وفي الختام لابد مِنْ لَفْتِ النَّظَرِ إلى دَقيقةٍ هامَّةٍ وهي أنَّ البَعْضَ يَقِفُونَ مِنْ بيانِ الله تعالى: (يَنِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) يقفون مَوْقف الاتهام لنساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو بعضهنَّ بالتقصير والتوصيف بما لا يليق دون تَدَبُّرٍ ونَظَرٍ إلى عُمْقِ المرادِ مِنَ الرابطِ بين تلك الآية وما بعدها، فلو تابعَ إلى نهايةِ التوجيهِ الإلهيِّ لأَدْرَكَ القَصْدَ كلَّ القصدِ إنَّما هو التذكيرُ بفضلِه سبحانَه عليهِنَّ في أنْ جَعَلَهُنَّ نساءَ أَشْرَفِ الخلْقِ نعم! تأمَّلْ معي ما بعدَها مِنَ البيان تدركِ المقصود قال تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً*يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) وتفسيرها _أي: هذه الأخيرة_ كما نَقَلَ الخازنُ وغيرُه عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ تعالى عنهما: ليس قَدْرُكُنَّ عندي مثلَ قدرِ غَيْرِكُنَّ مِنَ النساء الصالحاتِ أَنْتُنَّ أكرمُ عليَّ، وثوابُكُنَّ أعظمُ لديَّ.

وهنا يكْمُنُ السؤال: فهل بلغَكَ عنهنَّ فاحِشَةً أو فُحْشٍ أو ما لا يليق؟؟

أقول: إنَّ مَنْ يَدَّعي ذلك هو الذي سيضاعَفُ له العذابُ لأنَّه ضرب الآيات بعضها بدلاً من أن يفسر القرآن بالقرآن القائل: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فعلى كلِّ مَنْ يَعْرِفُ قَدْرَ الزوجِ أنْ يَحْفَظَ شرفَهُ وكرامتَهُ في أهلِ بيته لا سيما زوجاتِه أُمَّهاتِ المؤمنين كلِّ المؤمنين.

أسأل الله تعالى أن يزيدنا معرفةً برسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم ويَرْزُقَنا الأَدَبَ في رحابِ ذكرِه وما يَتَّصِلُ به مِنَ الآلِ والأَصحابِ والتابعين بإحسان. آمين