مميز

الفتوى رقم #2121445

التاريخ: 10/09/2020
المفتي: الشيخ محمد الفحام

هل أستمر معها أم أطلقها ..؟

التصنيف: أحوال شخصية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  منذ فترة خطبت فتاة وعقدت عليها وعندما رأيتها أول مرة كانت عادية المنظر وقلت في نفسي يكفي الأدب والدين والأخلاق التي فيها وعندما بدأت أخرج معها يأتيني خاطر أنها ليست جميلة وكيف سأعيش معها ثم أستغفر الله وبدأ تأتيني أفكار ولو تزوجتها محتمل يحدث طلاق ان تركتها لن أجد فتاة بأخلاقها وطيبتها هل أُكمل مع الفتاة ومحتمل أظلم نفسي وأظلمها أم أصبر وأتزوجها ولعل أخلاقها هي التي ستزيد محبتي بها أفيدوني جزاكم الله خيرا 

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته؛ وبعد، فإني لأَسأَلُ اللهَ تعالى أنْ يَخْتارَ لك الخيرَ ويُرَضِّيَكَ به، وأنْ يَجْعَلَ ما يختارُ لك باباً مِنْ أبوابِ مَعْرِفَتِه والقُرْبِ منه، فإنَّ أبوابَ الوصولِ إليه كثيرةُ العَدِّ، غزيرةُ النَّفْعِ، يانِعَةُ الثمر، ولعلَّ منها ما أنتَ فيه مِنْ مِحْنَةٍ، لكن أقول موقِناً واثقاً: بأَنَّ ظاهرَها مِحْنَة وباطنُها مِنْحَةٌ ورحمةٌ، هذا إذا اتَّقَيْتَ اللهَ تعالى فيما قَسَمَهُ لك وقَدَّرَهُ وقَضاه.

في البداية أقول مَتَسائلا: لا أدري إنْ كنتَ يومَ طلَبْتَها _ابتداءً_ ووافَقْتَ على الاقترانِ بها على منهجِ السُّنَّةِ، والذي مِنْ أَهَمِّهِ وأَدَقِّهِ: النَّظرُ إلى وجْهِها وكَفَّيْها، ومخاطَبَتُها، والتأملُ في واقعِ الصورةِ التي هي عليها كلُّ ذلك بِنِيَّةِ الخِطبْة، وبعد الاستخارة المشروعة؟؟ أمْ أنَّ ذلك الارتِباطَ الجزئيَّ كان خارجَ ذلك النظامِ الشَّرعِيِّ بعيدةً عن تلكَ الضوابط؟؟ هذا أوَّلاً،

أما ثانياً؛ فإنْ كنتَ قد دَخَلْتَ البَيْتَ مِنْ بابِه وأتيتَ على تلك الضوابطِ المذكورة وقد رَضِيْتَ مُطْمَئِنَّاً، فهنا يَجْدُرُ القولُ بأنَّ ما تَشْتَكِي منه مُجَرَّدُ عَرَضٍ لا يُلْتَفَتُ إليه ما يَزولُ بإذن الله تعالى بعد الاستقرار إنْ رضيتَ وسَلَّمْتَ.

ثالثاً؛ إنّهُ في الشَّأْنَيْنِ يقالُ لكَ ليس أَمْرُ الدخولِ كأَمْرِ الخروج، فلابد مِنْ وضْعِ ما صَدَرَ منكَ على الميزان لِتَؤُولَ إلى مِحْرابِ الراحةِ النَّفْسِيَّةِ عَبْرَ دِقَّةِ الوضوحِ فَتَجْمَعَ بين مَطْلَبَيْ العقلِ والقلبِ. رابعا؛ سَلْ قَلْبَكَ تُرى هل عِلَّةُ البُغْضِ لِعَيْنِ شَخْصِها وكلِّ ما يَصْدُرُ عنها، أمْ لِوَجْهها فقط؟ يُضاف إليه ما ينبغي أخذُه بِعَيْنِ الاعتبار؛ هل تّجِدُ راحةً نَفْسِيَّةً عند الوَعْدِ باللَّقاء بها وعند الخطاب والتكليم، فإنْ كنتَ تَجِدُها ولا تَتَحَرَّجُ باللِّقاءِ بها، فهذا جانِبٌ إجابيٌّ مُطَمْئِنٌ لا يستهان به فغالباً ما يكون أَوَّلُ الحُبِّ، ذلك أنَّ تَجانُسَ الأَرْواحِ لا علاقةَ له بالحِسِّ أبداً، فإني أَعْرِفُ الكثيرَ مِنَ المتزوجين تَغْمُرُهُمُ سعادةٌ يَغْبِطُهم عليها الكثيرُ مِنَ الناسِ مُتَعَلِّقُونَ بزوجاتِهم اللَّواتي لا يَتَمَتَّعْنَ بالجمالِ اللَّافِت، لكنْ لو اسْتَعْلَمْتَ خبرَهما لَوَجَدْتَهُ خبرَ عاشِقٍ لِمَعْشوق، ولَوَجَدْتَ نفسَك أمامَ غَيْرةٍ محمودةٍ نابِعَةٍ مِنْ حُبٍّ خالصٍ لِزَوجَةٍ يَراها زوجُها أجملَ نساءِ الأرضِ، نعم! ولا عَجَبَ ذلك أنَّ الجمالَ جمالُ الروحِ، وهي حقيقةٌ مُجَرَّدَةٌ يَعْلَمُها ويَدْريها ويُدِركُ معانيها ويَشْهَدُ نورَ حَرْفِها مَنْ ذاقَ طَعْمَها، والسِّرُّ في ذلك أنَّ جمالَ الرُّوحِ وهْبٌ إلهيٌّ، لا كَسْبٌ بَشَرِيٌّ، فإذا تَناغَمَ مع مِثْلِهِ نَما وازدَهَر،َ وأخرجَ كثيراً طيِّباً كما الإشارة فيما ورد: (الأرواحُ جنودٌ مُجَنَّدَةٌ ما تَعارَفَ منها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ منها اخْتَلَفَ).

الخامس؛ في سؤالٍ يَفْرِضُ نفسَهُ هل تَجانَسَتْ معكَ بما يُسَمَّى الحبَّ العُذري؟ فإنْ كان الجوابُ بالإيجاب، فذلك دليلُ التَّعارُفِ الرُّوحِيِّ الذي يَتَكامل بدوامِ العِشْرَةِ الزَّوْجِيَّةِ القائمةِ على الحقوقِ والواجِبات.

السادس؛ في ما هو أَهَمُّ مِنْ كلِّ ما تَقَدَّمَ وهو خُلوصِ النيَّة في الطلبِ والاخْتِيارِ لمخطوبتِكَ وأنت في صَخَبِ التَّنَوُّعِ الحياتيِّ هذا الزمانَ، نعم! الطلبُ الذي حَدّهُ مُعلِّمُ الإنسانيةِ الأَوَّلُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: في الصحيحين: (تُنْكَحُ المرأةُ لأَرْبَعٍ، لِمالِها، ولِحَسَبِها ولِجَمالِها، ولِدينِها، فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّيِن تَرِبَتْ يداكَ)، وقولِه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم والنسائي: (إنَّ الدنيا كلَّها مَتاعٌ، وخَيْرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة) يُترجَمُ بقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أصحابُ السنن: لَمَّا سُئِلَ صلى الله عليه وسلم يا رسولَ الله! أيُ النساء خيرٌ؟ فقال: (التي تَسُرُّهُ إذا نَظَرَ، وتُطِيعُه إذا أَمَرَ، ولا تُخالِفُه في نَفْسِها ولا مالها بما يَكْرَهُ)، فالمرادُ أنَّها تُطيعُه في كلِّ شيءٍ حتى أنَّها تُدْرِكُ المرادَ مِنْ أوَّلِ نَظْرَةٍ تَصْدُرُ عنه، فَيُسَرُّ بذلك لِفَطانَتِها، وتقواها اللهَ في أدائها الحقَّ لزوجِها.

وعليه؛ فَمَنْ صدَقَ اللهَ في الطَّلَبِ نالَ الأَرَب، وأَعْظَمُ العطايا مِنْ ذلك الرِّضَى بما قضى، فهو الْمُعْطِي وهو الْمُعين، هذا؛ وإني لَعَلى يَقِينٍ مِنْ خَشْيَتِكَ الإلهيَّةِ، وخوفِكَ الرَّبانيِّ، ومُراقَبَتِكَ لمولاكَ سبحانه أنَّك سَتَتَوَجَّهُ إلى ما فيه ضَمَانُ رضاهُ عنك في الدنيا مع هناءَةِ العيشِ فيها ورضاه عنك في الآخِرَةِ، والحبيبُ الأعظمُ صلى الله عليه وسلم يقول: (ومَنْ يَتَرَضَّ يُرَضِّهِ الله) ثمَّ بعد ذلك حَدِّثْ ولا حَرجَ عن تَنَزُّلاتِ السَّكِينةِ والطُّمَأْنينةِ على قلبِكَ وبَيْتِكَ وذُرِّيَّتِكَ وما ذلك إلا لِرِضاكَ بما قَضى، وجَبْرِ خاطِرِ من أَخْلَصَتْ في حُبِّكَ بالحلال، فَصَدَقْتَ معها أيضاً بالحلالِ فبارَكَ لَكُما وباركَ عليكما وباركَ فيكُما وجَمَعَ بينَكما بخير وأَخْرَجَ منكما الكثيرَ الطيِّبَ والذُرِّيَّةَ الصالحةَ التي تَعْبُدُه ولا تُشْرِكُ به شيئاً.

أسأل الله تعالى أن يُسْعِدَك بما آتاك ويُصْلِحَ منك البال والأحوال، ويختارَ لك الخيرَ بمبلغ الرضى عنه فيما يُعطي سبحانه ويَمْنَع آمين. ولا تنسني من دعواتك الصالحات.