إرسال لصديق
اسمك
بريدك الالكتروني
بريد صديقك الالكتروني
رسالتك
 
« عودة
انهيار الرأسمالية » ع
[2008-10-12]

خطبة الجمعة 10/شوال/1429هـ الموافق لـ 10/تشرين الأول/2008م

انهيار الرأسمالية

أيها الإخوة المؤمنون.. موضوع الخطبة اليوم: انهيار الرأسمالية.. لقد شهدنا منذ نحو خمس عشرة سنة أو أزيد بقليل انهيار (الطاغوت الكبير) الاتحاد السوفيتي، وانهارت معه مبادئ الفلسفة الشيوعية والنظام الاجتماعي الشيوعي والنظام السياسي الشيوعي وما يلحق به من اشتراكية فاسدة.. وكان ذلك بنصر وفتح من الله سبحانه وتعالى لا بالجيوش المجيشة ولا بالقوات المعدة ولا بالحروب المستمرة، لنتعلم الدروس في كيفية نصر الله تبارك وتعالى لهذا الدين، حيث تكفل هو بنصره مع ضعف المسلمين.. مع خذلان المسلمين بعضهم لبعض.. مع تأخر المسلمين وانشغالهم بالاقتتال فيما بينهم.. مع تراجع المسلمين وعدم تمسكهم بدينهم.. مع ذلك كله هيأ الله تبارك وتعالى ذلك النصر.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي برزت في العالم سياسة القطب الواحد، وبدأ كثير من الناس يشك في نصر الله تعالى لهذا الدين ولعباده المؤمنين، ويتسائل: متى نصر الله!.. والجواب في كتاب الله تعالى: (ألا إن نصر الله قريب).. ﴿..وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [سورة البقرة، الآية:214] [وهذا من باب اللف والنشر، أي: حتى يقول الذين آمنوا: متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب].

وهذه علامات النصر على الولايات المتحدة الأمريكية قد جاءت، وبشائر انهيار ذلك النظام العالمي الفاسد قد لاحت، وأخبار تهلهل النظام الأمريكي قد بدأت تشيع وتذيع، وقد اعترف كبار السياسيين ورجال المال في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من المنصفين أو المعارضين لسياسة الولايات المتحدة بأن الرأسمالية الغربية قد انهارت، صرح بذلك وزير المالية الألماني وغيره.

ولكي نعلم مدى قوة أمريكا ينبغي أن نعرف القواعد التي تقوم عليها الرأسمالية الأمريكية، فأمريكا دولة مدينة، وبعرف الاقتصاد التقليدي أمريكا دولة مستهلكة ضعيفة، أمريكا تستورد أكثر مما تصدر، ولا تستطيع سداد ذلك الدين والعجز المسمى باللغة الإنكليزية: (deficit)، وهذا العجز يكاد يبلغ كل عام نصف مليار دولار، وقد زاد في الأعوام الأخيرة على ستمئة مليار دولار.. عجز في الميزانية ما بين الواردات والصادرات، أي: تستهلك وتستورد أكثر مما تصدر.. وهي مدينة للصين فقط بنحو ترليون ونصف ترليون من الدولارات أي ألف مليار وخمسمئة مليار دولار تغطيها بسندات الخزينة، وسندات الخزينة أوراق يكتب عليها: لك كذا وكذا.. هذا سند بخمسين ألف دولار أو بخمسين مليون دولار، ولو حدث هذا في بلادنا لانهار اقتصادنا -لا قدر الله-.

قوة الاقتصاد في النظام التقليدي تقوم على قوة الصادرات وقوة الواردات إلى الخزينة العامة، تقوم على تحجيم النفقات والسيطرة على الميزانية، وفي أمريكا عجز كل عام، تعجز الحكومة الأمريكية كل عام عن تغطية الميزانية العامة للنفقات أو الإنفاق الحكومي، وهي مع ذلك دولة قوية، ويقال هي أقوى دولة وأقوى اقتصاد في العالم؛ لأن مفهوم الاقتصاد قد تغير، فباعتبارها أكبر دولة مستهلكة صارت أقوى دولة في العالم؛ لأنها استطاعت أن تفرض الدولار كعملة رئيسية يُسعَّر بها الذهب والفضة (المعادن الثمينة) ويُسعَّر بها النفط وهي العملة الرئيسية للبورصات العالمية، فالدولار حيثما مشيت به على وجه الأرض يعترف به، ولذلك صارت دول العالم واقتصادات العالم مرهونة بنجاح الاقتصاد العالمي، والدولة التي يمكن أن تكون بمنأى عن التأثر بانهيار النظام الرأسمالي الأمريكي في هذه الأيام هي الدولة الأبعد عن تأثير العولمة ونظام العولمة، وبلادنا والحمد لله بخير وبمنأى عن مثل ذلك.

يخططون الآن لافتتاح سوق بورصة في بلادنا، أنا أقول هذه الأزمة العالمية ينبغي أن تعلمنا درساً كبيراً، وأنا أقترح على رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور عبد الله الدردري إلغاء هذه البورصة، وقد رأينا ما حدث الآن في مصر؛ انهارت بورصة مصر 25% ، لا لعوامل داخلية، فالاقتصاد متين، وإنما لتأثير العوامل الخارجية، انهارت بورصات دول الخليج بمعدل 10% إلى 15%، لماذا؟.. بسبب تأثير الأزمة الدولية؛ لأن تلك الدول تخضع لنظام العولمة، أي تأثير النظام المالي الأمريكي والنظام الثقافي والنظام الاجتماعي الأمريكي عليها، وبلادنا بفضل الله عز وجل ما زالت بمنأى عن ذلك.

لا شك أن رؤوس الأموال الخارجية لها دور في تنمية البلاد، لكنها بسبب نظام العولمة يمكن أن تلعب دوراً رئيساً في انهيار الاقتصاد في أي بلد من البلاد، نحن نرى الآن ونسمع أخبار انهيار الشركات الكبرى في دبي، لو انهارت شركة كبرى كشركة (إعمار) أو أفلست وقد اشترت آلاف الدونمات في ضواحي دمشق وجنوبها وعرضت هذه الأراضي للبيع ماذا يحدث؟.. دونم الأرض الذي يساوي مليون ونصف المليون في (يعفور) ربما ينزل إلى النصف وربما أقل من النصف!.. انهيار شركة واحدة في دبي سيسبب انهيار العقارات في بلادنا!.. لماذا؟.. لأننا سمحنا لرؤوس أموال قوية جداً بالمنافسة في بلادنا مع أصحاب رؤس أموال لا يستطيعون خوض المنافسة على قدم المساواة.. وهذا أمر حذر منه ابن خلدون قديماً في (المقدمة)، وهذا الأمر يندرج تحت أحكام الاحتكار في الشريعة الإسلامية، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من احتكر فهو خاطئ).

لعل من أهم ما ينبغي أن نتنبه له هو النظر في أسباب هذه الأزمة المالية، كثير من الناس كانوا يتوقون إلى النظام الرأسمالي وبخاصة أيام التأميم والاشتراكية وأيام الضغط الشديد على الصرافين وعلى التجار، كانوا يحلمون بالانفتاح على النظام الرأسمالي، أقول: النظام الرأسمالي مبني على أصول فاسدة؛ وأول هذه الأصول الفاسدة هو الربا، ألا يكفينا أن نقرأ كلام الله تعالى!.. ألا نثق بوعد الله ونصدق بوعيده!.. ألا نصدق قول الله عز وجل إذ يقول: ﴿وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾ [سورة الروم، الآية:39]!.. ألا نصدق خبر الله تعالى إذ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾[سورة البقرة، الآية:278-279].. ألا نصدق قول الله تبارك وتعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [سورة البقرة، الآية: 276] يمحق: يذهب ويهلك.. واحد من أكبر المستثمرين العرب ومن أغنى أغنياء العرب من قائمة العشرة الأغنى في مجلة (فوربس) قال: نزلت ثروته بسبب انهيار البورصات العالمية من 30 مليار دولار إلى 20مليار دولار قلت: يمحق الله الربا ويربي الصدقات.

سأدرس إن شاء الله في الخطب القادمة أسباب هذه الأزمة، ومن جملة أسباب هذه الأزمة: بيع المعدوم، وسنضع أمثلة لذلك، وسنبين أحكام الفقهاء في عدم جواز بيع المعدوم، وبيع الإنسان ما لم يقبضه، لا يجوز للإنسان أن بيبع ما لم يقبضه، ولا يجوز للإنسان أن يبيع ما لا يملكه، هذه أحكام شرعية، ومن جملة أسباب انهيار البورصات العالمية التغاضي عن هذه القواعد الشرعية، وسنحلل ذلك إن شاء الله ليستنير بذلك تجارنا في هذه البلاد، حتى نكون بمنأى إن شاء الله تعالى عن التأثيرات على اقتصادنا وعلى بلادنا، ولكن لعل من أحسن ما جاءت به هذه الأزمة المالية انخفاض أسعار المواد الغذائية الأساسية والحمد لله، فقد بلغت المضاربة حداً وراء التصور، حتى بلغ طن القمح ضعفي ثمنه الحقيقي، الآن نزل والحمد لله، وصار تقريباً نصف الثمن.

فينبغي إذاً أن نأخذ من ذلك الدروس والعبر، وهذه الدروس تفيد كل واحد منا، ولو كان عنده عشرة آلاف ليرة سورية يدخرها أو كان لا يدخر شيئاً، فالأمر لا يتعلق بالفقر والغنى أو بسعة رؤوس الأموال فحسب، وإنما يتعلق بمنهج حياة في الاقتصاد، سواء كنت صاحب دكان تعيش على ما تربحه يوماً بيوم، أو كنت صاحب رأسمال أو مدير بنك أو شريكاً في مصنع كبير، ينبغي لنا أن نخطط لاستثماراتنا واقتصادنا وتجاراتنا على أسس من الشريعة الإسلامية، معظم الخلافات فيما بين التجار سببها التغاضي عن بعض الأحكام الشرعية، من ذلك عدم الصرف يداً بيدٍ؛ فالسعر ربما يختلف عشرة بالمئة أو عشرين بالمئة خلال ساعة واحدة، إذا اتصل أحد المتصارفين هاتفياً وقال: احجز لي عشرة آلاف دولار أرسل لك الموظف يقبضها، وثبَّتَ السعر على كذا وكذا، ربما يختلف السعر خلال ساعة!، فأحد المتصارفين لا بد أن يرغب بالنكوث، وقس على هذا ما شئت..

وسنحلل إن شاء الله في الخطبة القادمة بعض هذه الأسباب التي أدت إلى فساد النظام الرأسمالي العالمي، لكي ننأى بتجارتنا واقتصادنا عن مثيل ذلك الانهيار، أسال الله تبارك وتعالى أن يحفظنا وإياكم جميعاً، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.........



تمت طباعة هذا المستند من موقع نسيم الشام
http://naseemalsham.com/
« عودة
انهيار الرأسمالية » ع
[2008-10-12]

خطبة الجمعة 10/شوال/1429هـ الموافق لـ 10/تشرين الأول/2008م

انهيار الرأسمالية

أيها الإخوة المؤمنون.. موضوع الخطبة اليوم: انهيار الرأسمالية.. لقد شهدنا منذ نحو خمس عشرة سنة أو أزيد بقليل انهيار (الطاغوت الكبير) الاتحاد السوفيتي، وانهارت معه مبادئ الفلسفة الشيوعية والنظام الاجتماعي الشيوعي والنظام السياسي الشيوعي وما يلحق به من اشتراكية فاسدة.. وكان ذلك بنصر وفتح من الله سبحانه وتعالى لا بالجيوش المجيشة ولا بالقوات المعدة ولا بالحروب المستمرة، لنتعلم الدروس في كيفية نصر الله تبارك وتعالى لهذا الدين، حيث تكفل هو بنصره مع ضعف المسلمين.. مع خذلان المسلمين بعضهم لبعض.. مع تأخر المسلمين وانشغالهم بالاقتتال فيما بينهم.. مع تراجع المسلمين وعدم تمسكهم بدينهم.. مع ذلك كله هيأ الله تبارك وتعالى ذلك النصر.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي برزت في العالم سياسة القطب الواحد، وبدأ كثير من الناس يشك في نصر الله تعالى لهذا الدين ولعباده المؤمنين، ويتسائل: متى نصر الله!.. والجواب في كتاب الله تعالى: (ألا إن نصر الله قريب).. ﴿..وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [سورة البقرة، الآية:214] [وهذا من باب اللف والنشر، أي: حتى يقول الذين آمنوا: متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب].

وهذه علامات النصر على الولايات المتحدة الأمريكية قد جاءت، وبشائر انهيار ذلك النظام العالمي الفاسد قد لاحت، وأخبار تهلهل النظام الأمريكي قد بدأت تشيع وتذيع، وقد اعترف كبار السياسيين ورجال المال في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من المنصفين أو المعارضين لسياسة الولايات المتحدة بأن الرأسمالية الغربية قد انهارت، صرح بذلك وزير المالية الألماني وغيره.

ولكي نعلم مدى قوة أمريكا ينبغي أن نعرف القواعد التي تقوم عليها الرأسمالية الأمريكية، فأمريكا دولة مدينة، وبعرف الاقتصاد التقليدي أمريكا دولة مستهلكة ضعيفة، أمريكا تستورد أكثر مما تصدر، ولا تستطيع سداد ذلك الدين والعجز المسمى باللغة الإنكليزية: (deficit)، وهذا العجز يكاد يبلغ كل عام نصف مليار دولار، وقد زاد في الأعوام الأخيرة على ستمئة مليار دولار.. عجز في الميزانية ما بين الواردات والصادرات، أي: تستهلك وتستورد أكثر مما تصدر.. وهي مدينة للصين فقط بنحو ترليون ونصف ترليون من الدولارات أي ألف مليار وخمسمئة مليار دولار تغطيها بسندات الخزينة، وسندات الخزينة أوراق يكتب عليها: لك كذا وكذا.. هذا سند بخمسين ألف دولار أو بخمسين مليون دولار، ولو حدث هذا في بلادنا لانهار اقتصادنا -لا قدر الله-.

قوة الاقتصاد في النظام التقليدي تقوم على قوة الصادرات وقوة الواردات إلى الخزينة العامة، تقوم على تحجيم النفقات والسيطرة على الميزانية، وفي أمريكا عجز كل عام، تعجز الحكومة الأمريكية كل عام عن تغطية الميزانية العامة للنفقات أو الإنفاق الحكومي، وهي مع ذلك دولة قوية، ويقال هي أقوى دولة وأقوى اقتصاد في العالم؛ لأن مفهوم الاقتصاد قد تغير، فباعتبارها أكبر دولة مستهلكة صارت أقوى دولة في العالم؛ لأنها استطاعت أن تفرض الدولار كعملة رئيسية يُسعَّر بها الذهب والفضة (المعادن الثمينة) ويُسعَّر بها النفط وهي العملة الرئيسية للبورصات العالمية، فالدولار حيثما مشيت به على وجه الأرض يعترف به، ولذلك صارت دول العالم واقتصادات العالم مرهونة بنجاح الاقتصاد العالمي، والدولة التي يمكن أن تكون بمنأى عن التأثر بانهيار النظام الرأسمالي الأمريكي في هذه الأيام هي الدولة الأبعد عن تأثير العولمة ونظام العولمة، وبلادنا والحمد لله بخير وبمنأى عن مثل ذلك.

يخططون الآن لافتتاح سوق بورصة في بلادنا، أنا أقول هذه الأزمة العالمية ينبغي أن تعلمنا درساً كبيراً، وأنا أقترح على رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور عبد الله الدردري إلغاء هذه البورصة، وقد رأينا ما حدث الآن في مصر؛ انهارت بورصة مصر 25% ، لا لعوامل داخلية، فالاقتصاد متين، وإنما لتأثير العوامل الخارجية، انهارت بورصات دول الخليج بمعدل 10% إلى 15%، لماذا؟.. بسبب تأثير الأزمة الدولية؛ لأن تلك الدول تخضع لنظام العولمة، أي تأثير النظام المالي الأمريكي والنظام الثقافي والنظام الاجتماعي الأمريكي عليها، وبلادنا بفضل الله عز وجل ما زالت بمنأى عن ذلك.

لا شك أن رؤوس الأموال الخارجية لها دور في تنمية البلاد، لكنها بسبب نظام العولمة يمكن أن تلعب دوراً رئيساً في انهيار الاقتصاد في أي بلد من البلاد، نحن نرى الآن ونسمع أخبار انهيار الشركات الكبرى في دبي، لو انهارت شركة كبرى كشركة (إعمار) أو أفلست وقد اشترت آلاف الدونمات في ضواحي دمشق وجنوبها وعرضت هذه الأراضي للبيع ماذا يحدث؟.. دونم الأرض الذي يساوي مليون ونصف المليون في (يعفور) ربما ينزل إلى النصف وربما أقل من النصف!.. انهيار شركة واحدة في دبي سيسبب انهيار العقارات في بلادنا!.. لماذا؟.. لأننا سمحنا لرؤوس أموال قوية جداً بالمنافسة في بلادنا مع أصحاب رؤس أموال لا يستطيعون خوض المنافسة على قدم المساواة.. وهذا أمر حذر منه ابن خلدون قديماً في (المقدمة)، وهذا الأمر يندرج تحت أحكام الاحتكار في الشريعة الإسلامية، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من احتكر فهو خاطئ).

لعل من أهم ما ينبغي أن نتنبه له هو النظر في أسباب هذه الأزمة المالية، كثير من الناس كانوا يتوقون إلى النظام الرأسمالي وبخاصة أيام التأميم والاشتراكية وأيام الضغط الشديد على الصرافين وعلى التجار، كانوا يحلمون بالانفتاح على النظام الرأسمالي، أقول: النظام الرأسمالي مبني على أصول فاسدة؛ وأول هذه الأصول الفاسدة هو الربا، ألا يكفينا أن نقرأ كلام الله تعالى!.. ألا نثق بوعد الله ونصدق بوعيده!.. ألا نصدق قول الله عز وجل إذ يقول: ﴿وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾ [سورة الروم، الآية:39]!.. ألا نصدق خبر الله تعالى إذ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾[سورة البقرة، الآية:278-279].. ألا نصدق قول الله تبارك وتعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [سورة البقرة، الآية: 276] يمحق: يذهب ويهلك.. واحد من أكبر المستثمرين العرب ومن أغنى أغنياء العرب من قائمة العشرة الأغنى في مجلة (فوربس) قال: نزلت ثروته بسبب انهيار البورصات العالمية من 30 مليار دولار إلى 20مليار دولار قلت: يمحق الله الربا ويربي الصدقات.

سأدرس إن شاء الله في الخطب القادمة أسباب هذه الأزمة، ومن جملة أسباب هذه الأزمة: بيع المعدوم، وسنضع أمثلة لذلك، وسنبين أحكام الفقهاء في عدم جواز بيع المعدوم، وبيع الإنسان ما لم يقبضه، لا يجوز للإنسان أن بيبع ما لم يقبضه، ولا يجوز للإنسان أن يبيع ما لا يملكه، هذه أحكام شرعية، ومن جملة أسباب انهيار البورصات العالمية التغاضي عن هذه القواعد الشرعية، وسنحلل ذلك إن شاء الله ليستنير بذلك تجارنا في هذه البلاد، حتى نكون بمنأى إن شاء الله تعالى عن التأثيرات على اقتصادنا وعلى بلادنا، ولكن لعل من أحسن ما جاءت به هذه الأزمة المالية انخفاض أسعار المواد الغذائية الأساسية والحمد لله، فقد بلغت المضاربة حداً وراء التصور، حتى بلغ طن القمح ضعفي ثمنه الحقيقي، الآن نزل والحمد لله، وصار تقريباً نصف الثمن.

فينبغي إذاً أن نأخذ من ذلك الدروس والعبر، وهذه الدروس تفيد كل واحد منا، ولو كان عنده عشرة آلاف ليرة سورية يدخرها أو كان لا يدخر شيئاً، فالأمر لا يتعلق بالفقر والغنى أو بسعة رؤوس الأموال فحسب، وإنما يتعلق بمنهج حياة في الاقتصاد، سواء كنت صاحب دكان تعيش على ما تربحه يوماً بيوم، أو كنت صاحب رأسمال أو مدير بنك أو شريكاً في مصنع كبير، ينبغي لنا أن نخطط لاستثماراتنا واقتصادنا وتجاراتنا على أسس من الشريعة الإسلامية، معظم الخلافات فيما بين التجار سببها التغاضي عن بعض الأحكام الشرعية، من ذلك عدم الصرف يداً بيدٍ؛ فالسعر ربما يختلف عشرة بالمئة أو عشرين بالمئة خلال ساعة واحدة، إذا اتصل أحد المتصارفين هاتفياً وقال: احجز لي عشرة آلاف دولار أرسل لك الموظف يقبضها، وثبَّتَ السعر على كذا وكذا، ربما يختلف السعر خلال ساعة!، فأحد المتصارفين لا بد أن يرغب بالنكوث، وقس على هذا ما شئت..

وسنحلل إن شاء الله في الخطبة القادمة بعض هذه الأسباب التي أدت إلى فساد النظام الرأسمالي العالمي، لكي ننأى بتجارتنا واقتصادنا عن مثيل ذلك الانهيار، أسال الله تبارك وتعالى أن يحفظنا وإياكم جميعاً، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.........