خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
بحث
naseem al sham
تطبيق الإمام الشهيد البوطي
  .:.   الجامع الأموي الكبير  .:.   خطبة الإمام الشهيد البوطي | الضمانة التي تجعل الإنسان ذا خلقٍ قويم  .:.   المقابلات الأخيرة للإمام البوطي حول سوريا بمناسبة الذكرى الثامنة للفتنة  .:.   المدرسة النورية الكبرى  .:.   خطبة الإمام الشهيد البوطي | واصبر وما صبرك إلا بالله  .:.   المدرسة النورية الصغرى  .:.   خطبة الإمام الشهيد البوطي | العبودية .. روح العبادة  .:.   إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك  .:.   استفتاءات الناس للإمام الشهيد البوطي (اخراج جديد)  .:.   إعلان هام  .:.   يمكنكم إرسال مقال أو بحث علمي لنشره على الموقع بعد دراسته وذلك من خلال زاوية اتصل بنا  
مشاركات الزوار
عودة
صاحب المقال : 
22/08/2016

(إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)

 محمود رمضان

حديث نبوي تجسد بكل ما فيه من معان فيمن عرفته أخاً وفياً، وصديقاً مخلصاً، ومحباً ودوداً. من أكرمني الله بصحبته، وشرفت بمرافقته في السنوات الجامعية وتوابعها، بآمالها وآلامها، بنزهاتها وأتعابها ومعسكراتها، إنه (طارق أحمد الزحيلي)، الذي شاء الباري سبحانه وتعالى أن تحول الظروف دون اللقاءات التي كنا ننعم بها، وفي كل مرة كنت أتواصل معه أجده يزداد ألقاً في أخلاقه وحسن تعامله مع إخوانه وأقرانه، وأعود واستعرض الذاكرة فلا أجد سمة ووصفاً من سمات الصلاح إلا وتوافرت فيه. إلا - اللهم - مظهره ولباسه الذي شابه به عامة الناس، وجعله البسطاء أصلاً في تقييم الرجال، لكن الله تعالى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.

وفي 17/8/2016 اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره في ساحة الشهادة، فتحول من شاب مغمور إلى شخص مشهور؛ نشر الله تعالى عَرف طيب أخلاقه وسماته بين الخلق، وصار ذكره على كل لسان، فلا تكاد تجد أحداً من أساتذته ولا وجهاء بلدته ولا من قادته أو أصدقائه إلا وتجده يذكر من صفاته وأحواله ما يندر أن تجتمع عند أحد، أشاع الله تعالى له من الذكر ما فوجئ به حتى أهله وأبناء بلدته. وحسبكم أن تعلموا أن آلافاً مؤلفة قد تدافعت لحضور تشييعه. حشود لم تجتمع عند تشييع كثير من العلماء ولا الأغنياء المحسنين ولا الأمراء المتنفذين. وتسمع الألسن تقول: (إن بلدة دير عطية لم تشهد تدافعاً وازدحاماً لحضور تشييع كما شهدناه لطارق)، فلقد اختار الله تعالى له طريقاً سريعاً ليرقى به إلى معارج المحبين والمقبولين. الذين تجد دلائل ذلك في محبة الناس له، ولن يحبه الناس إلا بعد أن ينادي سيدنا جبريل – كما ورد في الحديث - إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم يضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض.

تجسد ارتقاؤه في معارج المحبين في أدبه مع الخلق، وسمو علاقته مع الحق.

وإن كان أهله وإخوانه يتألمون في السنوات الأخيرة من حياته لمكابدته المشاق والغربة، فإن لسان حاله اليوم يقول لهم: بل ينبغي عليكم أن تهنئوني للطريق الذي قدره الله تعالى لي، لقد فتح لي باب القرب إلى ربي، وهيأ لي ساعات صفاء وأنس به لم أكن لأجد حلاوتها لو كنت بينكم، وكأنه يقول لهم: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). وقد تجلت فيه آثار أخلاقه الطيبة التي ارتقت به بين الخلق، ما أرجو أن يكون دليلاً على منزلته عند الحق تعالى.

لم يكن محسوباً من العلماء وإن كان موضع نظرهم ومحبتهم. .. ولا اشتهر شأنه بين المحسنين وإن كان سباقاً إلى الإحسان .. كما لم يكن من المسؤولين والمتنفذين. بل كان من البسطاء الطيبين يسعى بحاجة المساكين ويتردد على الأرحام والمغمورين. فقد كان له من بره بوالديه وأهله شأن عجيب .. وله في علاقاته التي تربطه مع إخوانه وأقرانه من الوفاء والإخلاص شأن أعجب .. ولو خضت لك في أحواله خلال خدمته للعلم لعلمت أن شأنه هناك أعجب وأعجب.

ولكن العجب يزول عندما أعرض بعضاً من خلاله التي أكرمه الله تعالى بها، وقد أحتاج إلى مزيد من الوقت لأتمكن من جمع صورة أكمل عن حياته، عسى أن تكون نبراساً ومنهجاً لي ولإخواني من الشباب الذين أفزعتهم هذه الأيام مشكلة الالتحاق بخدمة العلم ونسوا أن الآجال مقدرة في علم الله سواء كان في بيته وبين أهله أو في أوروبا أو في خدمة العلم. وهي الخدمة التي كانت سبباً في ارتقاء طارق إلى ما ارتقى إليه، عندما جعل رضى الله سبحانه وتعالى نصب عينيه. وحسبي أن أذكر لكم ما يتعلق بوصيته:

بعد أن تلقى أهله نبأ استشهاده، فتحوا خزانته فوجدوه قد جهز لنفسه كفناً وبداخله وصيته التي كتبها من شهر نيسان 2014 .. وهي مؤلفة من خمس صفحات، وفيها بنود تعد عادة تقليدية فيمن تجاوز مرحلة الشباب .. منها رد الحقوق إن وجدت، والحج عنه عندما يتيسر .. لكن هناك ما يجدر الوقوف عنده من ينود وصيته. ومنها:

- أنه لا يخشى الموت ولكنه يخشى ما بعد الموت عند لقاء الله عز وجل، ولذا فإن كل ما يخشاه أن يكون سبباً في إيذاء أي إنسان.

- أن يغسل ويكفن حتى ولو انتقل في ساحة الشهادة، فإنه لا يعد هذا سبباً كافياً لعدم تغسيله وتكفينه.

- أن يصلي عليه أقرب الناس إليه (وهو الده حفظه الله وزاده صبراً - كما تم له).

- أن تكون تربية بنته وابنه تربية اسلامية خالصة.

كما بين أنه اختار تنفيذ وصية رسول الله e، بأن يكون عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل.

وكان يقول: عرفت الله تعالى خلال خدمة العلم، وأكرمني الله تعالى بحفظ القرآن خلال هذه الفترة، وعرفت لذة الذكر والعبادة خلال خدمة العلم؛ قلت: فقد كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله .. وعندما لقيته في مجلس عزاء عمه الدكتور وهبة رحمه الله كان لسانه لا يفتر عن الذكر مع أنه أبدى أسفه على أنه لا يتمكن من القيام بما يمكنه أن ينجزه في أثناء الخدمة.

ورعه في تناول ما يأتيه من طعام ملفت للنظر، حتى الماء الذي يريد أن يتوضأ به كان يبحث عنه مباحاً غير محرز.

إن جاء إلى أهله إجازة .. استأذن والديه ليزور أرحامه .. وتردد على بعض الأرامل والفقراء .. وفي الأعياد يوزع المبالغ البسيطة بحسب قدرته على الصغار ليدخل على قلوبهم الفرحة والسعادة. ثم يمضي بقية وقته مع أهله. وفي المساء يستسلم مع الأهل للرقاد لكن عندما يستيقظ والده للتهجد يجد طارق واقفاً متهجداً قد سبقه إلى غايته.

وسعادة الأب بابنه تزداد عندما يرده اتصالات من أشخاص لا يعرفهم فيقول قائلهم: أحببت التواصل معك لأشكرك على ما ربيت عليه ابنك طارق .. تيسيره لأمور الناس .. سعيه في خدمتهم .. محبته لهم .. أحوال لم نجدها عند أحد غيره.

وفاؤه مع إخوانه الذين تربطه بهم مودة لا ينقطع مهما امتد الزمن. وقد كان آخر اتصال له معي قبل أيام قليلة. وأرسل لي هذه الرسالة من رقم لا أعرفه: (أنا طارق الزحيلي حبيت اسمع صوتك) وكم كنت أسر بدعائه لي على الرغم من أنه كان فيما يبدو أنه في شدة وامتحان. لكن تبين لي اليوم .. أننا نحن الممتحنون. أما هو فقد شق طريقه - بعد أن شاهد بعين بصيرته الحقيقة - فسار نحو النجاح والفوز بخطى ثابته وطريق واضحة العالم .. يقول بلسان الحال كما قال ذاك الصحابي: (عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أرى عرش ربي بارزاً).

ورغم أنه كان من المتفوقين في دراسته، فإنه كان من المسارعين في تقديم يد العون لأقرانه، وحسبكم ان تعلموا أنه كثيراً ما يقول لي: أنا أسأل الله تعالى لك دائماً أن يوفقك لتسبقني وتتفوق عليّ .. وليت هذه الأسطر القليلة توفيه شيئاً من حقه علي .. وأسال الله تعالى ان يجزيه عني خير الجزاء .. 

أختم بكليمات أتوجه بها إلى والديه خاصة وأهله عامة:

لإن كنتم تتألمون لمتاعبه التي كان يكابدها خلال خدمته، فقد ودّع المتاعب اليوم إلى غير رجعة.

ولئن كنتم تتألمون لغيابه عنكم والتحاقه بالخدمة. فإنه قد عاد إلى أهله وذويه فائزاً سعيداً إن شاء الله.

ولئن كنتم تتألمون لعدم التمكن من رؤيته ومجالسته فإن اللقاء قريب.

ولو خيرتموه اليوم بين عودته إليكم ولقاء ربه - الذي كم وكم كان يناجيه في ليالي الأنس في خلواته - لاختار لقاء ربه ..

ألم يقل سيدنا بلال في ساعته الأخيرة: غداً ألقى الأحبة .... محمداً وصحبه؟

رحمه الله وجمعنا به في دار كرامته.

تراجم و أعلام
بحوث و دراسات
ركن المرأة
ركن الشباب
مقالات
مشاركات الزوار
معالم و أعيان
روابط مفيدة
   
 
خريطة الموقع اتصل بنا من نحن الرئيسية
 
تابعونا على الفيس بوك تابعونا على الفيس بوك